قوله تعالى{ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين } . في الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها أحدها : روي أن اليهود قالوا : من جامع امرأته في قبلها من دبرها كان ولدها أحول مخبلا ، وزعموا أن ذلك في التوراة ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كذبت اليهود ونزلت هذه الآية وثانيها : روي عن ابن عباس أن عمر جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت ، وحكى وقوع ذلك منه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وثالثها : كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة من دبرها في قبلها ، وكانوا أخذوا ذلك من اليهود ، وكانت قريش تفعل ذلك فأنكرت الأنصار ذلك عليهم ، فنزلت الآية .
المسألة الثانية : { حرث لكم } أي مزرع ومنبت للولد ، وهذا على سبيل التشبيه ، ففرج المرأة كالأرض ، والنطفة كالبذر ، والولد كالنبات الخارج ، والحرث مصدر ، ولهذا وحد الحرث فكان المعنى نساؤكم ذوات حرث لكم فيهن تحرثون للولد ، فحذف المضاف ، وأيضا قد يسمى موضع الشيء باسم الشيء على سبيل المبالغة كقوله :
فإنما هي إقبالي وإدبار *** . . .
ويقال : هذا أمر الله ، أي مأموره ، وهذا شهوة فلان ، أي مشتهاه ، فكذلك حرث الرجل محرثة .
المسألة الثالثة : ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الآية أن الرجل مخير بين أن يأتيها من قبلها في قبلها ، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها ، فقوله : { أنى شئتم } محمول على ذلك ، ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول : المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهن ، وسائر الناس كذبوا نافعا في هذه الرواية ، وهذا قول مالك ، واختيار السيد المرتضى من الشيعة ، والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه ، وحجة من قال : إنه لا يجوز إتيان النساء في أدبارهن من وجوه :
الحجة الأولى : أن الله تعالى قال في آية المحيض : { قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } جعل قيام الأذى علة لحرمة إتيان موضع الأذى ، ولا معنى للأذى إلا ما يتأذى الإنسان منه وههنا يتأذى الإنسان بنتن روائح ذلك الدم وحصول هذه العلة في محل النزاع أظهر فإذا كانت تلك العلة قائمة ههنا وجب حصول الحرمة .
الحجة الثانية : قوله تعالى : { فأتوهن من حيث أمركم الله } وظاهر الأمر للوجوب ، ولا يمكن أن يقال : إنه يفيد وجوب إتيانهن لأن ذلك غير واجب ، فوجب حمله على أن المراد منه أن من أتى المرأة وجب أن يأتيها في ذلك الموضع الذي أمر الله تعالى به ثم هذا غير محمول على الدبر ، لأن ذلك بالإجماع غير واجب فتعين أن يكون محمولا على القبل ، وذلك هو المطلوب .
الحجة الثالثة : روى خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
" حلال ، فلما ولى الرجل دعاه فقال : كيف قلت في أي الخربتين ، أو في أي الخرزتين ، أو في أي الخصفتين ، أو من قبلها في قبلها فنعم ، أمن دبرها في قبلها فنعم ، أمن دبرها في دبرها فلا ، إن الله لا يستحي من الحق : «لا تؤتوا النساء في أدبارهن " وأراد بخربتها مسلكها ، وأصل الخربة عروة المزادة شبه الثقب بها ، والخرزة هي التي يثقبها الخراز ، كنى به عن المأتي ، وكذلك الخصفة من قولهم : خصفت الجلد إذا خرزته ، حجة من قال بالجواز وجوه :
الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية من وجهين الأول : أنه تعالى جعل الحرث اسما للمرأة فقال : { نساؤكم حرث لكم } فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة لا للموضع المعين ، فلما قال بعده : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } كان المراد فأتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقا في إتيانهن على جميع الوجوه ، فيدخل فيه محل النزاع .
الوجه الثاني : أن كلمة { أنى } معناها أين ، قال الله تعالى : { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } والتقدير : من أين لك هذا فصار تقدير الآية : فأتوا حرثكم أين شئتم وكلمة : أين شئتم ، تدل على تعدد الأمكنة : اجلس أين شئت ويكون هذا تخييرا بين الأمكنة .
إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها في قبلها ، أو من دبرها في قبلها لأن على هذا التقدير المكان واحد ، والتعداد إنما وقع في طريق الإتيان ، واللفظ اللائق به أن يقال : اذهبوا إليه كيف شئتم فلما لم يكن المذكور ههنا لفظة : كيف ، بل لفظة { أنى } ويثبت أن لفظة { أنى } مشعرة بالتخيير بين الأمكنة ، ثبت أنه ليس المراد ما ذكرتم بل ما ذكرناه .
الحجة الثانية : لهم : التمسك بعموم قوله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ترك العمل به في حق الذكور لدلالة الإجماع ، فوجب أن يبقى معمولا به في حق النسوان .
الحجة الثالثة : توافقنا على أنه لو قال للمرأة : دبرك على حرام ونوى الطلاق أنه يكون طلاقا ، وهذا يقتضي كون دبرها حلالا له ، هذا مجموع كلام القوم في هذا الباب .
أجاب الأولون فقالوا : الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية إتيان النساء في غير المأتي وجوه الأول : أن الحرث اسم لموضع الحراثة ، ومعلوم أن المراد بجميع أجزائها ليست موضعا للحراثة ، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة ، ويقتضي هذا الدليل أن لايطلق لفظ الحرث على ذات المرأة إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله : { نساؤكم حرث لكم } لأن الله تعالى صرح ههنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة ، فحملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية كل الشيء باسم جزئه ، وهذه الصورة مفقودة في قوله : { فأتوا حرثكم } فوجب حمل الحرث ههنا على موضع الحراثة على التعيين ، فثبت أن الآية لا دلالة فيها إلا على إتيان النساء في المأتي .
الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية لا يمكن أن تكون دالة على ما ذكروه لما بينا أن ما قبل هذه الآية يدل على المنع مما ذكروه من وجهين أحدهما : قوله : { قل هو أذى } والثاني : قوله : { فأتوهن من حيث أمركم الله } فلو دلت هذه الآية على التجويز لكان ذلك جمعا بين ما يدل على التحريم وبين ما يدل على التحليل في موضع واحد ، والأصل أنه لا يجوز .
الوجه الثالث : الروايات المشهورة في أن سبب نزول هذه الآية اختلافهم في أنه هل يجوز إتيانها من دبرها في قبلها ، وسبب نزول الآية لا يكون خارجا عن الآية فوجب كون الآية متناولة لهذه الصورة ، ومتى حملناها على هذه الصورة لم يكن بنا حاجة إلى حملناها على الصورة الأخرى فثبت بهذه الوجوه أن المراد من الآية ليس ما ذكروه ، وعند هذا نبحث عن الوجوه التي تمسكوا بها على التفصيل .
أما الوجه الأول : فقد بينا أن قوله : { فأتوا حرثكم } معناه : فأتوه موضع الحرث .
وأما الثاني : فإنه لما كان المراد بالحرث في قوله : { فأتوا حرثكم } ذلك الموضع المعين لم يكن حمل { أنى شئتم } على التخيير في مكان ، وعند هذا يضمر فيه زيادة ، وهي أن يكون المراد من { أنى شئتم } فيضمر لفظة : من ، لا يقال ليس حمل لفظ الحرث على حقيقته ، والتزام هذا الإضمار أولى من حمل لفظ الحرث على المرأة على سبيل المجاز ، حتى لا يلزمنا هذا الإضمار لأن نقول : بل هذا أولى ، لأن الأصل في الإبضاع الحرمة .
وأما الثالث : فجوابه : أن قوله : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } عام ، ودلائلنا خاصة ، والخاص مقدم على العام .
وأما الرابع : فجوابه : أن قوله : دبرك على حرام ، إنما صلح أن يكون كناية عن الطلاق ، لأنه محل لحل الملابسة والمضاجعة ، فصار ذلك كقوله : يدك طالق ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : اختلف المفسرون في تفسير قوله : { أنى شئتم } والمشهور ما ذكرناه أنه يجوز للزوج أن يأتيها من قبلها في قبلها ، ومن دبرها في قبلها والثاني : أن المعنى : أي وقت شئتم من أوقات الحل : يعنى إذا لم تكن أجنبية ، أو محرمة ، أو صائمة ، أو حائضا والثالث : أنه يجوز للرجل أن ينكحها قائمة أو باركة ، أو مضطجعة ، بعد أن يكون في الفرج الرابع : قال ابن عباس : المعنى إن شاء ، وإن شاء لم يعزل ، وهو منقول عن سعيد بن المسيب الخامس : متى شئتم من ليل أو نهار .
فإن قيل : فما المختار من هذه الأقاويل ؟ .
قلنا : قد ظهر عن المفسرين أن سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود كانوا يقولون : من أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ، فأنزل الله تعالى هذا لتكذيب قولهم ، فكان الأولى حمل اللفظ عليه ، وأما الأوقات فلا مدخل لها في هذا الباب ، لأن { أنى } يكون بمعنى { متى } ويكون بمعنى { كيف } وأما العزل وخلافه فلا يدخل تحت { أنى } لأن حال الجماع لا يختلف بذلك ، فلا وجه لحمل الكلام إلا على ما قلنا .
أما قوله : { وقدموا لأنفسكم } فمعناه : افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة ونظيره أن يقول الرجل لغيره : قدم لنفسك عملا صالحا ، وهو كقوله : { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ونظير لفظ التقديم ما حكى الله تعالى عن فريق من أهل النار وهو قوله : { قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار } .
فإن قيل : كيف تعلق هذا الكلام بما قبله ؟ .
قلنا : نقل عن ابن عباس أنه قال : معناه التسمية عند الجماع وهو في غاية البعد ، والذي عندي فيه أن قوله : { نساؤكم حرث لكم } جار مجرى التنبيه على سبب إباحة الوطء ، كأنه قيل : هؤلاء النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن لكم لأجل أنهن حرث لكم أي بسبب أنه يتولد الولد منها ثم قال بعده : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } أي لما كان السبب في إباحة وطئها لكم حصول الحرث ، فأتوا حرثكم ، ولاتأتوا غير موضع الحرث ، فكان قوله : { فأتوا حرثكم } دليلا على الإذن في ذلك الموضع ، والمنع من غير ذلك الموضع ، فلما اشتملت الآية على الإذن في أحد الموضعين ، والمنع عن الموضع الآخر ، لا جرم قال : { وقدموا لأنفسكم } أي لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيد تقديم الطاعة ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { واتقوا الله } ثم أكده ثالثا بقوله : { واعلموا أنكم ملاقوه } وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا يليق ذكرها إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى ، فثبت أن ما قبل هذه الآية دال على تحريم هذا العمل ، وما بعدها أيضا دال على تحريمه ، فظهر أن المذهب الصحيح في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المجتهدين .
أما قوله تعالى : { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } فاعلم أن الكلام في التقوى قد تقدم ، والكلام في تفسير لقاء الله تعالى قد تقدم في قوله : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } واعلم أنه تعالى ذكر هذه الأمور الثلاثة أولها : { وقدموا لأنفسكم } والمراد منه فعل الطاعات وثانيها : قوله : { واتقوا الله } والمراد منه ترك المحظورات وثالثها : قوله : { واعلموا أنكم ملاقوه } وفيه إشارة إلى أني إنما كلفتكم بتحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات لأجل يوم البعث والنشور والحساب ، فلولا ذلك اليوم لكان تحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات عبثا وما أحسن هذا الترتيب ، ثم قال : { وبشر المؤمنين } والمراد منه رعاية الترتيب المعتبر في القرآن وهو أن يجعل مع كل وعيد وعدا والمعنى وبشر المؤمنين خاصة بالثواب والكرامة فحذف ذكرهما لما أنهم كالمعلوم ، فصار كقوله : { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } .
وفي هذا الظل يصور لونا من الوان العلاقة الزوجية يناسبه ويتسق مع خطوطه :
( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) . .
وفي هذا التعبير الدقيق ما فيه من إشارات إلى طبيعة تلك العلاقة في هذا الجانب ، وإلى أهدافها واتجاهاتها . نعم ! إن هذا الجانب لا يستغرق سائر العلاقات بين الزوج وزوجه . وقد جاء وصفها وذكرها في مواضع أخرى مناسبة للسياق في تلك المواضع . كقوله تعالى : ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) . . وقوله : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) . . فكل من هذه التعبيرات يصور جانبا من جوانب تلك العلاقة العميقة الكبيرة في موضعه المناسب . أما مناسبة السياق هنا فيتسق معها التعبير بالحرث . لأنها مناسبة إخصاب وتوالد ونماء . وما دام حرثا فأتوه بالطريقة التي تشاءون . ولكن في موضع الإخصاب الذي يحقق غاية الحرث :
وفي الوقت ذاته تذكروا الغاية والهدف ، واتجهوا إلى الله فيه بالعبادة والتقوى ؛ فيكون عملا صالحا تقدمونه لأنفسكم . واستيقنوا من لقاء الله ، الذي يجزيكم بما قدمتم :
( وقدموا لأنفسكم . واتقوا الله . واعلموا أنكم ملاقوه ) . .
ثم يختم الآية بتبشير المؤمنين بالحسنى عند لقاء الله ، وفي هذا الذي يقدمونه من الحرث ، فكل عمل للمؤمن خير ، وهو يتجه فيه إلى الله :
هنا نطلع على سماحة الإسلام ، الذي يقبل الإنسان كما هو ، بميوله وضروراته ، لا يحاول أن يحطم فطرته باسم التسامي والتطهر ؛ ولا يحاول أن يستقذر ضروراته التي لا يد له فيها ؛ إنما هو مكلف إياها في الحقيقة لحساب الحياة وامتدادها ونمائها ! إنما يحاول فقط أن يقرر إنسانيته ويرفعها ، ويصله بالله وهو يلبي دوافع الجسد . يحاول أن يخلط دوافع الجسد بمشاعر إنسانية أولا ، وبمشاعر دينية أخيرا ؛ فيربط بين نزوة الجسد العارضة وغايات الإنسانية الدائمة ورفرفة الوجدان الديني اللطيف ؛ ويمزج بينها جميعا في لحظة واحدة ، وحركة واحدة ، واتجاه واحد ، ذلك المزج القائم في كيان الإنسان ذاته ، خليفة الله في أرضه ، المستحق لهذه الخلافة بما ركب في طبيعته من قوى وبما أودع في كيانه من طاقات . . وهذا المنهج في معاملة الإنسان هو الذي يلاحظ الفطرة كلها لأنه من صنع خالق هذه الفطرة . وكل منهج آخر يخالف عنه في قليل أو كثير يصطدم بالفطرة فيخفق ، ويشقى الإنسان فردا وجماعة . والله يعلم وأنتم لا تعلمون . .
{ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } أخرج البخاري وجماعة عن جابر قال : «كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها ثم حملت جاء الولد أحول فنزلت » والحرث إلقاء البذر في الأرض وهو غير الزرع لأنه إنباته يرشدك إلى ذلك قوله تعالى : { أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون لَوْ } [ الواقعة : 3 6 4 6 ] قال الجوهري : الحرث الزرع والحارث الزارع وعلى كل تقدير هو خبر عما قبله إما بحذف المضاف أي مواضع حرث ، أو التجوز والتشبيه البليغ أي كمواضع ذلك وتشبيههن بتلك المواضع متفرع على تشبيه النطف بالبذور من حيث إن كلا منهما مادة لما يحصل منه ولا يحسن بدونه فهو تشبيه يكنى به عن تشبيه آخر .
{ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } أي ما هو كالحرث ففيه استعارة تصريحية ويحتمل أن يبقى الحرث على حقيقته والكلام تمثيل شبه حال إتيانهم النساء في المأتى بحال إتيانهم المحارث في عدم الاختصاص بجهة دون جهة ثم أطلق لفظ المشبه به على المشبه ، والأول أظهر وأوفق لتفريع حكم الإتيان على تشبيههن بالحرث تشبيهاً بليغاً ، وهذه الجملة مبينة لقوله تعالى : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } [ البقرة : 222 ] لما فيه من الإجمال من حيث المتعلق ، والفاء جزائية ، وما قبلها علة لما بعدها ، وقدم عليه اهتماماً بشأن العلة وليحصل الحكم معللا فيكون أوقع ، ويحتمل أن يكون المجموع كالبيان لما تقدم ، والفاء للعطف وعطف الإنشاء على الأخبار جائز بعاطف سوى الواو { أنى شِئْتُمْ } قال قتادة والربيع : من أين شئتم وقال مجاهد : كيف شئتم ، وقال الضحاك : متى شئتم ، ومجيء { أنى } بمعنى أين وكيف ومتى مما أثبته الجم الغفير ، وتلزمها على الأول من ظاهرة أو مقدرة ، وهي شرطية حذف جوابها لدلالة الجملة السابقة عليه ، واختار بعض المحققين كونها بمعنى من أين أي من أي جهة ليدخل فيه بيان النزول ، والقول بأن الآية حينئذ تكون دليلاً على جواز الإتيان من الأدبار ناشئ من عدم التدبر في أن من لازمة إذ ذاك فيصير المعنى من أي مكان لا في أي مكان فيجوز أن يكون المستفاد حينئذ تعميم الجهات من القدام والخلف والفوق والتحت واليمين والشمال لا تعميم مواضع الإتيان فلا دليل في الآية لمن جوز إتيان المرأة في دبرها كابن عمر ، والأخبار عنه في ذلك صحيحة مشهورة ، والروايات عنه بخلافها على خلافها ، وكابن أبي مليكة وعبد الله بن القاسم حتى قال فيما أخرجه الطحاوي عنه : ما أدركت أحداً اقتدى به في ديني يشك في أنه حلال ، وكمالك بن أنس حتى أخرج الخطيب عن أبي سلمان الجوزجاني أنه سأله عن ذلك فقال له : / الساعة غسلت رأس ذكري منه ، وكبعض الإمامية لا كلهم كما يظنه بعض الناس ممن لا خبرة له بمذهبهم ، وكسحنون من المالكية ، والباقي من أصحاب مالك ينكرون رواية الحل عنه ولا يقولون به ، ويا ليت شعري كيف يستدل بالآية على الجواز مع ما ذكرناه فيها ، ومع قيام الاحتمال كيف ينتهض الاستدلال لا سيما وقد تقدم قبل وجوب الاعتزال في المحيض وعلل بأنه أذى مستقذر تنفر الطباع السليمة عنه ، وهو يقتضي وجوب الاعتزال عن الإتيان في الأدبار لاشتراك العلة ، ولا يقاس ما في المحاش من الفضلة بدم الاستحاضة ومن قاس فقد أخطأت إسته الحفرة لظهور الاستقذار .
والنفرة مما في المحاش دون دم الاستحاضة ، وهو دم انفجار العرق كدم الجرح ؛ وعلى فرض تسليم أن { أنى } تدل على تعميم مواضع الإتيان كما هو الشائع يجاب بأن التقييد بمواضع الحرث يدفع ذلك فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : بينا أنا ومجاهد جالسان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذ أتاه رجل فقال : ألا تشفيني من آية المحيض قال : بلى فقرأ { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } إلى { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } [ البقرة : 222 ] فقال ابن عباس : من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي فقال : كيف بالآية { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ } ؟ فقال : ويحك ، وفي الدبر من حرث لو كان ما تقول حقاً لكان المحيض منسوخاً إذا شغل من ههنا جئت من ههنا ولكن أنى شئتم من الليل والنهار ، وما قيل : من أنه لو كان في الآية تعين الفرج لكونه موضع الحرث للزم تحريم الوطء بين الساقين وفي الأعكان لأنها ليست موضع حرث كالمحاش ، مدفوع بأن الأمناء فيها عدا الضمامين لا يعد في العرف جماعاً ووطئاً والله تعالى قد حرم الوطء والجماع في غير موضع الحرث لا الاستمناء فحرمة الاستمناء بين الساقين وفي الأعكان لم تعلم من الآية إلا أن يعد ذلك إيتاءاً وجماعاً وأنى به ، ولا أظنك في مرية من هذا وبه يعلم ما في مناظرة الإمام الشافعي والإمام محمد بن الحسن ، فقد أخرج الحاكم عن ابن عبد الحكم أن الشافعي ناظر محمداً في هذه المسألة ، فاحتج عليه ابن الحسن بأن الحرث إنما يكون في الفرج ، فقال له : أفيكون ما سوى الفرج محرماً فالتزمه ؟ فقال أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها أو في ذلك حرث ؟ قال : لا قال : أفيحرم ؟ قال : لا قال : فكيف تحتج بما لا تقول به ، وكأنه من هنا قال الشافعي فيما حكاه عنه الطحاوي ، والحاكم ، والخطيب لما سئل عن ذلك : ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال وهذا خلاف ما نعرف من مذهب الشافعي فإن رواية التحريم عنه مشهورة فلعله كان يقول ذلك في القديم ورجع عنه في الجديد لما صح عنده من الأخبار أو ظهر له من الآية .
{ وَقَدّمُواْ لأنفسكم } ما يصلح للتقديم من العمل الصالح ومنه التسمية عند الجماع وطلب الولد المؤمن ، فقد أخرج الشيخان . وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً » وصح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له » وعن عطاء تخصيص المفعول بالتسمية . وعن مجاهد بالدعاء عند الجماع ، وعن بعضهم بطلب الولد وعن آخرين بتزوج العفائف والتعميم أولى { واتقوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه . { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } بالبعث فيجازيكم بأعمالكم فتزودوا ما ينفعكم ؛ والضمير المجرور راجع إلى الله تعالى بحذف مضاف أو بدونه ورجوعه إلى ما قدمتم أو إلى الجزاء المفهوم منه بعيد والأوامر معطوفة على قوله تعالى : { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } وفائدتها الإرشاد العام بعد الإرشاد الخاص وكون الجملة السابقة مبينة لا يقتضي أن يكون/ المعطوف عليها كذلك { وَبَشّرِ المؤمنين } الذين تقلوا ما خوطبوا به بالقبول والامتثال بما لا تحيط به عبارة من الكرامة والنعيم ، وحمل بعضهم المؤمنين على الكاملين في الإيمان بناءاً على أن الخطابات السابقة كانت للمؤمنين مطلقاً فلو كانت هذه البشارة لهم كان مقتضى الظاهر وبشرهم فلما وضع المظهر موضع المضمر علم أن المراد غير السابقين وهم المؤمنون الكاملون ولا يخفى أنه يجوز أن يكون العدول إلى الظاهر للدلالة على العلية ولكونه فاصلة فلا يتم ما ذكره والواو للعطف ، { وَبَشّرِ } عطف على { قُلْ } [ البقرة : 222 ] المذكور سابقاً أو على ( قل ) مقدرة قبل قدموا وهي معطوفة على مذكورة .
( ومن باب الإشارة ) :نساؤكم وهي النفوس التي غدت لباساً لكم وغدوتم لباساً لهن موضع حرثكم للآخرة { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } متى شئتم الحراثة لمعادكم { وَقَدّمُواْ لأنفسكم } ما ينفعها ويكمل نشأتها { واتقوا الله } من النظر إلى ما سواه { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } بالفناء فيه إذا اتقيتم { وَبَشّرِ المؤمنين } بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .