الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ} (173)

{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ } ومحل ( الذين ) خفض أيضاً مردود على الذين الأول ، وأراد ( بالناس ) نعيم ابن مسعود في قول مجاهد ومقاتل وعكرمة والواقدي ، وهو على هذا التأويل من العام الذي أُريد به الخاص ، نظيره قوله :

{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ } [ النساء : 54 ] يعني محمداً وحده ، وقوله :

{ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } [ غافر : 57 ] يريد الرجال وحدهم .

وقال ابن اسحاق وجماعة : يريد ب ( الناس ) الركب من عبد القيس وقد مضت قصتهم .

وقال السدي : " لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمسير إلى ميعاد أبي سفيان ، أتاهم المنافقون وقالوا : نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم فعصيتمونا ، وقد أتوكم في داركم وقاتلوكم وظفروا ، فإن أتيتموهم في ديارهم لا يرجع أحد منكم . فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل " .

وقيل : ( الناس ) ساروا الناس في هذه الآية هم المنافقون .

وقال أبو معشر : دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة ، فسألهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان فقالوا : قد جمعوا لكم جموعاً كثيرة فاجتنبوهم . فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، فأنزل الله تعالى { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ } يعني أولئك القوم من بني هذيل { إِنَّ النَّاسَ } يعني أبا سفيان وأصحابه { قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ } فخافوهم واحذروهم ، فإنه لا طاقة لكم بهم { فَزَادَهُمْ } ذلك { إِيمَاناً } يعني تصديقاً ويقيناً وقوة وجرأة .

ذكر بعض ما ورد في الأخبار في زيادة الإيمان ونقصانه

روى مالك عن نافع عن ابن عمر قال : " قلنا يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص ؟ قال : " نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار " " .

عطاء : إنما مجادلة أحدكم في الحق ، فيكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربّهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار . قال : فيقولون : ربّنا إخواننا كانوا يصلّون معنا ويصومون معنا ويحجّون معنا فأدخلتهم النار . قال : فيقول : إذهبوا فأخرجوا من قد عرفتم منهم ، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم ، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه ، فيخرجونهم فيقولون : ربّنا قد أخرجنا من أمرتنا . قال : ثم يقول لهم : أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان ، ثم كان في قلبه وزن نصف دينار ، حتى يقول فمن كان في قلبه ذرة .

وعن سهل بن حنيف قال : سمعت أبا سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قميص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك ، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره " قالوا : فماذا أولت يا رسول الله ؟ قال : " الدين " .

وعن هذيل بن شرحبيل عن عمر( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض أو بإيمان هذه الأمة لربح به " .

وعن ابن سابط قال : كان عبد الله بن رواحة يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول : تعالوا نؤمن ساعة تعالوا نزدد إيماننا ، تعالوا نذكر الله تعالى ، [ تعالوا نذكره بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته ] .

وعن عبد الله بن عمرو بن هند قال : قال علي كرم الله وجهه : إن الإيمان يبدأ نقطة بيضاء في القلب ، كلما ازداد الإيمان ازدادت بياضاً ، حتى يبيضّ القلب كله ، وإن النفاق يبدأ نقطة سوداء في القلب ، وكلما ازداد النفاق ازدادت سواداً ، حتى يسوّد القلب كله ، والذي نفسي بيده لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض القلب ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود القلب .

وعن عمير بن حبيب بن خماشة قال : الإيمان يزيد وينقص . فقيل له : وما زيادته ونقصانه ؟ قال : إذا ذكرنا ربّنا وخشيناه فذلك زيادته ، وإذا غفلنا ونسينا وضيقنا فذلك نقصانه .

وعن محمد بن طلحة عن زبيد عن زر قال : كان عمر ممّا يأخذ الرجل والرجلين من أصحابه فيقول : قم بنا نزدد إيماناً .

وعن محمد بن فضيل عن أبيه عن سماك عن إبراهيم عن علقمة أنه كان يقول لأصحابه : امشوا بنا نزدد إيماناً .

وعن الحرث بن عمير عن أبي الدرداء قال : الإيمان يزيد وينقص .

وعن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي هريرة قالا : الإيمان يزداد وينقص .

الحرث بن الحصين عن أبي الدرداء قال : الإيمان يزداد وينقص .

أبو حذيفة : إن عمر بن عبد العزيز قال : الإيمان يزيد وينقص .

سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال : ما نقصت أمانة عبد قط إلاّ نقص من إيمانه .

وعن عثمان بن سعد الدارمي قال : سألت محمد بن كثير العبدي عن الإيمان فقال : هو قول وعمل يزيد وينقص ، قلت : أكان سفيان يقوله ؟ قال : نعم بلا شك .

وقال : سألت أبا حذيفة موسى بن مسعود عن الإيمان قال : هو قول وعمل يزيد وينقص ، قلت : أكان سفيان يقوله ؟ قال : نعم .

قال : وسألت عارم بن الفضل عن الإيمان ، فقال : هو قول وعمل يزيد وينقص ، قلت : أكان حماد بن يزيد يقوله ؟ قال : نعم .

قال : وسألت أبا الوليد الطيالسي عن الإيمان ، فقال : قول وعمل ونية ، قلت : أيزداد وينقص ؟ قال : نعم .

قال : وسألت سليمان بن حرب عن الإيمان ، فقال : مثل ذلك .

قال : وسمعت مسلم بن إبراهيم يقول : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .

قال : وسألت علي بن عبد الله المديني عن الإيمان ، قال : قول وعمل ونية ، قلت : أينقص ويزداد ؟ قال : نعم يزداد وينقص حتى لا يبقى منه شيء .

قال : وسألت عمر بن عون الواسطي عن الإيمان فقال : مثل ذلك . قال : وسمعت يحيى بن يحيى يقول : الإيمان قول وعمل والناس يتفاضلون في الإيمان . قال : وسألت أحمد بن يونس عن الإيمان . قال : هو عمل يزيد وينقص .

قال : وسألت عبد الله بن محمد [ الطفيل ] وكان مُتّقياً عن الإيمان فقال : هو قول وعمل يزيد وينقص ، فأروه عني .

قال : وسألت أبا بويه الجيلي عن الإيمان فقال : قول وعمل يزيد وينقص .

قال : وسمعت محبوب بن موسى الأنطاكي يقول : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، ومن كره الاستثناء فقد أخطأ السنّة . قلت : أكان أبو إسحاق الفراري يقوله ؟ قال : كان أبو إسحاق يخرج من المصيصة من لا يقول الإيمان يزيد وينقص .

قال : وسمعت محبوب بن موسى يقول : سمعت يوسف بن أسباط يقول : الإيمان يزيد وينقص .

قال : وسمعت الحسين بن عمر السجستاني يقول : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .

قال الحسن : وكان وكيع بن الجراح وعمر بن عمارة وابن أبي برزة وزهير بن نعيم يقولون : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .

قوله تعالى { وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } أي كافينا وثقتنا ، والنون والألف مخفوضتان بالإضافة كقولك : حسب زيد درهم ، لان حسب اسم وإن كان في مذهب الفعل ألا ترى ضمة الثانية .

قال الشاعر :

فتملأ بيتنا إقطا وسمنا *** وحسبك من غنىً شبع وريّ

{ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } أي الموكول إليه الأمور ، فعيل بمعنى مفعول .

قال الواقدي : ونعم الوكيل أي المانع . نظيره قوله :

{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً } [ الإسراء : 86 ] أي مانعاً ، وقوله :

{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً } [ الإسراء : 65 ] .

عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان آخر ما تكلم به رسول الله إبراهيم ( عليه السلام ) حين أُلقي في النار : حسبي الله ونعم الوكيل " .

وعن عوف بن مالك الأشجعي قال : " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين فقال المقضي عليه : حسبي الله ونعم الوكيل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله يحمد على الكيس ويلوم على العجز ، وإذا غلبك أمر فقل : حسبي الله ونعم الوكيل " " .