وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال : { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } وفيه قولان :
القول الأول : المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته ، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره ، والمقصود كأنه تعالى يقول له : ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا . قال الحسن : حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى : { والله يعصمك من الناس } .
والقول الثاني : أن المراد بالناس أهل مكة ، وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى : وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم ، ونظيره قوله تعالى : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } وقال : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون } إلى قوله : { أحاط بالناس } لما كان كل ما يخبر الله عن وقوعه فهو واجب الوقوع ، فكان من هذا الاعتبار كالواقع ، فلا جرم قال : { أحاط بالناس } وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول : « أللهم إني أسألك عهدك ووعدك لي » ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } .
ثم قال تعالى : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } وفي هذه الرؤيا أقوال :
القول الأول : أن الله أرى محمدا في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء بدر قال :« والله كأني أنظر إلى مصارع القوم » ثم أخذ يقول : « هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان » فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية ، وكانوا يستعجلون بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والقول الثاني : أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه ، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم ، وقال عمر لأبي بكر أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به ، فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى ، فلما جاء العام المقبل دخلها ، وأنزل الله تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } اعترضوا على هذين القولين فقالوا : هذه السورة مكية ، وهاتان الواقعتان مدنيتان ، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان . أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد حصولها في مكة .
والقول الثالث : قال سعيد بن المسيب : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والإشكال المذكور عائد فيه لأن هذه الآية مكية وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة منبر ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يرى بمكة أن له بالمدينة منبرا يتداوله بنو أمية .
والقول الرابع : وهو الأصح وهو قول أكثر المفسرين أن المراد بها ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء ، واختلفوا في معنى هذه الرؤيا فقال الأكثرون : لا فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة ، يقال رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، وقال الأقلون : هذا يدل على أن قصة الإسراء إنما حصلت في المنام ، وهذا القول ضعيف باطل على ما قررناه في أول هذه السورة ، وقوله : { إلا فتنة للناس } معناه : أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان آمن به وازداد المخلصون إيمانا فلهذا السبب كان امتحانا .
ثم قال تعالى : { والشجرة الملعونة في القرآن } وهذا على التقديم والتأخير ، والتقدير : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس ، قيل المعنى : والشجرة الملعونة في القرآن كذلك . واختلفوا في هذه الشجرة ، فالأكثرون قالوا : إنها شجرة الزقوم المذكورة في القرآن في قوله : { إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم } وكانت هذه الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين : الأول : أن أبا جهل قال : زعم صاحبكم بأن نار جهنم تحرق الحجر حيث قال : { وقودها الناس والحجارة } ثم يقول : بأن في النار شجرا والنار تأكل الشجر فكيف تولد فيها الشجر .
والثاني : قال ابن الزبعري : ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه ، فأنزل الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر : { إنا جعلناك فتنة للظالمين } الآيات .
فإن قيل : ليس في القرآن لعن هذه الشجرة .
قلنا : فيه وجوه : الأول : المراد لعن الكفار الذين يأكلونها . الثاني : العرب تقول لكل طعام مكروه ضار إنه ملعون . والثالث : أن اللعن في أصل اللغة هو التبعيد فلما كانت هذه الشجرة الملعونة في القرآن مبعدة عن جميع صفات الخير سميت ملعونة .
القول الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشجرة بنو أمية يعني الحكم بن أبي العاص قال ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام : أن ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد ذلك عليه ، واتهم عمر في إفشاء سره ، ثم ظهر أن الحكم كان يتسمع إليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الواحدي : هذه القصة كانت بالمدينة ، والسورة مكية فيبعد هذا التفسير إلا أن يقال : هذه الآية مدنية ولم يقل به أحد ، ومما يؤكد هذا التأويل قول عائشة لمروان : لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنه الله .
والقول الثالث : أن الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى : { لعن الذين كفروا } .
فإن قال قائل : إن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة فأجاب أنه لا مصلحة في إظهارها لأنها لو ظهرت ولم تؤمنوا نزل الله عليكم عذاب الاستئصال ، وذلك غير جائز وأي تعلق لهذا الكلام بذكر الرؤيا التي صارت فتنة للناس وبذكر الشجرة التي صارت فتنة للناس .
قلنا : التقدير كأنه قيل : إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة لهم في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا يوهن أمرك ولا يصير سببا لضعف حالك ، ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا صار سببا لوقوع الشبهة العظيمة في القلوب ثم إن قوة تلك الشبهات ما أوجبت ضعفا في أمرك ولا فتورا في اجتماع المحقين عليك فكذلك هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا توجب فتورا في حالك ، ولا ضعفا في أمرك ، والله أعلم .
ثم قال تعالى : { ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } والمقصود منه ذكر سبب آخر في أنه تعالى ما أظهر المعجزات التي اقترحوها ، وذلك لأن هؤلاء خوفوا بمخاوف الدنيا والآخرة وبشجرة الزقوم فما زادهم هذا التخويف إلا طغيانا كبيرا ، وذلك يدل على قسوة قلوبهم وتماديهم في الغي والطغيان ، وإذا كان الأمر كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها لم ينتفعوا بها ولا يزدادون إلا تماديا في الجهل والعناد ، وإذا كان كذلك ، وجب في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات ، والله أعلم .
أما الخوارق التي وقعت للرسول [ ص ] وأولها خارقة الإسراء والمعراج فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة . إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء .
( وإذ قلنا لك : إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ، والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) .
ولقد ارتد بعض من كان آمن بالرسول [ ص ] بعد حادثة الإسراء ، كما ثبت بعضهم وازداد يقينا . ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها الله لعبده في تلك الليلة " فتنة للناس " وابتلاء لإيمانهم . أما إحاطة الله بالناس فقد كانت وعدا من الله لرسوله بالنصر ، وعصمة له من أن تمتد أيديهم إليه .
ولقد أخبرهم بوعد الله له وبما أطلعه الله عليه في رؤياه الكاشفة الصادقة . ومنه شجرة الزقوم التي يخوف الله بها المكذبين . فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكما : هاتوا لنا تمرا وزبدا ، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول : تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا !
فماذا كانت الخوارق صانعة مع القوم لو كانت هي آية رسالته كما كانت علامة الرسالات قبله ومعجزة المرسلين ? وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغيانا كبيرا ?
إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده . ومن ثم لم يرسل إليهم بخارقة . فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق . أما قريش فقد أمهلت ولم تؤخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب . . ومن المكذبين من آمن بعد ذلك وكان من جند الإسلام الصادقين . ومنهم من أنجب المؤمنين الصادقين . وظل القرآن - معجزة الإسلام - كتابا مفتوحا لجيل محمد [ ص ] وللأجيال بعده ، فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته . إنما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه . وسيبقى القرآن كتابا مفتوحا للأجيال ، يهتدي به من هم بعد في ضمير الغيب ، وقد يكون منهم من هو أشد إيمانا وأصلح عملا ، وأنفع للإسلام من كثير سبقوه .
إن ربك أحاط بالناس : هم في قبضته .
الرؤيا : هي ما عاينه صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به من العجائب .
الشجرة الملعونة : هي شجرة الزقوم .
الطغيان : تجاوز الحد في الفجور والضلال .
60- { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } .
{ وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } . أي : علما ، فلا يخفى عليه شيء من كفرهم وتكذيبهم ، ومنه ما جرى منهم إثر الرؤيا والإخبار بالشجرة الملعونة ، من الجحود والهزأ واللغو . ثم قال سبحانه : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } . قال الأكثرون : يعني : ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من الآيات ، فلما ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للناس ؛ أنكر بعضهم ذلك وكذبوا ، كما ثبت بعضهم وازداد يقينا . ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها الله لعبده في تلك الليلة { فتنة للناس } ، وابتلاء لإيمانهم .
وقد استدل القائلون بأن الإسراء والمعراج كانا مناما ، بهذه الآية على صحة ما ذهبوا إليه .
وذهب القائلون بأنهما كانا في اليقظة إلى أن المراد بهذه الرؤيا رؤيا رآها في وقعة بدر ؛ لقوله : { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } . وقيل : بل هي رأيا عام الحذيبية حين رأى أنه دخل مكة .
وسلم عشاء إلى بيت المقدس ، فصلى فيه وأراه الله ما أراه من الآيات ، ثم أصبح بمكة فأخبرهم أنه أسرى به إلى بيت المقدس ، فقالوا له : يا محمد ، ما شأنك ؟ ! أمسيت فيه ثم أصبحت فينا تخبرنا : أنك أتيت بيت المقدس ، فعجبوا من ذلك حتى ارتد بعضهم عن الإسلام .
وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس : أنها رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء ، وهو قول سعيد بن جبير ومسروق وقتادة . وجاء في اللغة : الرؤيا بمعنى : الرؤية مطلقا . وهو معنى حقيقي لها وقيل : إنها حقيقة في رؤيا المنام ورؤيا اليقظة ليلا . وقد ذكر السهيلي أنه ورد في كلام العرب بهذا المعنى تقول : رؤيته رؤيا كقربة وقربى .
وقيل إن إطلاق الرؤيا على الإسراء مجاز ؛ لوقوعها ليلا أو لسرعتها{[421]} .
{ والشجرة الملعونة في القرآن } . أي : وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس ، فإنهم حين سمعوا : { إن شجرة الزقوم . طعام الأثيم } ؛ اختلفوا ؛ فقوم ازدادوا إيمانا ، وقوم ازدادوا كفرا ، كأبي جهل إذ قال : إن ابن أبي كبشة- يعني : النبي صلى الله عليه وسلم- توعدكم بالنار ، ثم يزعم أنها تنبت شجرة ، وتعلمون أن النار تحرق الشجر ، وقال عبد الله بن الزبعري : إن محمدا يخوفنا بالزقوم ، وما الزقوم إلا التمر والزبد ، فتزقموا منه ، وجعل يأكل من هذا بهذا . أي : تمرا بزبد .
وقد فات هؤلاء أن في الدنيا أشياء كثيرة لا تحرقها النار ، فهناك نوع من الحرير يسمى بالحرير الصخري ، لا تؤثر فيه النار ، بل هو يزداد إذا لامسها نظافة ومن ثم يلبسه رجال المطافئ .
وكم في الأرض من عجائب وكم في العوالم الأخرى من مثلها ، فالأرض مملوءة نارا ، وما خلص من النار إلا قشرتها التي نعيش عليها وما من شجر أو حجر إلا وفيه نار ، والماء نفسه مادة نارية نحو 8/9 منه أكسجين وهو مادة تشتعل سريعا ، والتسع أدروجين .
وقوله تعالى : { وإذا البحار سجرت } . أي : صارت نارا من قولك : سجرت التنور إذا أشعلته .
والخلاصة : أن هؤلاء المشركين فتنوا بالرؤيا ، وفتنوا بالشجرة . وقد وصفت هذه الشجرة بكونها ملعونة ولا ذنب لها ، للعن الكفار الذين يأكلونها ؛ توسعا في الاستعمال وهو كثير في كلام العرب .
ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا . أي : ونخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة فما يزيدهم التخوف إلا تماديا في الطغيان والضلال . وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغيانا كبيرا . إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده . ومن ثم لم يرس إليهم بخارقة . فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق .
أما قريش فقد أمهلت ولم تأخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح وشعيب . . ومن المكذبين من آمن بعد ذلك ، وكان من جند الإسلام الصادقين .
وظل القرآن- معجزة القرآن- كتابا مفتوحا لجيل محمد صلى الله عليه وسلم وللأجيال بعده ، فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته ، عندما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه .
وسيبقى القرآن كتابا مفتوحا للأجيال ، يهتدي بهم من هم بعد في ضمير الغيب ، وقد يكون منهم من هو أشد إيمانا وأصلح عملا ، وأنفع للإسلام من كثير سبقوه .