قوله تعالى : { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين }
اعلم أن شعيبا عليه السلام ضم إلى ما تقدم ذكره من التكاليف الخمسة أشياء . الأول : أنه منعهم من أن يقعدوا على طرق الدين ومناهج الحق ، لأجل أن يمنعوا الناس عن قبوله وفي قوله : { ولا تقعدوا بكل صراط } قولان : الأول : يحمل الصراط على الطريق الذي يسلكه الناس . روي أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ويخوفون من آمن بشعيب عليه السلام . والثاني : أن يحمل الصراط على مناهج الدين ، قال صاحب «الكشاف » : { ولا تقعدوا بكل صراط } أي ولا تقتدوا بالشيطان في قوله : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } قال والمراد بالصراط كل ما كان من مناهج الدين ، والدليل على أن المراد بالصراط ذلك قوله : { وتصدون عن سبيل الله } وقوله : { بكل صراط } يقال قعد له بمكان كذا وعلى مكان كذا ، وفي مكان كذا ، وهذه الحروف تتعاقب في هذه المواضع لتقارب معانيها ، فإنك إذا قلت قعد بمكان كذا ، فالباء للإلصاق ، وهو قد التصق بذلك المكان .
وأما قوله : { توعدون } فمحله ومحل ما عطف عليه النصب على الحال ، والتقدير : ولا تقعدوا موعدين ولا صادين عن سبيل الله ولا أن تبغوا عوجا في سبيل الله ، والحاصل : أنه نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأمور الثلاثة . واعلم أنه تعالى لما عطف بعض هذه الثلاثة على البعض . وجب حصول المغايرة بينها فقوله : { توعدون } يحصل بذلك إنزال المضار بهم وأما الصد ، فقد يكون بالإيعاد بالمضار ، وقد يكون بالوعد بالمنافع بما لو تركه ، وقد يكون بأن لا يمكنه من الذهاب إلى الرسول ليسمع كلامه .
أما قوله : { وتبغونها عوجا } فالمراد إلقاء الشكوك والشبهات والمراد من الآية أن شعيبا منع القوم من أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه الطرق الثلاثة . وإذا تأملت علمت أن أحدا لا يمكنه منع غيره من قبول مذهب أو مقالة إلا بأحد هذه الطرق الثلاثة .
ثم قال : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } والمقصود منه أنهم إذا تذكروا كثرة إنعام الله عليهم فالظاهر أن ذلك يحملهم على الطاعة والبعد عن المعصية ، قال الزجاج : وهذا الكلام يحتمل ثلاثة أوجه ، كثر عددكم بعد القلة ، وكثركم بالغنى بعد الفقر ، وكثركم بالقدرة بعد الضعف ، ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل ، في أنه لا يحصل من وجودهم قوة وشوكة . فأما تكثير عددهم بعد القلة ؛ فهو أن مدين بن إبراهيم تزوج رئيا بنت لوط ، فولدت حتى كثر عددهم .
ثم قال بعده : { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } والمعنى تذكروا عاقبة المفسدين وما لحقهم من الخزي والنكال ، ليصير ذلك زاجرا لكم عن العصيان والفساد ، فقوله : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } المقصود منه أنهم إذا تذكروا نعم الله عليهم انقادوا وأطاعوا ، وقوله : { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } المقصود منه أنهم إذا عرفوا أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست إلا الخزي والنكال ، احترزوا عن الفساد والعصيان وأطاعوا ، فكان المقصود من هذين الكلامين حملهم على الطاعة بطريق الترغيب أولا والترهيب ثانيا .
ونأتي للصفحة الأخيرة من صحائف الأقوام المكذبة في تلك الحقبة من التاريخ . . صفحة مدين وأخيهم شعيب :
( وإلى مدين أخاهم شعيباً ، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، قد جاءتكم بينة من ربكم ، فأوفوا الكيل والميزان ، ولا تبخسوا الناس اشياءهم ، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين . ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً ، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم ، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين . . وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ، وهو خير الحاكمين ) . .
( قال الملأ الذين استكبروا من قومه : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا . قال : أو لو كنا كارهين ؟ قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها ، وما يكون لنا أن نعود فيها - إلا أن يشاء اللّه ربنا ، وسع ربنا كل شيء علماً - على اللّه توكلنا ، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ، وأنت خير الفاتحين . وقال الملأ الذين كفروا من قومه : لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون . فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين . الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها ، الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين ، فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ، فكيف آسى على قوم كافرين ؟ ) . .
إننا نجد شيئاً من الإطالة في هذه القصة ، بالقياس إلى نظائرها في هذا الموضع ، ذلك أنها تتضمن غير قضية العقيدة شيئاً عن المعاملات ، وإن كانت القصة سائرة على منهج الاستعراض الإجمالي في هذا السياق .
( وإلى مدين أخاهم شعيباً ، قال : يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره ) .
فهي قاعدة الدعوة التي لا تغيير فيها ولا تبديل . . ثم تبدأ بعدها بعض التفصيلات في رسالة النبي الجديد :
( قد جاءتكم بينة من ربكم ) . .
ولا يذكر السياق نوع هذه البينة - كما ذكرها في قصة صالح - ولا نعرف لها تحديداً من مواضع القصة في السور الأخرى . ولكن النص يشير إلى أنه كانت هناك بينة جاءهم بها ، تثبت دعواه أنه مرسل من عند اللّه . ويرتب على هذه البينة ما يأمرهم به نبيهم من توفية الكيل والميزان ، والنهي عن الإفساد في الأرض ، والكف عن قطع الطريق على الناس ، وعن فتنة المؤمنين عن دينهم الذي ارتضوه :
( فأوفوا الكيل والميزان ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين . ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ، وتصدون عن سبيل اللّه من آمن به ، وتبغونها عوجاً ، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم ، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) . .
وندرك من هذا النهي أن قوم شعيب ، كانوا قوماً مشركين لا يعبدون اللّه وحده ، إنما يشركون معه عباده في سلطانه ؛ وأنهم ما كانوا يرجعون في معاملاتهم إلى شرع اللّه العادل ؛ إنما كانوا يتخذون لأنفسهم من عند أنفسهم قواعد للتعامل - ولعل شركهم إنما كان في هذه الخصلة - وأنهم - لذلك - كانوا سيئي المعاملة في البيع والشراء ؛ كما كانوا مفسدين في الأرض ، يقطعون الطريق على سواهم . ظلمة يفتنون الذين يهتدون ويؤمنون عن دينهم ، ويصدونهم عن سبيل اللّه المستقيم ؛ ويكرهون الاستقامة التي في سبيل اللّه ؛ ويريدون أن تكون الطريق عوجاء منحرفة ، لا تمضي على استقامتها كما هي في منهج اللّه .
ويبدأ شعيب - عليه السلام - بدعوتهم إلى عبادة اللّه وحده وإفراده سبحانه بالألوهية ، وإلى الدينونة له وحده وإفراده من ثم بالسلطان في أمر الحياة كله .
يبدأ شعيب - عليه السلام - في دعوتهم من هذه القاعدة ؛ التي يعلم أنه منها تنبثق كل مناهج الحياة وكل أوضاعها ؛ كما أن منها تنبثق قواعد السلوك والخلق والتعامل . ولا تستقيم كلها إلا إذا استقامت هذه القاعدة .
ويستصحب في دعوتهم إلى الدينونة للّه وحده ، وإقامة حياتهم على منهجه المستقيم ، وترك الإفساد في الأرض بالهوى بعدما أصلحها اللّه بالشريعة . .
يستصحب في دعوتهم إلى هذا كله بعض المؤثرات الموحية . . يذكرهم نعمة اللّه عليهم :
( واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم ) .
{ صراط توعدون } : طريق وتوعدون تخيفون المارة وتأخذون عليهم المكوس أو تسلبونهم أمتعتهم .
{ وتبغونها عوجاً } : أي تريدون سبيل الله -وهي شريعته- معوجةً حتى توافق ميولكم .
{ المفسدين } : هم الذين يعملون بالمعاصي في البلاد .
وقوله : { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً } ينهاهم عليه السلام عن أبشع الإِجرام وهو أنهم يجلسون في مداخل البلاد ، وعلى أفواه السكك ، ويتوعدون المارة بالعذاب إن هم اتصلوا بالنبي شعيب وجلسوا إليه صرفاً للناس عن الإِيمان والاستقامة ، كما أنهم يقطعون الطرق ويسلبون الناس ثيابهم وأمتعتهم أو يدفعون إليهم ضريبة خاصة .
وقوله { واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم } يذكرهم عليه السلام بنعمة الله تعالى عليهم وهي أنهم أصبحوا شعباً كبيراً بعدما كانوا شعباً صغيراً لا قيمة له ولا وزن بين الشعوب وقوله : { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } يعظهم ببيان مصير الظلمة المفسدين من الأمم المجاورة والشعوب حيث لحت بهم نقمة الله ونزل بهم عذابه فهلكوا يعظهم لعلهم يذكرون فيتركوا الشرك والمعاصي ، ويعملوا بالتوحيد والطاعة .
- حرمة التلصص وقطع الطرق وتخويف المارة .
- حرمة الصد عن سبيل الله بمنع الناس من التدين والالتزام بالشريعة ظاهراً وباطناً .