مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (282)

قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم }

اعلم أن في الآية مسائل :

المسألة الأولى : أن في كيفية النظم وجهين الأول : أن الله سبحانه لما ذكر قبل هذا الحكم نوعين من الحكم أحدهما : الإنفاق في سبيل الله وهو يوجب تنقيص المال والثاني : ترك الربا ، وهو أيضا سبب لتنقيص المال ، ثم إنه تعالى ختم ذينك الحكمين بالتهديد العظيم ، فقال : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } والتقوى تسد على الإنسان أكثر أبواب المكاسب والمنافع أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والبوار فإن القدرة على الإنفاق في سبيل الله ، وعلى ترك الربا ، وعلى ملازمة التقوى لا يتم ولا يكمل إلا عند حصول المال ، ثم إنه تعال لأجل هذه الدقيقة بالغ في الوصية بحفظ المال الحلال عن وجوه التوي والتلف ، وقد ورد نظيره في سورة النساء { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما } [ النساء : 5 ] فحث على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببا لمصالح المعاش والمعاد ، قال القفال رحمه الله تعالى : والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار ، وفي هذه الآية بسط شديد ، ألا ترى أنه قال : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ثم قال ثانيا : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } ثم قال ثالثا : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } فكان هذا كالتكرار لقوله { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } لأن العدل هو ما علمه الله ، ثم قال رابعا : { فليكتب } وهذا إعادة الأمر الأول ، ثم قال خامسا : { وليملل الذي عليه الحق } وفي قوله { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } كفاية عن قوله { وليملل الذي عليه الحق } لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه ، ثم قال سادسا : { وليتق الله ربه } وهذا تأكيد ، ثم قال سابعا : { ولا يبخس منه شيئا } فهذا كالمستفاد من قوله { وليتق الله ربه } ثم قال ثامنا : { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } وهو أيضا تأكيد لما مضى ، ثم قال تاسعا : { ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا } فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة ، وكل ذلك يدل على أنه لما حث على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال في الحكمين الأولين بالغ في هذا الحكم في الوصية بحفظ المال الحلال ، وصونه عن الهلاك والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله ، والإعراض عن مساخط الله من الربا وغيره ، والمواظبة على تقوى الله فهذا هو الوجه الأول من وجوه النظم ، وهو حسن لطيف .

والوجه الثاني : أن قوما من المفسرين قالوا : المراد بالمداينة السلم ، فالله سبحانه وتعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ، ولهذا قال بعض العلماء : لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضعه الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثل ذلك اللذة طريقا حلالا وسبيلا مشروعا فهذا ما يتعلق بوجه النظم .

المسألة الثانية : التداين تفاعل من الدين ، ومعناه داين بعضكم بعضا ، وتداينتم تبايعتم بدين ، قال أهل اللغة : القرض غير الدين ، لأن القرض أن يقرض الإنسان دراهم ، أو دنانير ، أو حبا ، أو تمرا ، أو ما أشبه ذلك ، ولا يجوز فيه الأجل والدين يجوز فيه الأجل ، ويقال من الدين أدان إذا باع سلعته بثمن إلى أجل ، ودان يدين إذا أقرض ، ودان إذا استقرض وأنشد الأحمر :

ندين ويقضي الله عنا وقد نرى *** مصارع قوم لا يدينون ضيقا

إذا عرفت هذا فنقول : في المراد بهذه المداينة أقوال : قال ابن عباس : أنها نزلت في السلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث ، فقال صلى الله عليه وسلم : " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " ثم أن الله تعالى عرف المكلفين وجه الاحتياط في الكيل والوزن والأجل ، فقال : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } .

والقول الثاني : أنه القرض وهو ضعيف لما بينا أن القرض لا يمكن أن يشترط فيه الأجل والدين المذكور في الآية قد اشترط فيه الأجل .

والقول الثالث : وهو قول أكثر المفسرين : أن البياعات على أربعة أوجه أحدها : بيع العين بالعين ، وذلك ليس بمداينة البتة والثاني : بيع الدين بالدين وهو باطل ، فلا يكون داخلا تحت هذه الآية ، بقي هنا قسمان : بيع العين بالدين ، وهو ما إذا باع شيئا بثمن مؤجل وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم ، وكلاهما داخلان تحت هذه الآية ، وفي الآية سؤالات :

السؤال الأول : المداينة مفاعلة ، وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين ، وذلك هو بيع الدين بالدين وهو باطل بالاتفاق .

والجواب : أن المراد من تداينتم تعاملتم ، والتقدير : إذا تعاملتم بما فيه دين .

السؤال الثاني : قوله { تداينتم } يدل على الدين فما الفائدة بقوله { بدين } .

الجواب من وجوه الأول : قال ابن الأنباري : التداين يكون لمعنيين أحدهما : التداين بالمال ، والآخر التداين بمعنى المجازاة ، من قولهم : كما تدين تدان ، والدين الجزاء ، فذكر الله تعالى الدين لتخصيص أحد المعنيين الثاني : قال صاحب «الكشاف » : إنما ذكر الدين ليرجع الضمير إليه في قوله { فاكتبوه } إذ لو لم يذكر ذلك لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين ، فلم يكن النظم بذلك الحسن الثالث : أنه تعالى ذكره للتأكيد ، كقوله تعالى : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } [ الحجر : 30 ] [ ص : 73 ] { ولا طائر يطير بجناحيه } [ الأنعام : 38 ] الرابع : فإذا تداينتم أي دين كان صغيرا أو كبيرا ، على أي وجه كان ، من قرض أو سلم أو بيع عين إلى أجل الخامس : ما خطر ببالي أنا ذكرنا أن المداينة مفاعلة ، وذلك إنما يتناول بيع الدين بالدين وهو باطل ، فلو قال : إذا تداينتم لبقي النص مقصورا على بيع الدين بالدين وهو باطل ، أما لما قال : { إذا تداينتم بدين } كان المعنى : إذا تداينتم تداينا يحصل فيه دين واحد ، وحينئذ يخرج عن النص بيع الدين بالدين ، ويبقى بيع العين بالدين ، أو بيع الدين بالعين فإن الحاصل في كل واحد منهما دين واحد لا غير .

السؤال الثالث : المراد من الآية : كلما تداينتم بدين فاكتبوه ، وكلمة { إذا } لا تفيد العموم فلم قال : { تداينتم } ولم يقل كلما تداينتم .

الجواب : أن كلمة { إذا } وإن كانت لا تقتضي العموم ، إلا أنها لا تمنع من العموم وههنا قام الدليل على أن المراد هو العموم ، لأنه تعالى بين العلة في الأمر بالكتبة في آخر الآية ، وهو قوله { ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا } والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدين ولم يكتب ، فالظاهر أنه تنسى الكيفية ، فربما توهم الزيادة ، فطلب الزيادة وهو ظلم ، وربما توهم النقصان فترك حقه من غير حمد ولا أجر ، فأما إذا كتب كيفية الواقعة أمن من هذه المحذورات فلما دل النص على أن هذا هو العلة ، ثم إن هذه العلة قائمة في الكل ، كان الحكم أيضا حاصلا في الكل .

أما قوله تعالى : { إلى أجل مسمى } ففيه سؤالان :

السؤال الأول : ما الأجل ؟ .

الجواب : الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره ، وأجل الدين لوقت معين في المستقبل ، وأصله من التأخير ، يقال : أجل الشيء يأجل أجولا إذا تأخر ، والآجل نقيض العاجل .

السؤال الثاني : المداينة لا تكون إلا مؤجلة فما الفائدة في ذكر الأجل بعد ذكر المداينة ؟ .

الجواب : إنما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله { مسمى } والفائدة في قوله { مسمى } ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما ، كالتوقيت بالسنة والشهر والأيام ، ولو قال : إلى الحصاد ، أو إلى الدياس ، أو إلى قدوم الحاج ، لم يجز لعدم التسمية .

أما قوله تعالى : { فاكتبوه } فاعلم أنه تعالى أمر في المداينة بأمرين أحدهما : الكتبة وهي قوله ههنا { فاكتبوه } الثاني : الإشهاد وهو قوله { فاستشهدوا شهيدين من رجالكم } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : فائدة الكتبة والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل ، تتأخر فيه المطالبة ويتخلله النسيان ، ويدخل فيه الجحد ، فصارت الكتابة كالسبب لحفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة والإشهاد يحذر من طلب الزيادة ، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل ، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك يحذر عن الجحود ، ويأخذ قبل حلول الأجل في تحصيل المال ، ليتمكن من أدائه وقت حلول الدين ، فلما حصل في الكتابة والإشهاد هذه الفوائد لا جرم أمر الله به ، والله أعلم .

المسألة الثانية : القائلون بأن ظاهر الأمر للندب لا إشكال عليهم في هذه ، وأما القائلون بأن ظاهره للوجوب فقد اختلفوا فيه ، فقال قوم بالوجوب وهو مذهب عطاء ، وابن جريج والنخعي واختيار محمد بن جرير الطبري ، وقال النخعي يشهد ولو على دستجة بقل ، وقال آخرون : هذا الأمر محمول على الندب ، وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين ، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد ، وذلك إجماع على عدم وجوبهما ، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : « بعثت بالحنيفية السهلة السمحة » وقال قوم : بل كانت واجبة ، إلا أن ذلك صار منسوخا بقوله { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته } [ البقرة : 283 ] وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم وابن عيينة ، وقال التيمي : سألت الحسن عنها فقال : إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد ، ألا تسمع قوله تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضا } واعلم أنه تعالى لما أمر بكتب هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين :

الشرط الأول : أن يكون الكاتب عدلا وهو قوله { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } واعلم أن قوله تعالى : { فاكتبوه } ظاهره يقتضي أنه يجب على كل أحد أن يكتب ، لكن ذلك غير ممكن ، فقد لا يكون ذلك الإنسان كاتبا ، فصار معنى قوله { فاكتبوه } أي لا بد من حصول هذه الكتبة ، وهو كقوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء } [ المائدة : 38 ] فإن ظاهره وإن كان يقتضي خطاب الكل بهذا الفعل ، إلا أنا علمنا أن المقصود منه أنه لا بد من حصول قطع اليد من إنسان واحد ، إما الإمام أو نائبه أو المولى ، فكذا ههنا ثم تأكد هذا الذي قلناه بقوله تعالى : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } فإن هذا يدل على أن المقصود حصول هذه الكتبة من أي شخص كان .

أما قوله { بالعدل } ففيه وجوه الأول : أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص منه ، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه الثاني : إذا كان فقيها وجب أن يكتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر ، بل لابد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقه الثالث : قال بعض الفقهاء : العدل أن يكون ما يكتبه متفقا عليه بين أهل العلم ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلا إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين الرابع : أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد بها ، وهذه الأمور التي ذكرناها لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيها عارفا بمذاهب المجتهدين ، وأن يكون أديبا مميزا بين الألفاظ المتشابهة ، ثم قال : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : ظاهر هذا الكلام نهى لكل من كان كاتبا عن الامتناع عن الكتبة ، وإيجاب الكتبة على كل من كان كاتبا ، وفيه وجوه الأول : أن هذا على سبيل الإرشاد إلى الأولى لا على سبيل الإيجاب ، والمعنى أن الله تعالى لما علمه الكتبة ، وشرفه بمعرفة الأحكام الشرعية ، فالأولى أن يكتب تحصيلا لمهم أخيه المسلم شكرا لتلك النعمة ، وهو كقوله تعالى : { وأحسن كما أحسن الله إليك } [ القصص : 77 ] فإنه ينتفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها .

والقول الثاني : وهو قول الشعبي : أنه فرض كفاية ، فإن لم يجد أحدا يكتب إلا ذلك الواحد وجب الكتبة عليه ، فإن وجد أقواما كان الواجب على واحد منهم أن يكتب .

والقول الثالث : أن هذا كان واجبا على الكاتب ، ثم نسخ بقوله تعالى : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } .

والقول الرابع : أن متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله ، يعني أن بتقدير أن يكتب فالواجب أن يكتب على ما علمه الله ، وأن لا يخل بشرط من الشرائط ، ولا يدرج فيه قيدا يخل بمقصود الإنسان ، وذلك لأنه لو كتبه من غير مراعاة هذه الشروط اختل مقصود الإنسان ، وضاع ماله ، فكأنه قيل له : إن كنت تكتب فاكتبه عن العدل ، واعتبار كل الشرائط التي اعتبرها الله تعالى .

المسألة الثانية : قوله { كما علمه الله } فيه احتمالان الأول : أن يكون متعلقا بما قبله ، ولا يأب كاتب عن الكتابة التي علمه الله إياها ، ولا ينبغي أن يكتب غير الكتابة التي علمه الله إياها ثم قال بعد ذلك : فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله إياها .

والاحتمال الثاني : أن يكون متعلقا بما بعده ، والتقدير : ولا يأب كاتب أن يكتب ، وههنا تم الكلام ، ثم قال بعده { كما علمه الله فليكتب } فيكون الأول أمرا بالكتابة مطلقا ثم أردفه بالأمر بالكتابة التي علمه الله إياها ، والوجهان ذكرهما الزجاج .

الشرط الثاني في الكتابة : قوله تعالى : { وليملل الذي عليه الحق } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : أن الكتابة وإن وجب أن يختار لها العالم بكيفية كتب الشروط والسجلات لكن ذلك لا يتم إلا بإملاء من عليه الحق فليدخل في جملة إملائه اعترافه بما عليه من الحق في قدره وجنسه وصفته وأجله إلى غير ذلك ، فلأجل ذلك قال تعالى : { وليملل الذي عليه الحق } .

المسألة الثانية : الإملال والإملاء لغتان ، قال الفراء : أمللت عليه الكتاب لغة أهل الحجاز وبني أسد ، وأمليت لغة تميم وقيس ، ونزل القرآن باللغتين قال تعالى في اللغة الثانية { فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } [ الفرقان : 5 ] .

ثم قال : { وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا } وهذا أمر لهذا المملى الذي عليه الحق بأن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئا .

ثم قال تعالى : { وإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } والمعنى أن من عليه الدين إذا لم يكن إقراره معتبرا فالمعتبر هو إقرار وليه .

ثم في الآية مسائل :

المسألة الأولى : إدخال حرف { أو } بين هذه الألفاظ الثلاثة ، أعني السفيه ، والضعيف ، ومن لا يستطيع أن يمل يقتضي كونها أمورا متغايرة ، لأن معناه أن الذي عليه الحق إذا كان موصوفا بإحدى هذه الصفات الثلاث فليملل وليه بالعدل ، فيجب في الثلاثة أن تكون متغايرة ، وإذا ثبت هذا وجب حمل السفيه على الضعيف الرأي ناقص العقل من البالغين ، والضعيف على الصغير والمجنون والشيخ الخرف ، وهم الذين فقدوا العقل بالكلية ، والذي لا يستطيع لأن يمل من يضعف لسانه عن الإملاء لخرس ، أو جهله بماله وما عليه ، فكل هؤلاء لا يصح منهم الإملاء والإقرار ، فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم ، فقال تعالى : { فليملل وليه بالعدل } والمراد ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة ، لأن ولي المحجور السفيه ، وولي الصبي : هو الذي يقر عليه بالدين ، كما يقرب بسائر أموره ، وهذا هو القول الصحيح ، وقال ابن عباس ومقاتل والربيع : المراد بوليه ولي الدين يعني أن الذي له الدين يملي وهذا بعيد ، لأنه كيف يقبل قول المدعي ، وإن كان قوله معتبرا ، فأي حاجة بنا إلى الكتابة والإشهاد .

النوع الثاني : من الأمور التي اعتبرها الله تعالى في المداينة الإشهاد ، وهو قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } واعلم أن المقصود من الكتابة هو الاستشهاد لكي يتمكن بالشهود عند الجحود من التوصل إلى تحصيل الحق ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : { استشهدوا } أي أشهدوا يقال : أشهدت الرجل واستشهدته ، بمعنى : والشهيدان هما الشاهدان ، فعيل بمعنى فاعل .

المسألة الثانية : الإضافة في قوله { من رجالكم } فيه وجوه الأول : يعني من أهل ملتكم وهم المسلمون والثاني : قال بعضهم : يعني الأحرار والثالث : { من رجالكم } الذين تعتدونهم للشهادة بسبب العدالة .

المسألة الثالثة : شرائط الشهادة كثيرة مذكورة في كتب الفقه ، ونذكر ههنا مسألة واحدة وهي أن عند شريح وابن سيرين وأحمد تجوز شهادة العبد ، وعند الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما لا تجوز ، حجة شريح أن قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } عام يتناول العبيد وغيرهم ، والمعنى المستفاد من النص أيضا دال عليه ، وذلك لأن عقل الإنسان ودينه وعدالته تمنعه من الكذب ، فإذا شهد عند اجتماع هذه الشرائط تأكد به قول المدعي ، فصار ذلك سببا في إحياء حقه ، والعقل والدين والعدالة لا تختلف بسبب الحرية والرق ، فوجب أن تكون شهادة العبيد مقبولة ، حجة الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما قوله تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } فهذا يقتضي أنه يجب على كل من كان شاهدا الذهاب إلى موضع أداء الشهادة ، ويحرم عليه عدم الذهاب إلى أداء الشهادة ، فلما دلت الآية على أن كل من كان شاهدا وجب عليه الذهاب والإجماع دل على أن العبد لا يجب عليه الذهاب ، فوجب أن لا يكون العبد شاهدا ، وهذا الاستدلال حسن .

وأما قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } فقد بينا أن منهم من قال : واستشهدوا شهيدين من رجالكم الذين تعتدونهم لأداء الشهادة ، وعلى هذا التقدير فلم قلتم أن العبيد كذلك .

ثم قال تعالى : { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } وفي ارتفاع رجل وامرأتان أربعة أوجه الأول : فليكن رجل وامرأتان والثاني : فليشهد رجل وامرأتان والثالث : فالشاهد رجل وامرأتان والرابع : فرجل وامرأتان يشهدون كل هذه التقديرات جائز حسن ، ذكرها علي بن عيسى رحمه الله .

ثم قال : { ممن ترضون من الشهداء } وهو كقوله تعالى في الطلاق { وأشهدوا ذوي عدل منكم } [ الطلاق : 2 ] واعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحا للشهادة والفقهاء قالوا : شرائط قبول الشهادة عشرة أن يكون حرا بالغا مسلما عدلا عالما بما شهد به ولم يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع بها مضرة عن نفسه ، ولا يكون معروفا بكثرة الغلط ، ولا بترك المروءة ، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة .

ثم قال : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } والمعنى أن النسيان غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية ثم فيها مسائل :

المسألة الأولى : قرأ حمزة { أن تضل } بكسر إن { فتذكر } بالرفع والتشديد ، ومعناه : الجزاء موضع { تضل } جزم إلا أنه لا يتبين في التضعيف { فتذكر } رفع لأن ما بعد الجزاء مبتدأ وأما سائر القراء فقرؤوا بنصب { أن } وفيه وجهان أحدهما : التقدير : لأن تضل ، فحذف منه الخافض والثاني : على أنه مفعول له ، أي إرادة أن تضل .

فإن قيل : كيف يصح هذا الكلام والإشهاد للإذكار لا الإضلال .

قلنا : ههنا غرضان أحدهما : حصول الإشهاد ، وذلك لا يأتي إلا بتذكير إحدى المرأتين الثانية والثاني : بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية ، وذلك لا يأتي إلا في ضلال إحدى المرأتين ، فإذا كان كل واحد من هذين الأمرين أعني الإشهاد ، وبيان فضل الرجل على المرأة مقصودا ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بضلال إحداهما وتذكر الأخرى ، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين ، هذا ما خطر ببالي من الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع وللنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها والكتب مشتملة عليها ، والله أعلم .

المسألة الثانية : الضلال في قوله { أن تضل إحداهما } فيه وجهان أحدهما : أنه بمعنى النسيان ، قال تعالى : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ذهب عنهم الثاني : أن يكون ذلك من ضل في الطريق إذا لم يهتد له ، والوجهان متقاربان ، وقال أبو عمرو : أصل الضلال في اللغة الغيبوبة .

المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي { فتذكر } بالتشديد والنصب ، وقرأ حمزة بالتشديد والرفع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب ، وهما لغتان ذكر وأذكر نحو نزل وأنزل ، والتشديد أكثر استعمالا ، قال تعالى : { فذكر إنما أنت مذكر } [ الغاشية : 21 ] ومن قرأ بالتخفيف فقد جعل الفعل متعديا بهمزة الأفعال ، وعامة المفسرين على أن هذا التذكير والإذكار من النسيان إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله { فتذكر إحداهما الأخرى } أن تجعلها ذكرا يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد ، وهذا الوجه منقول عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها ، لأنهما يقومان مقام رجل واحد وهذا الوجه باطل باتفاق عامة المفسرين ، ويدل على ضعفه وجهان الأول : أن النساء لو بلغن ما بلغن ، ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن ، فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذكرت الأولى .

الوجه الثاني : أن قوله { فتذكر } مقابل لما قبله من قوله { أن تضل إحداهما } فلما كان الضلال مفسر بالنسيان كان الإذكار مفسرا بما يقابل النسيان .

ثم قال تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول : وهو الأصح : أنه نهى الشاهد عن الامتناع عن أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها والثاني : أن المراد تحمل الشهادة على الإطلاق ، وهو قول قتادة واختيار القفال ، قال : كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة ، كذلك أمر الشاهد أن لا يأبى عن تحمل الشهادة ، لأن كل واحد منهما يتعلق بالآخر ، وفي عدمهما ضياع الحقوق الثالث : أن المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره الرابع : وهو قول الزجاج : أن المراد بمجموع الأمرين التحمل أولا ، والأداء ثانيا ، واحتج القائلون بالقول الأول من وجوه الأول : أن قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } يقتضي تقديم كونهم شهداء ، وذلك لا يصح إلا عند أداء الشهادة ، فأما وقت التحمل فإنه لم يتقدم ذلك الوقت كونهم شهداء .

فإن قيل : يشكل هذا بقوله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } وكذلك سماه كاتبا قبل أن يكتب .

قلنا : الدليل الذي ذكرناه صار متروكا بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن نتركه لعلة ضرورة في تلك الآية والثاني : أن ظاهر قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } النهي عن الامتناع ، والأمر بالفعل ، وذلك للوجوب في حق الكل ، ومعلوم أن التحمل غير واجب على الكل ، فلم يجز حمله عليه ، وأما الأداء بعد التحمل فإنه واجب على الكل ، ومتأكد بقوله تعالى : { ولا تكتموا الشهادة } فكان هذا أولى الثالث : أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد بالتحمل من بعض الوجوه ، فصار الأمر بتحمل الشهادة داخلا في قوله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } فكان صرف قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } إلى الأمر بالأداء حملا له على فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها .

واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعينا ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان متعينا وجب عليه أداء الشهادة ، وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضا على الكفاية .

المسألة الثانية : قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن يكون شاهدا فلا نعيده الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : يجوز القضاء بالشاهد واليمين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يجوز ، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال : إن الله تعالى أوجب عند عدم شهادة رجلين شهادة الرجل والمرأتين على التعيين ، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل ذلك التعيين ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين ، وتمام الكلام فيه مذكور في خلافيات الفقه .

واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولا ، ثم بالإشهاد ثانيا ، أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد ، فأمر بالكتبة ، فقال : { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : السآمة الملال والضجر ، يقال : سئمت الشيء سأما وسآمة ، والمقصود من الآية البعث على الكتابة قل المال أو كثر ، فإن القليل من المال في هذا الاحتياط كالكثير ، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد ، فأمر تعالى في الكثير والقليل بالكتابة ، فقال : { ولا تسأموا } أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا .

فإن قيل : فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر ؟ .

قلنا : لا لأن هذا محمول على العادة ، وليس في العادة أن يكتبوا التافه .

المسألة الثانية : { أن } في محل النصب لوجهين : إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا فتقديره : ولا تسأموا كتابته ، وإن شئت بنزع الخافض تقديره : ولا تسأموا من أن تكتبوه إلى أجله .

المسألة الثالثة : الضمير في قوله { أن تكتبوه } لا بد وأن يعود إلى المذكور سابقا ، وهو ههنا إما الدين وإما الحق .

المسألة الرابعة : قرئ { ولا يسأموا أن يكتبوه } بالياء فيهما .

ثم قال تعالى : { ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا } اعلم أن الله تعالى بين أن الكتابة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث :

الفائدة الأولى : قوله { ذلكم أقسط عند الله } وفي قوله { ذلكم } وجهان الأول : أنه إشارة إلى قوله { أن تكتبوه } لأنه في معنى المصدر ، أي ذلك الكتب أقسط والثاني : قال القفال رحمه الله : ذلاكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى { أقسط عند الله } أعدل عند الله ، والقسط اسم ، والإقساط مصدر ، يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطا إذا عدل فهو مقسط ، قال تعالى : { إن الله يحب المقسطين } [ الممتحنة : 8 ] [ الحجرات : 9 ] ويقال : هو قاسط إذا جار ، قال تعالى : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } [ الجن : 15 ] وإنما كان هذا أعدل عند الله ، لأنه إذا كان مكتوبا كان إلى اليقين والصدق أقرب ، وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى : { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله } [ الأحزاب : 5 ] أي أعدل عند الله ، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم .

والفائدة الثانية : قوله { أقوم للشهادة } معنى { أقوم } أبلغ في الاستقامة ، التي هي ضد الاعوجاج ، وذلك لأن المنتصب القائم ، ضد المنحني المعوج .

فإن قيل : مم بنى أفعل التفضيل ؟ أعني : أقسط وأقوم .

قلنا : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، ويجوز أن يكون أقسط من قاسط ، وأقوم من قويم .

واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة ، لأنها سبب للحفظ والذكر ، فكانت أقرب إلى الاستقامة ، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى : تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى ، والثانية : بتحصيل مصلحة الدنيا ، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعارا بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا .

والفائدة الثالثة : هي قوله { وأدنى أن لا ترتابوا } يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين ، والفرق بين الوجهين الأولين ، وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة ، فالأول : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين ، والثاني : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث : إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير ، أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان ، وهذا الذي قلت هل كان صدقا أو كذبا ، وأما دفع الضرر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان ، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط ، وما أحسن ما فيها من الترتيب .

ثم قال تعالى : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : { إلا } فيه وجهان أحدهما : أنه استثناء متصل والثاني : أنه منقطع ، أما الأول ففيه وجهان الأول : أنه راجع إلى قوله تعالى : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب ، وقد يكون إلى أجل بعيد ، فلما أمر بالكتبة عند المداينة ، استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريبا ، والتقدير : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريبا ، وهو المراد من التجارة الحاضرة والثاني : أن هذا استثناء من قوله { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا } وأما الاحتمال الثاني ، وهو أن يكون هذا استثناء منقطعا فالتقدير : لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ، فهذا يكون كلاما مستأنفا ، وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة ، لكثرة ما يجري بين الناس ، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق ، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس ، لم يكن هناك خوف التجاحد ، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد .

المسألة الثانية : قوله { أن تكون } فيه قولان أحدهما : أنه من الكون بمعنى الحدوث والوقوع كما ذكرناه في قوله { وإن كان ذو عسرة } والثاني : قال الفراء : إن شئت جعلت { كان } ههنا ناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة ، والخبر تديرونها ، والتقدير : إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم .

المسألة الثالثة : قرأ عاصم { تجارة } بالنصب ، والباقون بالرفع ، أما القراءة بالنصب فعلى أنه خبر كان ، ولا بد فيه من إضمار الاسم ، وفيه وجوه أحدها : التقدير : إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب ، ومنه قول الشاعر :

بني أسد هل تعلمون بلاءنا *** إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا

أي إذا كان اليوم وثانيها : أن يكون التقدير : إلا أن يكون الأمر والشأن تجارة وثالثها : قال الزجاج : التقدير إلا أن تكون المداينة تجارة حاضر ، قال أبو علي الفارسي : هذا غير جائز لأن المداينة لا تكون تجارة حاضرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المداين إذا كانت إلى أجل ساعة ، صح تسميتها بالتجارة الحاضرة ، فإن من باع ثوبا بدرهم في الذمة بشرط أن تؤدي الدرهم في هذه الساعة كان ذلك مداينة وتجارة حاضرة ، وأما القراءة بالرفع ، فالوجه فيها ما ذكرناه في المسألة الثانية والله أعلم .

المسألة الرابعة : التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضرا أو في الذمة لطلب الربح ، يقال : تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر ، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو بعين ، فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله { إلا أن تكون تجارة حاضرة } لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال ، ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يدا بيد ، ثم قال : { فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } [ البقرة : 282 ] معناه : لا مضرة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه .

ثم قال تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } وأكثر المفسرين قالوا : المراد أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الإشهاد ما رفع عنهم ، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة ، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان .

واعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الاحتياط .

ثم قال تعالى : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } واعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهيا للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق ، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط ، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع ، ويحتمل أن يكون نهيا لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد ، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما والأول : قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ، والثاني : قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد .

واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام الواقع في { لا يضار } أحدهما : أن يكون أصله لا يضارر ، بكسر الراء الأولى ، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار والثاني : أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى ، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت في هذه السورة ، وهو قوله { لا تضار والدة بولدها } وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك ، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين قراءة عمر رضي الله عنه { ولا يضارر } بالإظهار والكسر ، وقراءة ابن عباس { ولا يضارر } بالإظهار والفتح ، واختار الزجاج القول الأول ، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } قال : وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة ، وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية أولى منه بمن أضر الكاتب والشهيد ، ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع عن أداء الشهادة { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } [ البقرة : 283 ] والإثم والفاسق متقاربان ، واحتج من نصر القول الثاني بأن هذا لو كان خطابا للكاتب والشهيد لقيل : وإن تفعلا فإنه فسوق بكم ، وإذا كان هذا خطابا للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم .

ثم قال : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } وفيه وجهان أحدهما : يحتمل أنه يحمل على هذا الموضع خاصة والمعنى : فإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار والثاني : أنه عام في جميع التكليف ، والمعنى : وإن تفعلوا شيئا مما نهيتكم عنه أو تتركوا شيئا مما أمرتكم به فإنه فسوق بكم ، أي خروج عن أمر الله تعالى وطاعته .

ثم قال تعالى : { واتقوا الله } يعني فيما حذر منه ههنا ، وهو المضارة ، أو يكون عاما ، والمعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه .

ثم قال : { ويعلمكم الله } والمعنى : أنه يعلمكم ما يكون إرشادا واحتياطا في أمر الدنيا ، كما يعلمكم ما يكون إرشادا في أمر الدين { والله بكل شيء عليم } إشارة إلى كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع مصالح الدنيا والآخرة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (282)

282

( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) . .

هذا هو المبدأ العام الذي يريد تقريره . فالكتابة أمر مفروض بالنص ، غير متروك للاختيار في حالة الدين إلى أجل . لحكمة سيأتي بيانها في نهاية النص .

( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) . .

وهذا تعيين للشخص الذي يقوم بكتابة الدين فهو كاتب . وليس أحد المتعاقدين . وحكمة استدعاء ثالث - ليس أحد الطرفين في التعاقد - هي الاحتياط والحيدة المطلقة . وهذا الكاتب مأمور أن يكتب بالعدل ، فلا يميل مع أحد الطرفين ، ولا ينقص أو يزيد في النصوص . .

( ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ) . .

فالتكليف هنا من الله - بالقياس إلى الكاتب - كي لا يتأخر ولا يأبى ولا يثقل العمل على نفسه . فتلك فريضة من الله بنص التشريع ، حسابه فيها على الله . وهي وفاء لفضل الله عليه إذ علمه كيف يكتب . . ( فليكتب )كما علمه الله .

وهنا يكون الشارع قد انتهى من تقرير مبدأ الكتابة في الدين إلى أجل . ومن تعيين من يتولى الكتابة . ومن تكليفه بأن يكتب . ومع التكليف ذلك التذكير اللطيف بنعمة الله عليه ، وذلك الإيحاء بأن يلتزم العدل . .

وهنا ينتقل إلى فقرة تالية يبين فيها كيف يكتب . .

( وليملل الذي عليه الحق . وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا . فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ) . .

إن المدين - الذي عليه الحق - هو الذي يملي على الكاتب اعترافه بالدين ، ومقدار الدين ، وشرطه وأجله . . ذلك خيفة أن يقع الغبن على المدين لو أملى الدائن ، فزاد في الدين ، أو قرب الأجل ، أو ذكر شروطا معينة في مصلحته . والمدين في موقف ضعيف قد لا يملك معه إعلان المعارضة رغبة في اتمام الصفقة لحاجته إليها ، فيقع عليه الغبن . فإذا كان المدين هو الذي يملي لم يمل إلا ما يريد الارتباط به عن طيب خاطر . ثم ليكون إقراره بالدين أقوى وأثبت ، وهو الذي يملي . . وفي الوقت ذاته يناشد ضمير المدين - وهو يملي - أن يتقي الله ربه ولا يبخس شيئا من الدين الذي يقر به ولا من سائر أركان الإقرار الأخرى . . فإن كان المدين سفيها لا يحسن تدبير أموره . أو ضعيفا - أي صغيرا أو ضعيف العقل - أو لا يستطيع أن يمل هو إما لعي أو جهل أو آفة في لسانه أو لأي سبب من الأسباب المختلفة الحسية أو العقلية . . فليملل ولي أمره القيم عليه . ( بالعدل ) . . والعدل يذكر هنا لزيادة الدقة . فربما تهاون الولي - ولو قليلا - لأن الدين لا يخصه شخصيا . كي تتوافر الضمانات كلها لسلامة التعاقد .

وبهذا ينتهي الكلام عن الكتابة من جميع نواحيها ، فينتقل الشارع إلى نقطة أخرى في العقد ، نقطة الشهادة :

( واستشهدوا شهيدين من رجالكم . فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان - ممن ترضون من الشهداء - أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) . .

إنه لا بد من شاهدين على العقد - ( ممن ترضون من الشهداء )- والرضى يشمل معنيين : الأول أن يكون الشاهدان عدلين مرضيين في الجماعة . والثاني أن يرضى بشهادتهما طرفا التعاقد . . ولكن ظروفا معينة قد لا تجعل وجود شاهدين أمرا ميسورا . فهنا ييسر التشريع فيستدعي النساء للشهادة ، وهو إنما دعا الرجال لأنهم هم الذين يزاولون الأعمال عادة في المجتمع المسلم السوي ، الذي لا تحتاج المرأة فيه أن تعمل لتعيش ، فتجوربذلك على أمومتها وأنوثتها وواجبها في رعاية أثمن الأرصدة الإنسانية وهي الطفولة الناشئة الممثلة لجيل المستقبل ، في مقابل لقيمات أو دريهمات تنالها من العمل ، كما تضطر إلى ذلك المرأة في المجتمع النكد المنحرف الذي نعيش فيه اليوم ! فأما حين لا يوجد رجلان فليكن رجل واحد وامرأتان . . ولكن لماذا امرأتان ؟ إن النص لا يدعنا نحدس ! ففي مجال التشريع يكون كل نص محددا واضحا معللا : ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) . . والضلال هنا ينشأ من أسباب كثيرة . فقد ينشأ من قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد ، مما يجعلها لا تستوعب كل دقائقه وملابساته ومن ثم لا يكون من الوضوح في عقلها بحيث تؤدي عنه شهادة دقيقة عند الاقتضاء ، فتذكرها الأخرى بالتعاون معا على تذكر ملابسات الموضوع كله . وقد ينشأ من طبيعة المرأة الانفعالية . فإن وظيفة الأمومة العضوية البيولوجية تستدعي مقابلا نفسيا في المرأة حتما . تستدعي أن تكون المرأة شديدة الاستجابة الوجدانية الانفعالية لتلبية مطالب طفلها بسرعة وحيوية لا ترجع فيهما إلى التفكير البطيء . . وذلك من فضل الله على المرأة وعلى الطفولة . . وهذه الطبيعة لا تتجزأ ، فالمرأة شخصية موحدة هذا طابعها - حين تكون امرأة سوية - بينما الشهادة على التعاقد في مثل هذه المعاملات في حاجة إلى تجرد كبير من الانفعال ، ووقوف عند الوقائع بلا تأثر ولا إيحاء . ووجود امرأتين فيه ضمانة أن تذكر إحداهما الأخرى - إذا انحرفت مع أي انفعال - فتتذكر وتفيء إلى الوقائع المجردة .

وكما وجه الخطاب في أول النص إلى الكتاب ألا يأبوا الكتابة ، يوجهه هنا إلى الشهداء ألا يأبوا الشهادة :

( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) .

فتلبية الدعوة للشهادة إذن فريضة وليست تطوعا . فهي وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحق . والله هو الذي يفرضها كي يلبيها الشهداء عن طواعيه تلبية وجدانية ، بدون تضرر أو تلكؤ . وبدون تفضل كذلك على المتعاقدين أو على أحدهما ، إذا كانت الدعوة من كليهما أو من أحدهما .

وهنا ينتهي الكلام عن الشهادة ، فينتقل الشارع إلى غرض آخر . غرض عام للتشريع . يؤكد ضرورة الكتابة - كبر الدين أم صغر - ويعالج ما قد يخطر للنفس من استثقال الكتابة وتكاليفها بحجة أن الدين صغير لا يستحق ، أو أنه لا ضرورة للكتابة بين صاحبيه لملابسة من الملابسات كالتجمل والحياء أو الكسل وقلة المبالاة ! ثم يعلل تشديده في وجوب الكتابة تعليلا وجدانيا وتعليلا عمليا :

( ولا تسأموا أن تكتبوه - صغيرا أو كبيرا - إلى أجله . ذلكم أقسط عند الله ، وأقوم للشهادة ، وأدنى ألا ترتابوا ) .

لا تسأموا . . فهو إدراك لانفعالات النفس الإنسانية حين تحس أن تكاليف العمل أضخم من قيمته . . ( ذلكم أقسط عند الله ) . . أعدل وأفضل . وهو إيحاء وجداني بأن الله يحب هذا ويؤثره . ( وأقوم للشهادة ) . فالشهادة على شيء مكتوب أقوم من الشهادة الشفوية التي تعتمد على الذاكرة وحدها . وشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أقوم كذلك للشهادة وأصح من شهادة الواحد ، أو الواحد والواحدة . ( وأدنى ألا ترتابوا ) :

أقرب لعدم الريبة . الريبة في صحة البيانات التي تضمنها العقد ، أو الريبة في أنفسكم وفي سواكم إذا ترك الأمر بلا قيد .

وهكذا تتكشف حكمة هذه الإجراءات كلها ؛ ويقتنع المتعاملون بضرورة هذا التشريع ، ودقة أهدافه ، وصحة إجراءاته . إنها الصحة والدقة والثقة والطمأنينة .

ذلك شأن الدين المسمى إلى أجل . أما التجارة الحاضرة فإن بيوعها مستثناة من قيد الكتابة . وتكفي فيهاشهادة الشهود تيسيرا للعمليات التجارية التي يعرقلها التعقيد ، والتي تتم في سرعة ، وتتكرر في أوقات قصيرة . ذلك أن الإسلام وهو يشرع للحياة كلها قد راعى كل ملابساتها ؛ وكان شريعة عملية واقعية لا تعقيد فيها ، ولا تعويق لجريان الحياة في مجراها :

تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم ، فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ) .

وظاهر النص أن الإعفاء من الكتابة رخصة لا جناح فيها . أما الإشهاد فموجب . وقد وردت بعض الروايات بأن الإشهاد كذلك للندب لا للوجوب . ولكن الأرجح هو ذاك .

والأن - وقد انتهى تشريع الدين المسمى ، والتجارة الحاضرة ، والتقى كلاهما عند شرطي الكتابة والشهادة - على الوجوب وعلى الرخصة - فإنه يقرر حقوق الكتاب والشهداء كما قرر واجباتهم من قبل . . لقد أوجب عليهم ألا يأبوا الكتابة أو الشهادة . فالأن يوجب لهم الحماية والرعاية ليتوازن الحق والواجب في أداء التكاليف العامة .

( ولا يضار كاتب ولا شهيد . وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم . واتقوا الله ويعلمكم الله . والله بكل شيء عليم ) .

لا يقع ضرر على كاتب أو شهيد ، بسبب أدائه لواجبه الذي فرضه الله عليه . وإذا وقع فإنه يكون خروجا منكم عن شريعة الله ومخالفة عن طريقه . وهو احتياط لا بد منه . لأن الكتاب والشهداء معرضون لسخط أحد الفريقين المتعاقدين في أحيان كثيرة . فلا بد من تمتعهم بالضمانات التي تطمئنهم على أنفسهم ، وتشجعهم على أداء واجبهم بالذمة والأمانة والنشاط في أداء الواجبات ، والحيدة في جميع الأحوال . ثم - وعلى عادة القرآن في إيقاظ الضمير ، واستجاشة الشعور كلما هم بالتكليف ، ليستمد التكليف دفعته من داخل النفس ، لا من مجرد ضغط النص - يدعو المؤمنين إلى تقوى الله في النهاية ؛ ويذكرهم بأن الله هو المتفضل عليهم ، وهو الذي يعلمهم ويرشدهم ، وأن تقواه تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيىء أرواحهم للتعليم ، ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة والرضى والإذعان :

( وتقوا الله . ويعلمكم الله . والله بكل شيء عليم ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (282)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } بالله تعالى وبما جاء منه { إِذَا تَدَايَنتُم } أي تعاملتم وداين بعضكم بعضاً { بِدَيْنٍ } فائدة ذكره تخليص المشترك ودفع الإيهام نصراً لأن ( تداينتم ) يجيء بمعنى تعاملتم بدين ، وبمعنى تجازيتم ، ولا يرد عليه أن السياق يرفع لأن الكلام في النصوصية على أن السياق قد لا يتنبه له إلا الفطن ، وقي : ذكر ليرجع إليه الضمير إذ لولاه لقيل : فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن عند ذي الذوق العارف بأساليب الكلام ، واعترض بأن التداين يدل عليه فيكون من باب { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ } [ المائدة : 8 ] وأجيب بأن الدين لا يراد به المصدر بل هو أحد العوضين ولا دلالة للتداين عليه إلا من حيث السياق ولا يكتفي به في معرض البيان لا سيما وهو ملبس ، وقيل : ذكر لأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل ، وحال لما في التنكير من الشيوع والتبعيض لما خص بالغاية ولو لم يذكر لاحتمل أن الدين لا يكون إلا كذلك { إلى أَجَلٍ } أي وقت وهو متعلق بتداينتم ، ويجوز أن يكون صفة للدين أي مؤخر أو مؤجل إلى أجل { مُّسَمًّى } بالأيام أو الأشهر ، أو نظائرهما مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بنحو الحصاد لئلا يعود على موضوعه بالنقض { فاكتبوه } أي الدين بأجله لأنه أرفق وأوقف ؛ والجمهور على استحبابه لقوله سبحانه : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } والآية عند بعض ظاهرة في أن كل دين حكمه ذلك ، وابن عباس يخص الدين بالسلم فقد أخرج البخاري عنه أنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله تعالى أجله وأذن فيه ثم قرأ الآية واستدل الإمام مالك بها على جواز تأجيل القرض .

{ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها إثر الأمر بها إجمالاً ، ومفعول يكتب محذوف ثقة بانفهامه أو للقصد إلى إيقاع نفس الفعل والتقييد بالظرف للإيذان بأنه ينبغي للكاتب أن لا ينفرد به أحد المتعاملين دفعاً للتهمة والجار متعلق بمحذوف وقع صفة للكاتب أي ليكن الكاتب من شأنه التسوية وعدم الميل إلى أحد الجانبين بزيادة أو نقص ويجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً بكاتب أو بفعله ، والمراد أمر المتداينين على طريق الكناية بكتابة عدل فقيه دين حتى يكون ما يكتبه موثوقاً به متفقاً عليه بين أهل العلم ، فالكلام كما قال الطيبي مسوق لمعنى ، ومدمج فيه آخر بإشارة النص وهو اشتراط الفقاهة في الكاتب لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور/ الخطرة إلا من كان فقيهاً ولهذا استدل بعضهم بالآية على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل مأمون ، ومن لم يكن كذلك يجب على الإمام أو نائبه منعه لئلا يقع الفساد ويكثر النزاع والله لا يحسب المفسدين .

{ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } أي لا يمتنع أحد من الكتاب الموصوفين بما ذكر { أَن يَكْتُبَ } بين المتداينين كتاب الدين { كَمَا عَلَّمَهُ الله } أي لأجل ما علمه الله تعالى من كتابة الوثائق وتفضل به عليه وهو متعلق بيكتب والكلام على حد وأحسن كما أحسن الله تعالى { إليك } [ القصص : 77 ] أي لا يأب أن يتفضل على الناس بكتابته لأجل أن الله تعالى تفضل عليه وميزه ويجوز أن يتعلق الكاف بأن يكتب على أنه نعت لمصدر محذوف أو حال من ضمير المصدر على رأي سيبويه ، والتقدير أن يكتب كتابة مثل علمه الله تعالى أو أن يكتبه أي الكتب مثل ما علمه الله تعالى وبينه له بقوله سبحانه : { بالعدل } وجوز أن يتعلق بقوله تعالى : { فَلْيَكْتُبْ } والفاء غير مانعة كما في { وَرَبَّكَ فَكَبّرْ } [ المدثر : 3 ] لأنها صلة في المعنى ، والأمر بالكتابة بعد النهي عن الأداء منها على الأوّل للتأكيد ، واحتيج إليه لأن النهي عن الشيء ليس أمراً بضده صريحاً على الأصح فأكده بذكره صريحاً اعتناءاً بشأن الكتابة ، ومن هذا ذهب بعضهم إلى أن الأمر للوجوب ومن فروض الكفاية ولكن الأمر لما كان لنا لا علينا صرف عن ذلك لئلا يعود ما تقدم في مسألة جهالة الأجل ، وأما على الوجه الثاني : فلا تأكيد وإنما هو أمر بالكتابة المقيدة بعد النهي عن الامتناع عن المطلقة وهذا لا يفيد التأكيد لأن النهي عن الامتناع عن المطلق لا يدل على الأمر بالمقيد ليكون ذكره بعده تأكيداً ، وادعاه بعضهم لأنه إذا كان الامتناع عن مطلق الكتابة منهياً فلأن يكون الامتناع عن الكتابة الشرعية منهياً بطريق الأولى ، والنهي عن الامتناع عن الكتابة الشرعية أمر بها فيكون الأمر بالكتابة الشرعية صريحاً للتوكيد ، وأيضاً إذا ورد مطلق ومقيد والحادثة واحدة يحمل المطلق على المقيد سواء تقدم المطلق أو تأخر فكما حمل الأمر بمطلق الكتابة في الوجه الأول على الكتابة المقيدة ليفيد التأكيد ، فلم لم يحمل النهي عن الامتناع عن مطلق الكتابة على الكتابة المقيدة للتأكيد ، وهل التفرقة بين الأمرين إلا تحكم بحت كما لا يخفى ؟

و ( ما ) قيل : إما مصدرية أو كافة وجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وعليهما فالضمير لها ، وعلى الأولين للكاتب ، وقدر بعضهم على كل تقدير المفعول الثاني لعلم كتابة الوثائق فافهم .

{ وَلْيُمْلِلِ } من الإملال بمعنى الإلقاء على الكاتب ما يكتبه وفعله أمللت ، وقد يبدل أحد المضاعفين ياءاً ويتبعه المصدر فيه وتبدل همزة لتطرفها بعد ألف زائدة فيقال : إملاءاً فهو والإملال بمعنى ، أي : وليكن الملقى على الكاتب ما يكتبه من الدين { الذي عَلَيْهِ الحق } وهو المطلوب لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر لا غيره وانفهام الحصر من تعليق الحكم بالوصف فإن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية والأصل عدم علة أخرى { وَلْيَتَّقِ } أي الذي عليه الحق { الله رَبَّهُ } جمع بين الاسم الجليل والوصف الجميل مبالغة في الحث على التقوى بذكر ما يشعر بالجلال والجمال { وَلاَ يَبْخَسْ } أي لا ينقص { مِنْهُ } أي من الحق الذي يمليه على الكاتب { شَيْئاً } وإن كان حقيراً ، وقرئ ( شياً ) بطرح الهمزة ( وشيّاً ) بالتشديد .

وهذا هو التفسير المأثور عن سعيد بن جبير ، وقيل : يجوز أن يرجع ضمير يتق للكاتب وليس بشيء لأن ضمير ( يبخس ) لمن عليه الحق ؛ إذ هو الذي يتوقع منه البخس خاصة ، وأما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص فلو أريد نهيه لنهى/ عن كليهما ، وقد فعل ذلك حيث أمر بالعدل وإرجاع كل منهما لكل منهما تفكيك لا يدل عليه دليل ، وإنما شدد في تكليف المملي حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهي عنه فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عنه ما أمكن ، وفي { مِنْهُ } وجهان : أحدهما : أن يكون متعلقاً بيبخس ومن لابتداء الغاية ، وثانيهما : أن يكون متعلقاً بمحذوف لأنه في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليه نصبت حالاً ، و{ شَيْئاً } إما مفعول به وإما مصدر .

{ فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق } صرح بذلك في موضع الإضمار لزيادة الكشف لا لأن الأمر والنهي لغيره ، وعليه متعلق بمحذوف أي وجب و( الحق ) فاعل ، وجوز أن يكون { عَلَيْهِ } خبراً مقدماً و{ الحق } مبتدءاً مؤخراً فتكون الجملة اسمية ، وعلى التقديرين لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول { سَفِيهًا } أي عاجزاً أحمق قاله ابن زيد ، أو جاهلاً بالإملال قاله مجاهد ، أو مبذراً لماله ومفسداً لدينه قاله الشافعي { أَوْ ضَعِيفًا } أي صبياً ، أو شيخاً خرفاً { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } جملة معطوفة على مفرد هو خبر ( كان ) لتأويلها بالمفرد أي أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لخرس كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو لما هو أعم منه ومن الجهل باللغة وسائر العوارض المانعة ، والضمير البارز توكيد للضمير المستتر في أن يمل وفائدة التوكيد به رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير والتنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه ، وقيل : إن الضمير فاعل ليمل وتغيير الأسلوب اعتناءاً بشأن النفي ، ولا يخفى حسن الإدغام هنا والفك فيما تقدم ، ومثله الفك في قوله تعالى : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } أي متولي أمره وإن لم يكن خصوص الولي الشرعي فيشمل القيم والوكيل والمترجم ، والإقرار عن الغير في مثل هذه الصورة مقبول وفرق بينه وبين الإقرار على الغير فاعرفه { بالعدل } بين صاحب الحق والمولى عليه فلا يزيد ولا ينقص ولم يكلف بعين ما كلف به من غير الحق لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس ، واستدل بعضهم بالآية على أنه لا يجوز أن يكون الوصي ذمياً ولا فاسقاً وأنه يجوز أن يكون عبداً أو امرأة لأنه لم يشترط في الأولياء إلا العدالة ذكره ابن الفرس وليس بشيء كما لا يخفى .

ومن الناس من استدل بقوله سبحانه : { فَلْيَكْتُبْ } { وَلاَ يَأْبَ } على وجوب الكتابة ، وإلى ذلك ذهب الشعبي والجبائي والرماني إلا أنهم قالوا : إنها واجبة على الكفاية وإليه يميل كلام الحسن وقال مجاهد والضحاك : واجب عليه أن يكتب إذا أمر ، وقيل : هي مندوبة ، وروي عن الضحاك أنها كانت واجبة ثم نسخ ذلك .

{ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ } أي اطلبوهما ليتحملا الشهادة على ما جرى بينكما ، وجوز أن تكون السين والتاء زائدتين أي اشهدوا ، وفي اختيار صيغة المبالغة إيماء إلى طلب من تكررت منه الشهادة فهو عالم بموقعها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزاً إلى العدالة لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ، ولعله لم يقل رجلين لذلك ، والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف في ذلك { مّن رّجَالِكُمْ } متعلق باستشهدوا و{ مِنْ } لابتداء الغاية أو بمحذوف على أنه صفة لشهيدين ، و{ مِنْ } تبعيضية ، والخطاب للمؤمنين المصدر بهم الآية ، وفي ذكر الرجال مضافاً إلى ضمير المخاطبين دلالة على اشتراط الإسلام والبلوغ والذكورة في الشاهدين والحرية ؛ لأن المتبادر من الرجال الكاملون والأرقاء بمنزلة البهائم ، وأيضاً خطابات الشرع لا تنتظم العبيد بطريق العبارة كما بين في محله ، وذهب الإمامية إلى عدم اشتراط الحرية في قبول الشهادة وإنما/ الشرط فيه عندهم الإسلام والعدالة ، وإلى ذلك ذهب شريح وابن سيرين وأبو ثور وعثمان البتي ، وهو خلاف المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه فإنه لم يجوز شهادة العبد في شيء ولم تتعرض الآية لشهادة الكفار بعضهم على بعض ، وأجاز ذلك قياساً الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وإن اختلفت مللهم .

{ فَإِن لَّمْ يَكُونَا } أي الشهيدان { رَجُلَيْنِ } أي لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين والحكم من قبيل نفي العموم لا عموم النفي وإلا لم يصح قوله تعالى : { فَرَجُلٌ وامرأتان } أي فإن لم يكونا رجلين مجتمعين فليشهد رجل وامرأتان ، أو فرجل وامرأتان يشهدون أو يكفون ، أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فليستشهد رجل وامرأتان ، أو فليكن رجل وامرأتان شهوداً ، وإن جعلت يكن تامة استغنى عن تقدير شهود ، وكفاية الرجل والمرأتين في الشهادة فيما عدا الحدود والقصاص عندنا ، وعند الشافعي في الأموال خاصة لا في غيرها كعقد النكاح ، وقال مالك : لا تجوز شهادة أولئك في الحدود ولا القصاص ولا الولاء ولا الإحصان ، وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق ، وأما قبول شهادة النساء مفردات فقد قالوا به في الولادة والبكارة والاستهلال وما يجري مجرى ذلك مما بين في الكتب الفقهية ، وقرئ وامرأتان بهمزة ساكنة ، ولعل ذلك لاجتماع المتحركات { مِمَّن تَرْضَوْنَ } متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان أي : كائنون ممن ترضونهم والتصريح بذلك هنا مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصاف النساء به فلا يرد ما في «البحر » من أن جعله صفة للمذكور يشعر بانتفاء هذا الوصف عن شهيدين ، وقيل : هو صفة لشهيدين وضعف بالفصل الواقع بينهما ، وقيل : بدل من رجالكم بتكرير العامل وضعف بالفصل أيضاً ، واختار أبو حيان تعلقه باستشهدوا ليكون قيداً في الجميع ويلزمه الفصل بين اشتراط المرأتين وتعليله وهو كما ترى والخطاب للمؤمنين ، وقيل : للحكام ولم يقل من المرضيين لإفهامه اشتراط كونهم كذلك في نفس الأمر ولا طريق لنا إلى معرفته فإن لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر { مِنَ الشهداء } متعلق بمحذوف على أنه حال من العائد المحذوف أي ممن ترضونهم حال كونهم كائنين بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وإدراج النساء في الجمع بطريق التغليب .

{ أَن تَضِلَّ إحداهُمَا فَتُذَكّرَ أَحَدُهُمَا الأخرى } بيان لحكمة مشروعية الحكم واشتراط العدد في النساء أي شرع ذلك إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت إحداهما لما أن النسيان غالب على طبع النساء لكثرة الرطوبة في أمزجتهن ، وقدرت الإرادة لما أن قيد الطلب يجب أن يكون فعلاً للآمر وباعثاً عليه وليس هو هنا إلا إرادة الله تعالى للقطع بأن الضلال والتذكير بعده ليس هو الباعث على الأمر بل إرادة ذلك ، واعترض بأن النسيان وعدم الاهتداء للشهادة لا ينبغي أن يكون مراد الله تعالى بالإرادة الشرعية سيما وقد أمر بالاستشهاد ، وأجيب بأن الإرادة لم تتعلق بالضلال نفسه أعني عدم الاهتداء للشهادة بل بالضلال المرتب عليه الإذكار ، ومن قواعدهم أن القيد هو مصب الغرض فصار كأنه علق الإرادة بالإذكار المسبب عن الضلال والمرتب عليه فيؤول التعليل إلى ما ذكرنا ، وهذا أولى مما ذهب إليه البعض في الجواب من أن المراد من الضلال الإذكار لأن الضلال سبب للإذكار فأطلق السبب وأريد المسبب لظهور أنه لا يبقى على ظاهره معنى لقوله تعالى : { فَتُذَكّرَ } قيل : والنكتة في إيثار { أَن تَضِلَّ } الخ على أن تذكر إن ضلت الإيماء إلى شدة الاهتمام بشأن الإذكار بحيث صارا هو مكروه كأنه مطلوب لأجله من حيث كونه مفضياً إليه ، و( إحداهما ) الثانية يجوز أن تكون فاعل تذكر وليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست المذكرة هي الناسية ، ويجوز أن تكون مفعولاً لتذكر والأخرى فاعل وليس من قبيل ضرب موسى عيسى كما وهم حتى يتعين الأول بل من قبيل أرضعت الصغرى الكبرى ؛ لأن سبق إحداهما بعنوان نسبة الضلال رافع للضلال والسبب في تقديم المفعول على الفاعل التنبيه على الاهتمام بتذكير الضال ولهذا كما قيل عدل عن الضمير إلى الظاهر ؛ لأن التقديم حينئذٍ لا ينبه على الاهتمام كما ينبه عليه تقديم المفعول الظاهر الذي لو أخر لم يلزم شيء سوى وضعه موضعه الأصلي ، وذكر غير واحد أن العدول عن فتذكرها الأخرى وهي قراءة ابن مسعود كما رواه الأعمش إلى ما في النظم الكريم لتأكيد الإبهام والمبالغة في الاحتراز عن توهم اختصاص الضلال بإحداهما بعينها والتذكير بالأخرى ، وأبعد الحسين بن علي المغربي في هذا المقام فجعل ضمير ( إحداهما ) الأولى راجعاً إلى الشهادتين ، وضمير ( إحداهما ) الأخرى إلى المرأتين فالمعنى أن تضل إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان فتذكر إحدى المرأتين الأخرى منهما ، وأيده الطبرسي بأنه لا يسمى ناسي الشهادة ضالاً وإنما يقال : ضلت الشهادة إذا ضاعت كما قال سبحانه : { ضَلُّواْ عَنَّا } [ الأعراف : 37 ] أي ضاعوا منا ، وعليه يكون الكلام عارياً عن شائبة توهم الإضمار في مقام الإظهار رأساً وليس بشيء إذ لا يكون لإحداهما أخرى في الكلام مع حصول التفكيك وعدم الانتظام ، وما ذكر في التأييد ينبئ عن قلة الاطلاع على اللغة . ففي «نهاية ابن الأثير » وغيرها إطلاق الضال على الناسي ، وقد روي ذلك في الآية عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع والسدي وغيرهم ، ويقرب هذا في الغرابة مما قيل : إنه من بدع التفسير وهو ما حكي عن ابن عيينة أن معنى { فَتُذَكّرَ } الخ فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر فإن فيه قصوراً من جهة المعنى واللفظ لأن التذكير في مقابلة النسيان معنى مكشوف وغرض بين ، ورعاية العدد لأن النسوة محل النسيان كذلك ولأن جعلها ذكراً مجازاً عن إقامتها مقام الذكر ثم تجوز ثانياً لأنهما القائمتان مقامه فلم تجعل إحداهما الأخرى قائمة مقامه وبعد التجوز ليس على ظاهره ؛ لأن الاحتياج إلى اقتران ذكر ألبتة معهما .

وقوله سبحانه : { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ } ينبئان عن قصورهما عن ذلك أيضاً والتزام توجيه مثل ذلك ، وعرضه في سوق القبول لا يعد فضلاً بل هو عند أرباب الذوق عين الفضول ، ولقد رأيت في «طراز المجالس » أن الخفاجي سأل قاضي القضاة شهاب الدين الغزنوي عن سر تكرار إحدى معرضاً بما ذكره المغربي فقال :

يا رأس أهل العلوم السادة البرره *** ومن نداه على كل الورى نشره

ما سر تكرار إحدى دون تذكرها *** في آية لذوي الأشهاد في البقره

وظاهر الحال إيجاز الضمير على *** تكرار ( إحداهما ) لو أنه ذكره

وحمل الإحدى على نفس الشهادة في *** أولاهما ليس مرضياً لدى المهره

فغص بفكرك لاستخراج جوهره *** من بحر علمك ثم ابعث لنا درره

فأجاب القاضي

يا من فوائده بالعلم منتشره *** ومن فضائله في الكون مشتهره

يا من تفرد في كشف العلوم لقد *** وافى سؤالك والأسرار مستتره ( تضل إحداهما ) فالقول محتمل*** كليهما فهي للإظهار مفتقره

ولو أتى بضمير كان مقتضيا *** تعيين واحدة للحكم معتبره

ومن رددتم عليه الحل فهو كما*** أشرتم ليس مرضياً لمن سبره

هذا الذي سمح الذهن الكليل به *** والله أعلم في الفحوى بما ذكره

وقرئ { أَن تَضِلَّ } بالبناء للمفعول والتأنيث ، وقرئ فتذاكر ، وقرأ ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو والحسن فتذكر بسكون الذال وكسر الكاف ، وحمزة { أَن تَضِلَّ } على الشرط فتذكر بالرفع وعلى ذلك فالفعل مجزوم والفتح لالتقاء الساكنين ، والفاء في الجزاء قيل : لتقدير المبتدأ وهو ضمير القصة أو الشهادة ، وقيل : لا تقدير لأن الجزاء إذا كان مضارعاً مثبتاً يجوز فيه الفاء وتركه ، وقيل : الأوجه أن يقدر المبتدأ ضمير الذاكرة و( إحداهما ) بدل عنه أو عن الضمير في ( تذكر ) وقال بعض المحققين : الأوجه من هذا كله تقدير ضمير التثنية أي فهما تذكر إحداهما الأخرى وعليه كلام كثير من المعربين ، والقائلون عن ذلك تفرقوا أيدي سبا لما رأوا تنظير الزمخشري قراءة الرفع بقوله تعالى : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } [ المائدة : 95 ] ولم يتفطنوا بأن ذلك إنما هو من جهة تقدير ضمير بعد الفاء بحسب ما يقتضيه المقام لا من جهة خصوص الضمير إفراداً وتثنية والله تعالى الملهم للرشاد فتدبر .

{ وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ } لأداء الشهادة أو لتحملها وهو المروي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم وخص ذلك مجاهد وابن جبير بالأول وهو الظاهر لعدم احتياجه إلى ارتكاب المجاز إلا أن المروي عن الربيع أن الآية نزلت حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم فإن ظاهره يستدعي القول بمجاز المشارفة ، و{ مَا } صلة وهي قاعدة مطردة بعد { إِذَا } { وَلاَ تَسْئَمُواْ } أي تملوا أو تضجروا ، ومنه قول زهير :

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش *** ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم

{ أَن تَكْتُبُوهُ } أي الدين أو ( الحق ) أو الكتاب المشعر به الفعل والمنسبك مفعول به لتسأموا ويتعدى بنفسه ، وقيل : يتعدى بحرف الجر وحذف للعلم به ، وقيل : المراد من السأم الكسل إلا أنه كنى به عنه ؛ لأنه وقع في القرآن صفة للمنافقين كقوله تعالى : { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } [ النساء : 142 ] ولذا وقع في الحديث : " لا يقول المؤمن كسلت وإنما يقول ثقلت " وقرئ ولا يسأموا أن يكتبوه بالياء فيهما { صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } حالان من الضمير أي على كل حال قليلاً أو كثيراً مجملاً أو مفصلاً ، وقيل : منصوبان على أنهما خبرا كان المضمرة وقدم الصغير على الكبير اهتماماً به وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى { إِلَى أَجَلِهِ } حال من الهاء في تكتبوه أي مستقراً في ذمة المدين إلى وقت حلوله الذي أقر به وليس متعلقاً بتكتبوه لعدم استمرار الكتابة إلى الأجل ؛ إذ هي مما ينقضي في زمن يسير .

{ ذلكم } أي الكتب وهو الأقرب أو الإشهاد وهو الأبعد أو جميع ما ذكر وهو الأحسن والخطاب للمؤمنين { أَقْسَطُ } أي أعدل { عَندَ الله } أي في حكمه سبحانه . { وَأَقْوَمُ للشهادة } أثبت لها وأعون على إقامتها وأدائها وهما مبنيان من أقسط وأقام على رأي سيبويه فإنه يجيز بناء أفعل من الأفعال من غير شذوذ ، وقيل : من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم ، وقال أبو حيان : قسط يكون بمعنى جار وعدل ، وأقسط/ بمعنى عدل لا غير حكاه ابن القطاع وعليه لا حاجة إلى رأي سيبويه في أقسط وقيل : هو من قسط بوزن كرم بمعنى صار ذا قسط أي عدل ، وإنما صحت الواو في أقوم ولم يقل أقام ؛ لأنها لم تقلب في فعل التعجب نحو ما أقومه لجموده إذ هو لا يتصرف وأفعل التفضيل يناسبه معنى فحمل عليه { وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } أي أقرب إلى انتفاء ريبكم وشككم في جنس الدين وقدره وأجله ونحو ذلك ، قيل : وهذا حكمة خلق اللوح المحفوظ ، والكرام الكاتبين مع أنه الغني الكامل عن كل شيء تعليماً للعباد وإرشاداً للحكام ، وحرف الجر مقدر هنا وهو إلى كما سمعت وقيل : اللام ، وقيل : من ، وقيل في ، ولكل وجهة { إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } استثناء منقطع من الأمر بالكتابة فقوله تعالى : { فَلْيَكْتُبْ بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } إلى هنا جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه أي لكن وقت كون تداينكم أو تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين تديرونها بينكم بتعاطيها يداً بيد كذا قيل . وفي «الدر المصون » يجوز أن يكون استثناءاً متصلاً من الاستشهاد فيكون قد أمر بالاستشهاد في كل حال إلا في حال حضور التجارة ، وقيل : إنه استثناء من هذا وذاك وهو منقطع أيضاً أي لكن التجارة الحاضرة يجوز فيها عدم الاستشهاد والكتابة ؛ وقيل : غير ذلك ولعل الأول أولى ونصب عاصم ( تجارة ) على أنها خبر ( تكون ) واسمها مستتر فيها يعود إلى التجارة كما قال الفراء ، وعود الضمير في مثل ذلك على متأخر لفظاً ورتبة جار في فصيح الكلام ، وقال بعضهم : يعود إلى المداينة والمعاملة المفهومة من الكلام ، وعليه فالتجارة مصدر لئلا يلزم الإخبار عن المعنى بالعين ، ورفعها الباقون على أنها اسم { تَكُونُ } والخبر جملة { تُدِيرُونَهَا } ويجوز أن تكون { تَكُونُ } تامة فجملة { تُدِيرُونَهَا } صفة .

{ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } أي فلا مضرة عليكم أو لا إثم في عدم كتابتكم لها لبعد ذلك عن التنازع والنسيان ، أو لأن في تكليفكم الكتابة حينئذٍ مشقة جداً وإدخال الفاء للإيذان بتعلق ما بعدها بما قبلها { وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } أي هذا التبايع المذكور أو مطلقاً { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } نهي عن المضارة والفعل يحتمل البناء للفاعل والبناء للمفعول والدليل عليه قراءة عمر رضي الله تعالى عنه ولا يضار بالفك والكسر ، وقراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالفك والفتح والمعنى على الأول : نهي الكاتب والشاهد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان ، وعلى الثاني : النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم أو لا يعطي الكاتب حقه من الجعل أو يحمل الشاهد مؤونة المجيء من بلد ، ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه ابن جرير عن الربيع قال : لما نزلت هذه الآية { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } الخ كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول : اكتب لي فيقول : إني مشغول أو لي حاجة فانطلق إلى غيري فيلزمه ويقول : إنك قد أمرت أن تكتب لي فلا يدعه ويضاره بذلك ، وهو يجد غيره فأنزل الله تعالى : { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } وحمل بعضهم الصيغة على المعنيين وليس بشيء كما لا يخفى ، وقرأ الحسن ولا يضار بالكسر . وقرئ بالرفع على أنه نفي بمعنى النهي { وَإِن تَفْعَلُواْ } ما نهيتم عنه من الضرار أو منه ومن غيره وبعيد وقوعه منكم { فَإِنَّهُ } أي ذلك الفعل { فُسُوقٌ بِكُمْ } أي خروج عن طاعة متلبس بكم ، وجوز كون الباء للظرفية ، قيل : وهو أبلغ إذ جعلوا محلاً للفسق { واتقوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه { وَيُعَلّمُكُمُ الله } أحكامه المتضمنة لمصالحكم { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } فلا يخفى عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك فإن قيل : كيف كرر سبحانه الاسم الجليل في الجمل الثلاث وقد استكرهوا مثل قوله :

فما للنوى جذ النوى قطع النوى . . .

حتى قيل : سلط الله تعالى عليه شاة تأكل نواه ؟ أجيب بأن التكرير منه المستحسن ومنه المستقبح ، فالمستحسن كل تكرير يقع على طريق التعظيم أو التحقير في جمل متواليات كل جملة منها مستقلة بنفسها ، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل بمعنى ، ولم يكن فيه التعظيم والتحقير ، وما في البيت من القسم الثاني لأن جذ النوى قطع النوى فيه بمعنى واحد وما في الآية درة تاج القسم الأول لأن { اتقوا الله } حث على تقوى الله تعالى { وَيُعَلّمُكُمُ الله } وعد بإنعامه سبحانه { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } تعظيم لشأنه عز شأنه ، ومن هنا علمت وجه العطف فيها من اختلافها في الظاهر خبراً وإنشاءاً ، ومن الناس من جوز كون الجملة الوسطى حالاً من فاعل { اتقوا } أي اتقوا الله مضموناً لكم التعليم ، ويجوز أن تكون حالاً مقدرة ، والأولى ما قدمنا لقلة اقتران الفعل المضارع المثبت الواقع حالاً بالواو .