غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (282)

282

التفسير : الحكم الثالث المداينة . وسبب النظم أن الحكمي المتقدمين وهما الإنفاق وترك الربا كانا سببين لنقصان المال ، فأرشد الله تعالى في هذه الآية بكمال رأفته إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن التلف والبوار ورعاية وجوه الاحتياط ، فإن مصالح المعاش والمعاد متوقفة على ذلك ، ولهذه الدقيقة بالغ في الوصاية وأطنب . عن ابن عباس أن المراد به السلم وقال : لما حرم الربا أباح السلم وأنزل فيه أطول آية . ولهذا قال بعض العلماء : لا لذة ولا منفعة يتوصل إليها بالطريق الحرام إلا وجعل الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثلها طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً . والتداين تفاعل من الدين . يقال : داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً . والمراد إذا تعاملتم بما فيه دين . وذلك أن البياعات على أربعة أوجه : أحدها بيع العين بالعين وذلك ليس بمداينة البتة . والثاني بيع الدين بالدين وهو باطل فيبقى ههنا بيعان : بيع العين بالدين وهو ما إذا باع شيئاً بثمن مؤجل ، وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم وكلاهم داخلان تحت الآية . وأما القرض فلا يدخل فيه وإنه غير الدين لغة فإن الدين يجوز فيه الأجل ، والقرض لا يجوز فيه الأجل . والفائدة في قوله : { بدين } تخليصه من التداين بمعنى المجازاة ، أو التأكيد مثل{ ولا طائر يطير بجناحيه }[ الأنعام : 38 ] أو ليشمل أي دين كان صغيراً أو كبيراً سلماً أو غيره . وفي الكشاف : فائدته رجوع الضمير إليه في قوله : { فاكتبوه } إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن . ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال فإنه كالمطابقة ، ودلالة تداينتم على ذلك كالتضمن . وقيل : ليكون المعنى تدايناً يحصل فيه دين واحد فيخرج بيع الدين بالدين .

وإنما لم يقل كلما تداينتم ليكون نصاً في العموم لأن الكلية تفهم من بيان العلة في قوله : { ذلكم أقسط عند الله } فإن العلة قائمة في الكل فيكون الحكم حاصلاً في الكل ، أو نقول : العلة هي التداين والعلة لا ينفك عنها معلولها فتكون القضية كلية كما في قوله :{ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا }[ المائدة : 6 ] والأجل مدة الشيء ومنه أجل الإنسان لمدة عمره . وفائدة قوله { مسمى } أن يعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام . وأنه لو قال إلى الحصاد أو إلى قدوم الحاج لم يجز لعدم التسمية . ثم إنه تعالى أمر في المداينة بشيئين : الكتبة والاستشهاد ليكون كلا المتداينين أوثق وآمن من النسيان والتفاوت والتخالف في مقدار الدين وفي انقضاء الأجل وفي سائر ما تشارطا عليه . وهذا الأمر قيل للوجوب وهو مذهب عطاء وابن جريج والنخعي ، وجمهور المجتهدين على أنه للندب لإجماع المسلمين قديماً وحديثاً على البيع بالأثمان المؤجلة من غير كتبة ولا إشهاد ، ولأن في إيجابهما حرجاً وتضييقاً . وقيل : كانا واجبين فنسخا بقوله : { فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته } وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم بن عتيبة . أما المخاطب بقوله : { فاكتبوه } فليس كل أحد لوجود أميين كثيرين في الدنيا ، بل من له استئهال لكتبه ولهذا قال : { وليكتب بينكم كاتب } وليس ذلك أيضاً على الإطلاق ولكنه يجب أن يكون الكاتب متصفاً بالعدل فيكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص عنه ولا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر ، ويحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد منها . وهذا بالحقيقة أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً أديباً ديناً . قال بعض الفقهاء : العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين المجتهدين ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله { ولا يأب كاتب } ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى التنكير في كاتب { أن يكتب } وقوله { كما علمه الله } إما أن يكون متعلقاً بما قبله فالتقدير : ولا يأب كاتب أن يكتب مثل ما علمه الله تعالى فيقع قوله بعد ذلك { فليكتب } تأكيداً للأول أي فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله تعالى إياها أو بما بعده فيكون الأول نهياً عن الامتناع مطلقاً ، والثاني أمراً بالكتابة المقيدة والمطلق لا دلالة له على المقيد ، فلا يكون الثاني تأكيداً للأول وإنما يكون بياناً له . ثم النهي عن الامتناع عن الكتابة لكل كاتب إنما هو على سبيل الإرشاد والأولى تحصيلاً لحاجة المسلم وشكراً لما علمه الله من كتابة الوثائق فهو كقوله :

{ وأحسن كما أحسن الله إليك }[ القصص : 77 ] وقيل : إنه على سبيل الإيجاب ولكنه نسخ بقوله { ولا يضار كاتب ولا شهيد } . وعن الشعبي أنه فرض كفاية فإن لم يجد إلا كاتباً واحداً وجبت الكتابة عليه ، وإن وجد أشخاصاً فالواجب كتابة أحدهم .

وقيل : متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله يعني أنه بتقدير أن يكتب ، فالواجب أن يكتب كما علمه الله وأن لا يخل بشرط من الشروط كيلا يضيع مال المسلم بإهماله . واعلم أن الكتابة بعد حصول الكاتب العارف بشروط الصكوك والسجلات لا تتم إلا بإملاء من عليه الحق ليدخل في جملة إملائه اعترافه بمقدار الحق وصفته وأجله إلى غير ذلك ، فلهذا قال سبحانه { وليملل الذي عليه الحق } والإملال والإملاء لغتان : قال الفراء : أمللت عليه الكتاب لغة الحجاز وبني أسد ، وأمليت لغة بني تميم وقيس ، وقد نطق القرآن بهما . قال :

{ فهي تملى عليه بكرة وأصيلا }[ الفرقان : 5 ] .

{ وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً } أمر أن لهذا المملي الذي عليه الحق بأن يقر بتمام المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئاً . والبخس النقص { فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً } محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف وضعف عقله { أو ضعيفاً } صبياً أو شيخاً مختلاً { أو لا يستطيع أن يمل هو } أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعيّ به أو خرس { فليملل وليه بالعدل } والمراد بولي الذي عليه الحق الذي يلي أمره ويقوم بمصالحه من وصي إن كان سفيهاً أو صبياً ، أو وكيل إن كان غير مستطيع ، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه . وفائدة توكيد المتصل بالمنفصل في قوله : { أن يمل هو } أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره وهو الذي يترجم عنه . وعن ابن عباس ومقاتل والربيع أن الضمير في { وليه } عائد إلى الدين أي الذي له الدين ليمل . قيل : وفيه بعد لأن قول المدعي كيف يقبل ؟ ولو كان قوله معتبراً فأي حاجة إلى الكتابة والإشهاد ؟ ثم المقصود من الكتابة هو الاستشهاد ليتمكن بالشهود من التوصل إلى تحصيل الحق إن جحد فلهذا قال تعالى : { واستشهدوا } أي أشهدوا . والإشهاد والاستشهاد بمعنى ، لأن معنى استشهدته سألته أن يشهد شهيدين أي شاهدين " فعيل " بمعنى " فاعل " . وإطلاق الشهيد على من سيكون شهيداً تنزيل لما يشارف منزلة الكائن . ومعنى قوله { من رجالكم } أي من رجال أهل ملتكم وهم المسلمون . وقيل يعني الأحرار ، وقيل من رجالكم الذين تعدّونهم للشهادة من أهل العدالة { فإن لم يكونا } أي الشهيدان رجلين { فرجل وامرأتان } أي فليكن أو فليشهد أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان يشهدون جميع هذه التقديرات جائز حسن ذكره علي بن عيسى { ممن ترضون من الشهداء } وفيه دليل على أنه ليس كل أحد صالحاً للشهادة . والفقهاء قالوا شرائط قبول الشهادة أن يكون حراً بالغاً عاقلاً مسلماً عدلاً عالماً بما يشهد به لا يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع مضرة عنها ، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط ولا بترك المروءة ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة .

وعن علي عليه السلام : ولا يجوز شهادة العبد في شيء وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ، وذلك لأنه تعالى قال { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } والإجماع منعقد على أن العبد لا يجب عليه الذهاب بل يحرم عليه ذلك إذا لم يأذن له السيد ، فيعلم منه أن العبد لا يجوز أن يكون شاهداً . وعند شريح وابن سيرين وأحمد : تجوز شهادة العبد قالوا : لأن العقل والعدالة والدين لا يختلف بالحرية والرق . وعند أبي حنيفة يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل { أن تضل } أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن تنساها لغلبة البرد والرطوبة على أمزجتهن أو إحدى النفسين ، فإن الإنسان لا يخلو من النسيان { فتذكر إحداهما الأخرى } وانتصابه على أنه مفعول له أي إرادة أن تضل . قال في الكشاف : فإن قلت : كيف يكون ضلالها مراداً لله ؟ قلت : لما كان الضلال سبباً للإذكار والإذكار مسبباً عنه وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما ، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار ، فكأنه قيل : إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ونظيره قولهم " أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه ، وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه " . وفي التفسير الكبير أن ههنا غرضين : أحدهما حصول الإشهاد وذلك لا يتأتى إلا بتذكير إحدى المرأتين . والثاني بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية وذلك لا يتأتّى إلا بضلال إحدى المرأتين ، فلهذا صار كل من الغرضين صحيحاً ولا محذور . ومن قرأ بكسر " إن " على الشرط والجزاء فلا إشكال . وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال { فتذكر إحداهما } معناه فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر ولا يخفى ما فيه من التعسف . واعلم أن الشهادة خبر قاطع ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " على مثل الشمس فاشهد أو فدع " وقد يقام الظن المؤكد فيه مقام اليقين ضرورة . وقول الشاهد الواحد لا يكفي للحكم به إلا في هلال رمضان كما مر ، ولا يحتاج إلى أزيد من اثنين إلا في الزنا لقوله تعالى :{ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء }[ النور : 4 ] وقال :{ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم }[ النساء : 15 ] ولا يعتبر فيه شهادة النساء . عن الزهري أنه قال مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود وغير هلال رمضان والزنا إما عقوبة أو غيرها . فإن كان عقوبة فلا يثبت إلا برجلين لما مر من حديث الزهري يستوي فيه حق الله تعالى كحد الشرب وقطع الطريق ، وحق العباد كالقصاص والقذف ، وأما غير العقوبات فما ليس بمالي .

ولا يقصد به المال إن كان مما يطلع عليه الرجال غالباً كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإسلام والردة والبلوغ والولاء وانقضاء العدة وجرح الشهود وتعديلهم والعفو عن القصاص ، فكل ذلك لا يثبت إلا برجلين أيضاً . وإن كان ممن يختص بمعرفته النساء غالباً فتقبل فيه شهادتهن على انفرادهن لما روي عن الزهري أنه قال : مضت السنة أن تجوز شهادة النساء في كل شيء لا يليه غيرهن وذلك كالولادة والبكارة والثيابة والرتق والقرن والحيض والرضاع وعيب المرأة من برص وغيره تحت الإزار ، ولا يثبت شيء من ذلك بأقل من أربع نسوة تنزيلاً لاثنتين منهن منزلة رجل . وما يثبت بهن يثبت برجل وامرأتين وبرجلين بالطريق الأولى . وأما ما هو مال أو يقصد به المال كالأعيان والديون والعقود المالية من البيع والإقالة والرد بالعيب والإجارة والوصية بالمال والحوالة والضمان والصلح والقرض ، فيثبت بشهادة رجل وامرأتين ثبوتها بشهادة رجلين ونص القرآن منزل على هذا القسم والذي قبله . وجوز الشافعي القضاء بالشاهد واليمين لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين وأنكره أبو حنيفة { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } " ما " زائدة مبهمة أي إذا دعوا فقيل : أي إلى أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها . وقيل : إلى تحمل الشهادة وهو قول قتادة واختاره القفال قال : كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة ، أمر الشاهد أن لا يأبى تحمل الشهادة وقيل : أمر بالتحمل إذا لم يوجد غيره . وحمله الزجاج على مجموع الأمرين : التحمل أولاً والأداء ثانياً . والقول الأول أصح لأنه أطلق عليهم لفظ الشهداء . والأصل في الإطلاق الحقيقة وتسميتهم قبل التحمل شهداء مجاز لا يعدل إليه إلا لضرورة . وأيضاً التحمل غير واجب على الكل بخلاف الأداء بعد التحمل . وأيضاً الأمر بالإشهاد يتضمن الأمر بتحمل الشهادة ، فكان صرف قوله { ولا يأب الشهداء } إلى الأمر بالأداء أولى ليفيد فائدة جديدة وهي أن الشاهد إن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة ، وإن كان فيهم كثرة كان الأداء فرضاً على الكفاية . { ولا تسأموا } لا تضجروا ولا تملوا أن تكتبوه أي الدين أو الحق لتقدم ذكرهما على أي حال كان الحق صغيراً أو كبيراً مما جرت العادة بكتبته لا كالحبة والقيراط ، فإن القليل من المال ربما أفضى إلى نزاع كثير . وإنما نهى عن السآمة لأنها من الكسل والكسل صفة المنافق . وأيضا من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير كتاباً فربما مل كثرة الكتب فاقتضى المقام ترغيبه وإلهابه . ويجوز أن يكون الضمير للكتاب ، وأن تكتبوه مختصراً أو مشبعاً ، ولا يخلوا بكتابته إلى أجله إلى وقته الذي اتفقا على تسميته { ذلكم } الكتب أو ذلكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد { أقسط } أعدل { عند الله وأقوم للشهادة } أعون على إقامة الشهادة وهما إما من أقسط وأقام فيكون محمولاً على قولهم " أفلس من ابن المذلق " وإما من قويم وقاسط بمعنى ذو قسط على طريقة النسب وإلا فالقاسط الجائر .

ولا يصح ذلك المعنى ههنا يقال : قسط إذا جار ، وأقسط أي عدل { وأدنى ألا ترتابوا } أقرب من انتفاء الريب . رتب الله تعالى على الكتبة والإشهاد ثلاث فوائد :

الأولى : تتعلق بالدين لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين أقرب وعن الجهل أبعد فيكون أعدل عند الله . والثانية تتعلق بالدنيا وهو كونه أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج وأعون للحفظ والذكر .

والثالثة أنه يدفع الضرر عن نفسه بأن لا يضل في أمره ولا يتردد ، وعن غيره بأن لا ينسبه إلى الكذب والخيانة فلا يقع في الغيبة والجهالة . فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في الضبط والترتيب { إلا أن تكون تجارة حاضرة } قيل : هو راجع إلى قوله { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } إن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب وقد يكون إلى أجل بعيد ، فاستثنى عن المداينة ما يكون أجله قريباً . ويحتمل أن يكون استثناء من قوله : { ولا تسأموا أن تكتبوه } وقد يقال : إنه استثناء منقطع والتقدير : لكنه إذا كانت التجارة حاضرة فليس عليكم جناح . فيكون كلاماً مستأنفاً على سبيل الإضراب عن الأول . والتجارة تصرف في المال لطلب الربح . فسواء كانت المبايعة بدين أو بعين فالتجارة حاضرة . فإذاً المراد بالتجارة ههنا ما يتجر فيه من الأبدال . ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد . والمعنى إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد . ومن قرأ { تجارة } بالرفع فعلى " كان " التامة أو الناقصة والخبر { تديرونها } ومن قرأ بالنصب فالتقدير إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب .

بني أسد هل تعلمون بلاءنا*** إذا كان يوماً ذا كواكب أشنعا

أي إذا كان اليوم يوماً . واليوم الأشنع هو الذي ارتفع شره وعلا . وذو كواكب أي شديد . ويقال في التهديد : لأرينك الكواكب ظهراً . وقال الزجاج : تقديره إلا أن تكون المداينة تجارة أي يكون ديناً قريب الأجل . { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } ومعنى رفع الجناح عدم الضرر لا عدم الإثم إلا لزم أن تكون الكتابة المذكورة أولاً واجبة ، وقد أثبتنا خلاف ذلك . وإنما رخص تعالى في هذا النوع من التجارة لكثرة جريانها فيما بين الناس . فتكليفهم الكتابة والإشهاد في كل لحظة حرج عليهم مع أن خوف التجاحد في مثله قليل . { وأشهدوا إذا تبايعتم } هذا التبايع كأنه لما رفع عنهم الكتابة في التجارة الحاضرة ، كرر الأمر بالإشهاد ليعلم أن حكمه باق فيها لأن الإشهاد بلا كتابة تخف مؤنته . ويحتمل أن يكون أمراً بالإشهاد مطلقاً ناجزاً كان التبايع أو كالئاً لأنه أحوط .

عن الحسن : إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد . وعن الضحاك : هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل . { ولا يضار كاتب ولا شهيد } يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل فيكون أصله لا يضارر بكسر الراء وبه قرأ عمر وعليه أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ومعناه : نهى الكاتب أن يزيد أو ينقص والشاهدين أن يحرفا أو يتركا الإجابة إلى ما يطلب منهما ولهذا قال : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } فإن التحريف في الكتابة والشهادة فسق وإثم . وعن ابن مسعود وعطاء ومجاهد أن التقدير لا يضارر بفتح الراء وبه قرأ ابن عباس ، وأنه نهي للمتداينين عن الضرار بالكاتب والشهيد كأن يعجلا عن مهم ويلزا ، أولا يعطى الكاتب حقه من الجعل ، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد . { وإن تفعلوا } ما نهيتكم عنه من الضرار أو كل ما نهيتكم عنه من فعل معصية أو ترك طاعة ليكون عاماً { فإنه } فإن الضرار أو ارتكاب المنهي { فسوق بكم } خروج عن أمر الله وطاعته . ومعنى { بكم } أي ملتصق بكم . { واتقوا الله } في أوامره ونواهيه { ويعلمكم الله } ما فيه صلاح الدارين { والله بكل شيء } من مصالح عباد { عليم } .

/خ283