ثم قال تعالى : { تسبح له السموات والأرض ومن فيهن } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اعلم أن الحي المكلف يسبح لله بوجهين : الأول : بالقول كقوله باللسان سبحان الله . والثاني : بدلالة أحواله على توحيد الله تعالى وتقديسه وعزته ، فأما الذي لا يكون مكلفا مثل البهائم ، ومن لا يكون حيا مثل الجمادات فهي إنما تسبح لله تعالى بالطريق الثاني ، لأن التسبيح بالطريق الأول لا يحصل إلا مع الفهم والعلم والإدراك والنطق وكل ذلك في الجماد محال ، فلم يبق حصول التسبيح في حقه إلا بالطريق الثاني .
واعلم أنا لو جوزنا في الجماد أن يكون عالما متكلما لعجزنا عن الاستدلال بكونه تعالى عالما قادرا على كونه حيا وحينئذ يفسد علينا باب العلم بكونه حيا وذلك كفر فإنه يقال : إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله تعالى وصفاته وتسبحه مع أنها ليست بأحياء فحينئذ لا يلزم من كون الشيء عالما قادرا متكلما كونه حيا فلم يلزم من كونه تعالى عالما قادرا كونه حيا وذلك جهل وكفر ، لأن من المعلوم بالضرورة أن من ليس بحي لم يكن عالما قادرا متكلما ، هذا هو القول الذي أطبق العلماء المحققون عليه ، ومن الناس من قال : إن الجمادات وأنواع النبات والحيوان كلها تسبح الله تعالى ، واحتجوا على صحة قولهم بأن قالوا : دل هذا النص على كونها مسبحة لله تعالى ولا يمكن تفسير هذا التسبيح بكونها دلائل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته لأنه تعالى قال : { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } فهذا يقتضي أن تسبيح هذه الأشياء غير معلوم لنا . ودلالتها على وجود قدرة الله وحكمته معلوم ، والمعلوم مغاير لما هو غير معلوم فدل على أنها تسبح الله تعالى وأن تسبيحها غير معلوم لنا ، فوجب أن يكون التسبيح المذكور في هذه الآية مغايرا لكونها دالة على وجود قدرة الله تعالى وحكمته .
الوجه الأول : أنك إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك التفاحة مركبة من عدد كثير من الأجزاء التي لا تتجزأ ، وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على وجود الإله ، ولكل واحد من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ صفات مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة والحيز والجهة ، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة من الجائزات فلا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر حكيم .
إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على وجود الإله وكل صفة من الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد فهو أيضا دليل تام على وجود الإله تعالى ، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم ، وأحوال تلك الصفات غير معلومة ، فلهذا المعنى قال تعالى : { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } .
والوجه الثاني : هو أن الكفار وإن كانوا يقرون بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا يتفكرون في أنواع الدلائل ، ولهذا المعنى قال تعالى :
{ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } فكان المراد من قوله : { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } هذا المعنى .
والوجه الثالث : أن القوم وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا عالمين بكمال قدرته . ولذلك فإنهم استبعدوا كونه تعالى قادرا على الحشر والنشر فكان المراد ذلك . وأيضا فإنه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } فهم ما كانوا عالمين بهذا الدليل فلما ذكر هذا الدليل قال : { تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن } فتسبيح السموات والأرض ومن فيهن يشهد بصحة هذا الدليل وقوته ، وأنتم لا تفقهون هذا الدليل ولا تعرفونه ، بل نقول : إن القوم كانوا غافلين عن أكثر دلائل التوحيد والعدل ، والنبوة والمعاد ، فكان المراد من قوله : { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } ذلك ومما يدل على أن الأمر كما ذكرناه قوله : { إنه كان حليما غفورا } فذكر الحليم والغفور ههنا يدل على أن كونهم بحيث لا يفقهون ذلك التسبيح جرم عظيم صدر عنهم ، وهذا إنما يكون جرما إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ، ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم ما عرفوا وجه دلالة تلك الدلائل . أما لو حملنا هذا التسبيح على أن هذه الجمادات تسبح الله بأقوالها وألفاظها لم يكن عدم الفقه لتلك التسبيحات جرما ولا ذنبا ، وإذا لم يكن ذلك جرما ولا ذنبا لم يكن قوله : { إنه كان حليما غفورا } لائقا بهذا الموضع ، فهذا وجه قوي في نصرة القول الذي اخترناه . واعلم أن القائلين بأن هذه الجمادات والحيوانات تسبح الله بألفاظها أضافوا إلى كل حيوان نوعا آخر من التسبيح . وقالوا : إنها إذا ذبحت لم تسبح مع أنهم يقولون إن الجمادات تسبح الله ، فإذا كان كونه جمادا لا يمنع من كونه مسبحا ، فكيف صار ذبح الحيوان مانعا له من التسبيح ، وقالوا أيضا : إن غصن الشجرة إذا كسر لم يسبح ، وإذا كان كونه جمادا لم يمنع من كونه مسبحا فكسره كيف يمنع من ذلك ، فعلم أن هذه الكلمات ضعيفة ، والله أعلم .
المسألة الثانية : قوله : { تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن } تصريح بإضافة التسبيح إلى السموات والأرض وإلى المكلفين الحاصلين فيهن وقد دللنا على أن التسبيح المضاف إلى الجمادات ليس إلا بمعنى الدلالة على تنزيه الله تعالى وإطلاق لفظ التسبيح على هذا المعنى مجاز ، وأما التسبيح الصادر عن المكلفين وهو قولهم : سبحان الله ، فهذا حقيقة ، فيلزم أن يكون قوله : { تسبح } لفظا واحدا قد استعمل في الحقيقة والمجاز معا ، وأنه باطل على ما ثبت دليله في أصول الفقه ، فالأولى أن يحمل هذا التسبيح على الوجه المجازي في حق الجمادات لا في حق العقلاء لئلا يلزم ذلك المحذور ، والله أعلم .
ثم يرسم السياق للكون كله بما فيه ومن فيه مشهدا فريدا ، تحت عرش الله ، يتوجه كله إلى الله ، يسبح له ويجد الوسيلة إليه :
( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، إنه كان حليما غفورا ) . .
وهو تعبير تنبض به كل ذرة في هذا الكون الكبير ، وتنتفض روحا حية تسبح الله . فإذا الكون كله حركة وحياة ، وإذا الوجود كله تسبيحة واحدة شجية رخية ، ترتفع في جلال إلى الخالق الواحد الكبير المتعال .
وإنه لمشهد كوني فريد ، حين يتصور القلب . كل حصاة وكل حجر . كل حبة وكل ورقة . كل زهرة وكل ثمرة . كل نبتة وكل شجرة . كل حشرة وكل زاحفة . كل حيوان وكل إنسان . كل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء والهواء . . ومعها سكان السماء . . كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه .
وإن الوجدان ليرتعش وهو يستشعر الحياة تدب في كل ما حوله مما يراه ومما لا يراه ، وكلما همت يده أن تلمس شيئا ، وكلما همت رجله أن تطأ شيئا . . سمعه يسبح لله ، وينبض بالحياة .
( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) يسبح بطريقته ولغته ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) لا تفقهونه لأنكم محجوبون بصفاقة الطين ، ولأنكم لم تتسمعوا بقلوبكم ، ولم توجهوها إلى أسرار الوجود الخفية ، وإلى النواميس التي تنجذب إليها كل ذرة في هذا الكون الكبير ، وتتوجه بها إلى خالق النواميس ، ومدبر هذا الكون الكبير .
وحين تشف الروح وتصفو فتتسمع لكل متحرك أو ساكن وهو ينبض بالروح ، ويتوجه بالتسبيح ، فإنها تتهيأ للاتصال بالملأ الأعلى ، وتدرك من أسرار هذا الوجود ما لا يدركه الغافلون ، الذين تحول صفاقة الطين بين قلوبهم وبين الحياة الخفية الساربة في ضمير هذا الوجود ، النابضة في كل متحرك وساكن ، وفي كل شيء في هذا الوجود .
( إنه كان حليما غفورا ) . . وذكر الحلم هنا والغفران بمناسبة ما يبدو من البشر من تقصير في ظل هذا الموكب الكوني المسبح بحمد الله ، بينما البشر في جحود وفيهم من يشرك بالله ، ومن ينسب له البنات ، ومن يغفل عن حمده وتسبيحه . والبشر أولى من كل شيء في هذا الكون بالتسبيح والتحميد والمعرفة والتوحيد . ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيز مقتدر . ولكنه يمهلهم ويذكرهم ويعظهم ويزجرهم ( إنه كان حليما غفورا ) .
{ ومن فيهن } : أي في السماوات من الملائكة والأرض من إنسان وجان وحيوان .
{ وإن من شيء إلا يسبح } : أي وما شيء إلا يسبح بحمده من سائر المخلوقات .
{ حليماً غفوراً } : حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على معصيتكم إياه وعدم طاعتكم له .
وقوله : { تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن } فأخبر تعالى منزهاً نفسه مقدساً ذاته عن الشبيه والشريك والولد والعجز ، فأخبر أنه لعظمته وكماله تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن بكلمة : سبحان الله وبحمده { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } كما أخبر أنه ما من شيء من المخلوقات إلا ويسبح بحمده بلسان قالِه وحالِه معاً فيقول سبحان الله وبحمده وقوله : { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } لاختلاف الألسنة واللغات . وقوله إنه كان أي { الله حليماً } : أي لا يعاجل بالعقوبة من عصاه { غفوراً } يغفر ذنوب وزلات من تاب إليه وأناب طلباً مغفرته ورضاه .
- فضيلة التسبيح وهو قول : سبحان الله وبحمده حتى إن من قالها مائة غفرت ذنوبه ولو كانت في الكثرة مثل زبد البحر .
- كل المخلوقات في العوالم كلها تسبح الله تعالى أي تنزهه عن الشريك والولد والنقص والعجز ومشابهة الحوادث إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
- حلم الله يتجلى في عدم تعجيل عقوبة من عصاه ولولا حلمه لعجل عقوبة مشركي مكة وأكابر مجرميها . ولكن الله أمهلهم حتى تاب أكثرهم .