مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (37)

قوله عز وجل : { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ( 37 ) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون }

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن المذكور في هذه الآية ليس بجواب لما سألا عنه فلا بد ههنا من بيان الوجه الذي لأجله عدل عن ذكر الجواب إلى هذا الكلام والعلماء ذكروا فيه وجوها : الأول : أنه لما كان جواب أحد السائلين أنه يصلب ، ولا شك أنه متى سمع ذلك عظم حزنه وتشتد نفرته عن سماع هذا الكلام ، فرأى أن الصلاح أن يقدم قبل ذلك ما يؤثر معه بعلمه وكلامه ، حتى إذا جاء بها من بعد ذلك خرج جوابه عن أن يكون بسبب تهمة وعداوة . الثاني : لعله عليه السلام أراد أن يبين أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدوا فيه ، وذلك لأنهم طلبوا منه علم التعبير ، ولا شك أن هذا العلم مبني على الظن والتخمين ، فبين لهما أنه لا يمكنه الإخبار عن الغيوب على سبيل القطع واليقين مع عجز كل الخلق عنه ، وإذا كان الأمر كذلك فبأن يكون فائقا على كل الناس في علم التعبير كان أولى ، فكان المقصود من ذكر تلك المقدمة تقرير كونه فائقا في علم التعبير واصلا فيه إلى ما لم يصل غيره ، والثالث : قال السدي : { لا يأتيكما طعام ترزقانه } في النوم بين ذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس بمقصور على شيء دون غيره ، ولذلك قال : { إلا نبأتكما بتأويله } الرابع : لعله عليه السلام لما علم أنهما اعتقدا فيه وقبلا قوله : فأورد عليهما ما دل على كونه رسولا من عند الله تعالى ، فإن الاشتغال بإصلاح مهمات الدين أولى من الاشتغال بمهمات الدنيا ، والخامس : لعله عليه السلام لما علم أن ذلك الرجل سيصلب اجتهد في أن يدخله في الإسلام حتى لا يموت على الكفر ، ولا يستوجب العقاب الشديد { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة } والسادس : قوله : { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله } محمول على اليقظة ، والمعنى : أنه لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا أخبرتكما أي طعام هو ، وأي لون هو ، وكم هو ، وكيف يكون عاقبته ؟ أي إذا أكله الإنسان فهو يفيد الصحة أو السقم ، وفيه وجه آخر ، قيل : كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما فأرسله إليه ، فقال يوسف لا يأتيكما طعام إلا أخبرتكما أن فيه سما أم لا ، هذا هو المراد من قوله : { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله } وحاصله راجع إلى أنه ادعى الإخبار عن الغيب ، وهو يجري مجرى قوله عيسى عليه السلام ، { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } فالوجوه الثلاثة الأول لتقرير كونه فائقا في علم التعبير ، والوجوه الثلاثة الأخر لتقرير كونه نبيا صادقا من عند الله تعالى .

فإن قيل : كيف يجوز حمل الآية على ادعاء المعجزة مع أنه لم يتقدم ادعاء للنبوة ؟

قلنا : إنه وإن لم يذكر ذلك لكن يعلم أنه لا بد وأن يقال : إنه كان قد ذكره ، وأيضا ففي قوله : { ذلكما مما علمني ربى } وفي قوله : { واتبعت ملة آبائي } ما يدل على ذلك .

ثم قال تعالى : { ذلكما مما علمني ربى } أي لست أخبركما على جهة الكهانة والنجوم ، وإنما أخبرتكما بوحي من الله وعلم حصل بتعليم الله .

ثم قال : { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : لقائل أن يقول : في قوله : { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } توهم أنه عليه السلام كان في هذه الملة . فنقول جوابه من وجوه : الأول : أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضا فيه . والثاني : وهو الأصح أن يقال إنه عليه السلام كان عبدا لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد ، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد والإيمان خوفا منهم على سبيل التقية ، ثم إنه أظهره في هذا الوقت ، فكان هذا جاريا مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر .

المسألة الثانية : تكرير لفظ { هم } في قوله : { وهم بالآخرة هم كافرون } لبيان اختصاصهم بالكفر ، ولعل إنكارهم للمعاد كان أشد من إنكارهم للمبدأ ، فلأجل مبالغتهم في إنكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد .

واعلم أن قوله : { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } إشارة إلى علم المبدأ . وقوله : { وهم بالآخرة هم كافرون } إشارة إلى علم المعاد ، ومن تأمل في القرآن المجيد وتفكر في كيفية دعوة الأنبياء عليهم السلام علم أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق إلى الإقرار بالتوحيد وبالمبدأ والمعاد ، وإن ما وراء ذلك عبث .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (37)

35

وينتهز يوسف هذه الفرصة ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة ؛ فكونه سجينا لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة والأوضاع الفاسدة ، القائمة على إعطاء حق الربوبية للحكام الأرضيين ، وجعلهم بالخضوع لهم أربابا يزاولون خصائص الربوبية ، ويصبحون فراعين !

ويبدأ يوسف مع صاحبي السجن من موضوعهما الذي يشغل بالهما ، فيطمئنهما ابتداء إلى أنه سيؤول لهم الرؤى ، لأن ربه علمه علما لدنيا خاصا ، جزاء على تجرده لعبادته وحده ، وتخلصه من عبادة الشركاء . هو وآباؤه من قبله . . وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما ، كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه :

( قال : لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ، ذلكما مما علمني ربي ، إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ، وهم بالآخرة هم كافرون . واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء . ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) . .

ويبدو في طريقة تناول يوسف للحديث لطف مدخله إلى النفوس ، وكياسته وتنقله في الحديث في رفق لطيف . . وهي سمة هذه الشخصية البارزة في القصة بطولها . .

( قال : لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ، ذلكما مما علمني ربي ) . .

بهذا التوكيد الموحي بالثقة بأن الرجل على علم لدني ، يرى به مقبل الرزق وينبيء بما يرى . وهذا - فوق دلالته على هبة الله لعبده الصالح يوسف - وهي كذلك بطبيعة الفترة وشيوع النبوءات فيها والرؤى - وقوله : ( ذلكما مما علمني ربي )تجيء في اللحظة المناسبة من الناحية النفسية ليدخل بها إلى قلبيهما بدعوته إلى ربه ؛ وليعلل بها هذا العلم اللدني الذي سيؤول لهما رؤياهما عن طريقه .

( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ، وهم بالآخرة هم كافرون ) . .

مشيرا بهذا إلى القوم الذين ربي فيهم ، وهم بيت العزيز وحاشية الملك والملأ من القوم والشعب الذي يتبعهم . والفتيان على دين القوم ، ولكنه لا يواجههما بشخصيتهما ، إنما يواجه القوم عامة كي لا يحرجهما ولا ينفرهما - وهي كياسة وحكمة ولطافة حس وحسن مدخل .

وذكر الآخرة هنا في قول يوسف يقرر - كما قلنا من قبل - أن الإيمان بالآخرة كان عنصرا من عناصر العقيدة على لسان الرسل جميعا ؛ منذ فجر البشرية الأول ؛ ولم يكن الأمر كما يزعم علماء الأديان المقارنة أن تصور الآخرة جاء إلى العقيدة - بجملتها - متأخرا . . لقد جاء إلى العقائد الوثنية الجاهلية متأخرا فعلا ، ولكنه كان دائما عنصرا أصيلا في الرسالات السماوية الصحيحة . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ} (37)

المعنى :

{ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما } واللفظ محتمل لما يأتيهما في المنام أو اليقظة وهو لما علمه الله تعالى يخبرهما به قبل وصوله إليهما وبما يؤول إليه ، وعلل لهما مبيّناً سبب علمه هذا بقوله { ذلكما مما علّمني ربّي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة كافرون } وهم الكنعانيون والمصريون إذ كانوا مشركين يعبدون الشمس ويعقوب .

الهداية :

من الهداية :

- تعبير الرؤى تابع لصفاء الروح وقوة الفراسة وهي في يوسف علم لدني خاص .

- استغلال المناسبات للدعوة إلى الله تعالى كما استغلها يوسف عليه السلام .