مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (46)

قوله تعالى : { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } .

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يشترون الضلالة شرح كيفية تلك الضلالة وهي أمور : أحدها : أنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في متعلق قوله : { من الذين } وجوه : الأول : أن يكون بيانا للذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، والتقدير : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا ، والثاني : أن يتعلق بقوله : { نصيرا } والتقدير : وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا ، وهو كقوله : { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا } الثالث : أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، و { يحرفون } صفته . تقديره : من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم ، فحذف الموصوف وأقيم الوصف مكانه . الرابع : أنه تعالى لما قال : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة } بقي ذلك مجملا من وجهين ، فكأنه قيل : ومن ذلك الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ؟ فأجيب وقيل : من الذين هادوا ، ثم قيل : وكيف يشترون الضلالة ؟ فأجيب وقيل : يحرفون الكلم .

المسألة الثانية : لقائل أن يقول : الجمع مؤنث ، فكان ينبغي أن يقال : يحرفون الكلم عن مواضعها .

والجواب : قال الواحدي : هذا جمع حروفه أقل من حروف واحده ، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره ، ويمكن أن يقال : كون الجمع مؤنثا ليس أمرا حقيقيا ، بل هو أمر لفظي ، فكان التذكير والتأنيث فيه جائزا وقرئ ، يحرفون الكلم .

المسألة الثالثة : في كيفية التحريف وجوه : أحدها : أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر مثل تحريفهم اسم «ربعة » عن موضعه في التوراة بوضعهم «آدم طويل » مكانه ، ونحو تحريفهم «الرجم » بوضعهم «الحد » بدله ونظيره قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله } .

فإن قيل : كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب ؟

قلنا لعله يقال : القوم كانوا قليلين ، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة فقدروا على هذا التحريف ، والثاني : أن المراد بالتحريف : إلقاء الشبه الباطلة ، والتأويلات الفاسدة ، وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية ، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم ، وهذا هو الأصح . الثالث : أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به ، فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه .

المسألة الرابعة : ذكر الله تعالى ههنا : { عن مواضعه } وفي المائدة { من بعد مواضعه } والفرق أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة ، فههنا قوله : { يحرفون الكلم عن مواضعه } معناه : أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص ، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب . وأما الآية المذكورة في سورة المائدة ، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين ، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة ، وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب ، فقوله : { يحرفون الكلم } إشارة إلى التأويل الباطل وقوله : { من بعد مواضعه } إشارة إلى إخراجه عن الكتاب .

النوع الثاني : من ضلالاتهم : ما ذكره الله تعالى بقوله : { ويقولون سمعنا وعصينا } وفيه وجهان : الأول : أن النبي عليه السلام كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر : سمعنا ، وقالوا في أنفسهم : وعصينا والثاني : أنهم كانوا يظهرون قولهم : سمعنا وعصينا ، إظهارا للمخالفة ، واستحقارا للأمر .

النوع الثالث : من ضلالتهم قوله : { واسمع غير مسمع } .

واعلم أن هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم ، ويحتمل الإهانة والشتم . أما أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروها ، وأما أنه محتمل للشتم والذم فذاك من وجوه : الأول : أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اسمع ، ويقولون في أنفسهم : لا سمعت ، فقوله : { غير مسمع } معناه : غير سامع ، فإن السامع مسمع ، والمسمع سامع . الثاني : غير مسمع ، أي غير مقبول منك ، ولا تجاب إلى ما تدعو إليه ، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك ، فكأنك ما أسمعت شيئا . الثالث : اسمع غير مسمع كلاما ترضاه ، ومتى كان كذلك فإن الإنسان لا يسمعه لنبو سمعه عنه ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الكلمة محتملة للذم والمدح ، فكانوا يذكرونها لغرض الشتم .

النوع الرابع : من ضلالاتهم قولهم : { وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين } أما تفسير { راعنا } فقد ذكرناه في سورة البقرة وفيه وجوه : الأول : أن هذه كلمة كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخرية ، فلذلك نهى المسلمون أن يتلفظوا بها في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم . الثاني : قوله : { راعنا } معناه ارعنا سمعك ، أي اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم ، وهذا مما لا يخاطب به الأنبياء عليهم السلام ، بل إنما يخاطبون بالإجلال والتعظيم . الثالث : كانوا يقولون راعنا ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك ، وكانوا يريدون سبه بالرعونة في لغتهم . الرابع : أنهم كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم : { راعنا } راعينا ، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا ، وقوله : { ليا بألسنتهم } قال الواحدي : أصل ( ليا ) لويا ، لأنه من لويت ، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون ، ومثله الطي وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الفراء كانوا يقولون : راعنا ويريدون به الشتم ، فذاك هو اللي ، وكذلك قولهم : { غير مسمع } وأرادوا به لا سمعت ، فهذا هو اللي . الثاني : أنهم كانوا يصلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير على سبيل النفاق . الثالث : لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام على السخرية ، كما جرت عادة من يهزأ بإنسان بمثل هذا الأفعال ، ثم بين تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين ، لأنهم كانوا يقولون لأصحابهم : إنما نشتمه ولا يعرف ، ولو كان نبيا لعرف ذلك ، فأظهر الله تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم ، فانقلب ما فعلوه طعنا في نبوته دلالة قاطعة على نبوته ، لأن الإخبار عن الغيب معجز .

فإن قيل : كيف جاؤا بالقول المحتمل للوجهين بعدما حرفوا ، وقالوا سمعنا وعصينا ؟

والجواب من وجهين : الأول : أنا حكينا عن بعض المفسرين أنه قال : إنهم ما كانوا يظهرون قولهم : { وعصينا } بل كانوا يقولونه في أنفسهم . والثاني : هب أنهم أظهروا ذلك إلا أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ، ولا يواجهونه بالسب والشتم .

ثم قال تعالى : { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم } والمعنى أنهم لو قالوا بدل قولهم : سمعنا وعصينا ، سمعنا وأطعنا لعلمهم بصدقك ولإظهارك الدلائل والبينات مرات بعد مرات ، وبدل قولهم : { واسمع غير مسمع } قولهم واسمع ، وبدل قولهم : { راعنا } قولهم : { انظرنا } أي اسمع منا ما نقول ، وانظرنا حتى نتفهم عنك لكان خيرا لهم عند الله وأقوم ، أي أعدل وأصوب ، ومنه يقال : رمح قويم أي مستقيم ؛ وقومت الشيء من عوج فتقوم .

ثم قال : { ولكن لعنهم الله بكفرهم } والمراد أنه تعالى إنما لعنهم بسبب كفرهم .

ثم قال : { فلا يؤمنون إلا قليلا } وفيه قولان : أحدهما : أن القليل صفة للقوم ، والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون . ثم منهم من قال : كان ذلك القليل عبد الله بن سلام وأصحابه ، وقيل : هم الذين علم الله منهم أنهم يؤمنون بعد ذلك .

والقول الثاني : أن القليل صفة للإيمان ، والتقدير فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء ، ورجح أبو علي الفارسي هذا القول على الأول ، قال : لأن «قليلا » لفظ مفرد ، ولو أريد به ناس لجمع نحو قوله : { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } ويمكن أن يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفردا ، والمراد به الجمع قال تعالى : { وحسن أولئك رفيقا } وقال : { ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم } فدل عود الذكر مجموعا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (46)

44

وقد كان التعجيب من أهل الكتاب عامة - وكان المفهوم أن المعنيين هم يهود المدينة - ولكن السياق لا يكتفي بهذا المفهوم . بل يمضي فيعين اليهود . ثم يصف حالهم وتصرفاتهم وسوء أدبهم مع الرسول [ ص ] في هذه الفترة التي يبدو أنها كانت في أوائل سنوات الهجرة ، قبل أن تخضد شوكتهم في المدينة :

( من الذين هادوا ، يحرفون الكلم عن مواضعه ؛ ويقولون : سمعنا وعصينا . واسمع - غير مسمع - وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين . ) . .

لقد بلغ من التوائهم ، وسوء أدبهم مع الله عز وجل : أن يحرفوا الكلام عن المقصود به . والأرجح أن ذلك يعني تأويلهم لعبارات التوراة بغير المقصود منها . وذلك كي ينفوا ما فيها من دلائل على الرسالة الأخيرة ؛ ومن أحكام كذلك وتشريعات يصدقها الكتاب الأخير ؛ وتدل وحدتها في الكتابين على المصدر الواحد ؛ وتبعا لهذا على صحة رسالة النبى [ ص ] . وتحريف الكلم عن المقصود به ، ليوافق الأهواء ، ظاهرة ملحوظة في كل رجال دين ينحرفون عن دينهم ، ويتخذونه حرفة وصناعة ، يوافقون بها أهواء ذوي السلطان في كل زمان ؛ وأهواء الجماهير التي تريد التفلت من الدين . . واليهود أبرع من يصنع ذلك . وإن كان في زماننا هذا من محترفي دين المسلمين من ينافسون - في هذه الخصلة - اليهود !

ثم بلغ من التوائهم وسوء أدبهم مع رسول الله [ ص ] أن يقولوا له : سمعنا يا محمد ما تقول . ولكننا عصينا ! فلا نؤمن ولا نتبع ولا نطيع ! - مما يدل على أن هذه الآيات نزلت في وقت مبكر ، حيث كانت لليهود هذه الجرأة على مواجهة النبي [ ص ] ثم يضيفون إلى التبجح سوء الأدب والخلق والالتواء أيضا . إذ يقولون للرسول [ ص ] :

( واسمع - غير مسمع - وراعنا ) . .

ففي ظاهر اللفظ أنهم يقولون : اسمع - غير مأمور بالسمع [ وهي صيغة تأدب ] - وراعنا : أى : انظر إلينا نظرة رعاية لحالنا أو نظرة اهتمام لوضعنا . بما أنهم أهل كتاب ، فلا ينبغي أن يدعوا إلى إلاسلام كالمشركين !

أما في اللي الذي يلوونه ، فهم يقصدون : اسمع - لا سمعت ، ولا كنت سامعا ! - [ أخزاهم الله ] . وراعنا يميلونها إلى وصف " الرعونة " !

وهكذا . . تبجح وسوء أدب ، والتواء ومداهنة ، وتحريف للكلم عن مواضعه وعن معانيه . .

إنها يهود ! ! !

وبعد أن يحكي القرآن هذا عنهم ؛ يقرر المنهج اللائق بأهل الكتاب ؛ والأدب الجدير بمن أوتوا نصيبا منه . ويطمعهم - بعد ذلك كله - في الهداية والجزاء الحسن والفضل والخير من الله . لو ثابوا إلى الطريق القويم . وذلك مع بيان حقيقة طبيعتهم . وأنها هكذا كانت وهكذا تكون :

( ولو أنهم قالوا : سمعنا وأطعنا ، واسمع وانظرنا ، لكان خيرا لهم وأقوم ، ولكن لعنهم الله بكفرهم ، فلا يؤمنون إلا قليلاً ) . .

فهم لا يواجهون الحق بهذه الصراحة وهذه النصاعة وهذه الاستقامة . ولو أنهم واجهوه هكذا بالألفاظ الصريحة التي لا التواء فيها :

( سمعنا وأطعنا ، واسمع وانظرنا ) .

لكان هذا خيرا لهم ، وأقوم لطبيعتهم وأنفسهم وحالهم . ولكن واقع الأمر أنهم - بسبب كفرهم - مطرودون من هداية الله . فلا يؤمن منهم إلا القليل .

وصدق قول الله . . فلم يدخل في الإسلام - في تاريخه الطويل - إلا القليل من اليهود . ممن قسم الله لهم الخير ، وأراد لهم الهدى ؛ باجتهادهم للخير وسعيهم للهدى . أما كتلة اليهود ، فقد ظلت طوال أربعة عشر قرنا ، حربا على الإسلام والمسلمين . منذ أن جاورهم الإسلام في المدينة إلى اللحظة الحاضرة . وكيدهم للإسلام كان هو الكيد الواصب الذي لا ينقطع ، العنيد الذي لا يكف ، المنوع الأشكال والألوان والفنون ، منذ ذلك الحين ! وما من كيد كاده أحد للإسلام في تاريخه كله - بما في ذلك كيد الصليبية العالمية والاستعمار بشتى أشكاله - إلا كان من ورائه اليهود . أو كان لليهود فيه نصيب !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (46)

{ مّنَ الذين هَادُواْ } قيل : هو بيان للذين أوتوا المتناول بحسب المفهوم لأهل الكتابين ، وقد وسط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناء ببيان محل التشنيع والتعجيب والمسارعة إلى تنفير المؤمنين عنهم والاهتمام بحثهم على الثقة بالله تعالى والاكتفاء بولايته ونصرته ، واعترضه أبو حيان بأن الفارسي قد منع الاعتراض بجملتين فما ظنك بالثلاث ؟ا وأجاب الحلبي بأن الخلاف إذا لم يكن عطف والجمل هنا متعاطفة وبه يصير الشيئان شيئاً واحداً ، وقيل : إنه بيان لأعدائكم ، وفيه أنه لا وجه لتخصيص علمه سبحانه بطائفة من أعدائهم لا سيما في معرض الاعتراض ، وقيل : إنه صلة لنصير أي ينصركم من الذين هادوا وفيه تحجير لواسع نصرة الله تعالى مع أنه لا داعي لوضع الموصول موضع ضمير الأعداء وكون ما في حيز الصلة وصفاً ملائماً للنصر غير ظاهر ، وقيل : إنه خبر مبتدأ محذوف/

وقوله تعالى : { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } صفة له أي : من الذين هادوا قوم يحرفون ويتعين هذا في قراءة عبد الله و { مِنَ الذين } وقد تقرر أن المبتدأ إذا وصف بجملة أو ظرف ، وكان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه يطرد حذفه ، ومنه قوله :

وما الدهر إلا تارتان فمنهما *** أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

والفراء يجعل المبتدأ المحذوف اسماً موصولاً ، و { يُحَرّفُونَ } صلته أي : من الذين هادوا من يحرفون والبصريون يمنعون حذف الموصول مع بقاء صلته إلا أنه يؤيده ما في مصحف حفصة رضي الله تعالى عنها مَن يحرفون واعترض هذا أيضاً بأنه يقتضي بظاهره كون الفريق السابق بمعزل من التحريف الذي هو المصداق لاشترائهم في الحقيقة ، و الكلم اسم جنس واحده كلمة كلبنة ولبن ، ونبقة ونبق وقيل : جمع وليس بشيء على المختار ولعل من أطلقه عليه أراد المعنى اللغوي أعني ما يدل على ما فوق الإثنين مطلقاً ، وتذكير ضميره باعتبار أفراده لفظاً ، وجمعيته باعتبار تعدده معنى ، وقرىء بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف كلمة بنقل كسرة اللام إلى الكاف ، وقرىء { يُحَرّفُونَ } ، والمراد به ههنا إما ما في التوراة وإما ما هو أعم منه ، ومما سيحكي عنهم من الكلمات الواقعة منهم في أثناء محاورتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، والأول : هو المأثور عن السلف كابن عباس ومجاهد وغيرهما ، وتحريف ذلك إما إزالته عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها من التوراة كتحريفهم ربعة في نعت النبي صلى الله عليه وسلم ، ووضعهم مكانه طوال ، وكتحريفهم الرجم ووضع الحد موضعه ، وإما صرفه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى ما لا صحة له بالتأويلات الفاسدة والتمحلات الزائغة كما تفعله المبتدعة في الآيات القرآنية المخالفة لمذهبهم ، ويؤيد الأول ما رواه البخاري عن ابن عباس قال : كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث تقرءونه محضاً لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله تعالى وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ، واستشكل بأنه كيف يمكن ذلك في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر وانتشرت نسخه شرقاً وغربا ؟ا .

وأجيب بأن ذلك كا قبل اشتهار الكتاب في الآفاق وبلوغه مبلغ التواتر وفيه بعد ، وإن أيد بوقوع الاختلاف في نسخ التوراة التي عند طوائف اليهود ، وقيل : إن اليهود فعلوا ذلك في نسخ من التوراة ليضلوا بها ولما لم ترج عدلوا إلى التأويل ، والمراد من { عَن مواضعه } على تقدير إرادة الأعم ما يليق به مطلقاً سواء كان ذلك بتعيينه تعالى صريحاً كمواضع ما في التوراة أو بتعيين العقل والدين كمواضع غيره ، وأصل التحريف إمالة الشيء إلى حرف أي طرف فإذا كان { يُحَرّفُونَ } بمعنى يزيلون كان كناية لأنهم إذا بدلوا الكلم ووضعوا مكانه غيره لزم أنهم أمالوه عن مواضعه وحرفوه ، والفرق بين ما هنا وما يأتي في سورة المائدة ( 41 ) من قوله سبحانه : { مِن بَعْدِ مواضعه } أن الثاني أدل على ثبوت مقارّ الكلم واشتهارها مماهنا ، وذلك لأن الظرف يدل على أنه بعد ما ثبت الموضع وتقرر حرفوه عنه ، واختار ذلك هنالك لأن فيه ما يقتضي الاتيان بالأدل الأبلغ

{ وَيَقُولُونَ } عطف على { يُحَرّفُونَ } وأكثر العلماء على أن المراد به القول اللساني بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم ، واختار البعض حمله على ما يعم ذلك وما يترجم عنه عنادهم ومكابرتهم ليندرج فيه ما نطقت به ألسنة حالهم عند تحريف التوراة ولا يقيد حينئذ بزمان أو مكان ولا يخصص بمادة دون مادة ويحتاج إلى ارتكاب عموم المجاز لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز والمعنى عليه أنهم مع ذلك التحريف يقولون ويفهمون في كل أمر مخالف لأهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم أو بلسان الحال أو المقال عناداً وتحقيقاً للمخالفة { سَمِعْنَا } أي فهمنا { وَعَصَيْنَا } أي لم نأتمر وبذلك فسره الراغب { واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ } عطف على { سَمِعْنَا } داخل معه تحت القول لكن باعتبار أنه لساني ، وفي أثناء مخاطبته صلى الله عليه وسلم وهو كلام ذو وجهين محتمل للشر والخير ، ويسمى في البديع بالتوجيه كما قاله غير واحد ، ومثلوا له بقوله :

خاط لي عمرو قباء *** ليت عينيه سواء

واحتماله للشر بأن يحمل على معنى اسمع مدعوا عليك بلا سمعت ، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه ، أو اسمع نابي السمع عما تسمعه لكراهيته عليك ، أو اسمع كلاماً غير مسمع إياك لأن أذنيك تنبو عنه فغير إما حال لا غير ، وإما مفعول به وصحت الحالية على الاحتمال الأول باعتبار أن الدعاء هو المقصود لهم وأنهم لما قدروا لعنهم الله تعالى إجابته صار كأنه واقع مقرر ، واحتماله للخير بأن يحمل على معنى : اسمع منا غير مسمع مكروهاً من قولهم : أسمعه فلان إذا سبه ، وكان أصله أسمعه ما يكره فحذف مفعوله نسياً منسياً وتعورف في ذلك ، وقد كانوا لعنهم الله تعالى يخاطبون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءاً مظهرين له صلى الله عليه وسلم المعنى الأخير وهم يضمرون سواه .

{ وراعنا } عطف على ما قبله أي ويقولون أيضاً في أثناء خطابهم له صلى الله عليه وسلم هذا وهو ذو وجهين كسابقه ، فاحتماله للخير على معنى أمهلنا وانظر إلينا ، أو انتظرنا نكلمك ، واحتماله للشر بحمله على السب ، ففي «التيسير » : إن راعنا بعينه مما يتسابون به وهو للوصف بالرعونة ، وقيل : إنه يشبه كلمة سب عندهم عبرانية أو سريانية وهي راعينا ، وقيل : بل كانوا يشبعون كسر العين ويعنون لعنهم الله تعالى أنه وحاشاه صلى الله عليه وسلم بمنزلة خدمهم ورعاة غنمهم ، وقد كانوا يقولون ذلك مظهرين الاحترام والتوقير مضمرين ما يستحقون به جهنم وبئس المصير . وهذا نوع من النفاق ولا ينافيه تصريحهم بالعصيان لما قيل : إن جميع الكفار يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر ولا يخاطبونه بالسب والذم والدعاء عليه عليه الصلاة والسلام ، واعترض بأنه حينئذ لا وجه لإيراد السماع والعصيان مع التحريف وإلقاء الكلام المحتمل احتيالاً ، وأجيب بأنه يمكن أن يقال : المقصود على هذا عد صفاتهم الذميمة لا مجرد التحريف والاحتيال فكأنه قيل : يحرفون كتابهم ويجاهرون بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالاً وحالاً وعصيانهم بعد سماع ما بلغهم وتحققه لديهم ويحتالون في سبه صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إن قولهم { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } لم يكن بمحضره عليه الصلاة والسلام بل كان فيما بينهم فلا ينافي نفاقهم في الجملتين بين يديه صلى الله عليه وسلم ، وقيل : القول نظراً إلى الجملة الأولى حالي وإلى الجملتين الأخيرتين لساني ، وقيل : إن الأولى أيضاً ذات وجهين كالأخيرتين إذ يحتمل أن يكون مرادهم أطعنا أمرك وعصينا أمر قومنا ، ويحتمل أن يكون مرادهم ما تقدم . ومن الناس من جوز أن يراد بتحريف الكلم إمالتها عن مواضعها سواء كانت مواضع وضعها الله تعالى فيها أو جعلها المقام والعرف مواضع لذلك فيكون المعنى هم قوم عادتهم التحريف ، ويكون قوله سبحانه : { وَيَقُولُونَ } الخ تعداداً لبعض تحريفاتهم ، والمراد إنهم يقولون لك : سمعنا وعند قومهم عصينا ويقولون كذا وكذا فيظهرون لك شيئاً ويبطنون خلافه

{ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } اللّي يكون بمعنى الانحراف والالتفات والانعطاف عن جهة إلى أخرى ، ويكون بمعنى ضم إحدى نحو طاقات الحبل على الأخرى .

والمراد به هنا إما صرف الكلام من جانب الخير إلى جانب الشر ، وإما ضم أحد الأمرين إلى الآخر ، وأصله لوى فقلبت الواو ياءاً وأدغمت ، ونصبه على أنه مفعول له ليقولون باعتبار تعلقه بالقولين الأخيرين ، وقيل : بالأقوال جميعها ، أو على أنه حال أي لاوِينَ ومثله في ذلك قوله تعالى : { وَطَعْناً فِى الدين } أي قدحاً فيه بالاستهزاء والسخرية ، وكل من الظرفين متعلق بما عنده { وَلَوْ أَنَّهُمْ } عندما سمعوا شيئاً من أوامر الله تعالى ونواهيه { قَالُواْ } بلسان المقال كما هو الظاهر أو به وبلسان الحال كما قيل : { سَمِعْنَا } سماع قبول مكان قولهم : { سَمِعْنَا } المراد به سماع الرد { وَأَطَعْنَا } مكان قولهم : { *عصينا } { وَعَصَيْنَا واسمع } بدل قولهم : { أَسْمِعْ * غَيْرَ مُسْمَعٍ } . { وانظرنا } بدل قولهم : { راعنا } { لَكَانَ } قولهم هذا { خَيْراً لَّهُمْ } وأنفع من قولهم ذلك { وَأَقْوَمُ } أي أعدل في نفسه ، وصيغة التفضيل إما على بابها واعتبار أصل الفعل في المفضل عليه بناءاً على اعتقادهم أو بطريق التهكم ، وإما بمعنى اسم الفاعل فلا حاجة إلى تقدير من ، وفي تقديم حال القول بالنسبة إليهم على حاله في نفسه إيماء إلى أن همم اليهود لعنهم الله تعالى طماحة إلى ما ينفعهم ، والمنسبك من ( أن ) وما بعدها فاعل ثبت المقدر لدلالة أن عليه أي : لو ثبت قولهم سمعنا الخ وهو مذهب المبرد ، وقيل : مبتدأ لا خبر له ، وقيل : خبره مقدر .

{ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } أي ولكن لم يقولوا الأنفع والأقوم ، واستمروا على ذلك فخذلهم الله تعالى وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم { فَلاَ يُؤْمِنُونَ } بعد { إِلاَّ قَلِيلاً } اختار العلامة الثاني كونه استثناء من ضمير المفعول في { لَّعَنَهُمُ } أي ولكن لعنهم الله تعالى إلا فريقاً قليلاً منهم فإنه سبحانه لم يلعنهم فلهذا آمن من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه ، وقيل : هو مستثنى من فاعل { يُؤْمِنُونَ } ويتجه عليه أن الوجه حينئذ الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب مع أن القراء قد اتفقوا على النصب ، ويبعد منهم الاتفاق على غير المختار مع أنه يقتضي وقوع إيمان من لعنه الله تعالى وخذله إلا أن يحمل { لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } على لعن أكثرهم وهو كما ترى ، وقيل : إنه صفة مصدر محذوف أي إلا إيماناً قليلاً لأنهم وحدوا وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشريعته ، والإيمان بمعنى التصديق لا الإيمان الشرعي ، وجوز على هذا الوجه أن يراد بالقلة العدم كما في قوله :

قليل التشكي للمهم يصيبه *** كثير الهوى شتى النوى والمسالك

والمراد أنهم لا يؤمنون إلا إيماناً معدوماً إما على حد { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى } [ الدخان : 56 ] أي إن كان المعدوم إيماناً فهم يحدثون شيئاً من الإيمان فهو من التعليق بالمحال ، أو أن ما أحدثوه منه لما لم يشتمل على ما لا بد منه كان معدوماً انعدام الكل بجزئه ، والوجه هو الأول .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ مّنَ الذين هَادُواْ } رجعوا عن مقتضى الاستعداد من نفي السوي إلى ما سولت لهم أنفسهم واستنتجته أفكارهم وأيدته أنظارهم ودعت إليه علومهم الرسمية { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } يحتمل أن يراد بالكلم معناها الظاهر أي أنهم يؤولون جميع ما يشعر ظاهره بالوحدة على حسب إرادتهم زاعمين أنه لا يمكن أن يكون غير ذلك مراداً لله تعالى لا قصداً ولا تبعاً لا عبارة ولا إشارة ، ويحتمل أن يراد بها هذه الممكنات فإنها كلم الله تعالى بمعنى الدوال عليه ، أو كلمه بمعنى آثار كلمه أعني كن المتعددة حسب تعدد تعلقات الإرادة .

ومعنى تحريفها عن مواضعها إمالتها عما وضعها الله تعالى فيه من كونها مظاهر أسمائه فيثبتون لها وجوداً غير وجود الله تعالى : { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا } ما يشعر بالوحدة أو سمعنا ما يقال في هذه الممكنات { وَعَصَيْنَا } فلا نقول بما تقولون ولا نعتقد ما تعتقدون { و } يقولون أيضاً في أثناء مخاطبتهم للعارف مستخفين مستهزئين به { عَظِيمٍ أَسْمِعْ } ما يعارض ما تدعيه { غَيْرَ مُسْمَعٍ } أي لا أسمعك الله { وراعنا } يعنون رميه بالرعونة وهي الحماقة { لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى الدين } [ النساء : 46 ] الذي عليه العارف بربه