مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

قوله تعالى : { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين } .

واعلم أن هذا من تمام قوله : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون } فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو ، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فإذا كانوا مع باطلهم ، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { قرح } بضم القاف وكذلك قوله : { من بعد ما أصابهم القرح } والباقون بفتح القاف فيهما واختلفوا على وجوه : فالأول : معناهما واحد ، وهما لغتان : كالجهد والجهد ، والوجد والوجد ، والضعف والضعف . والثاني : أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد . والثالث : أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم . والرابع : وهو قول الفراء إنه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة . والخامس : قال ابن مقسم : هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع قرحة .

المسألة الثانية : في الآية قولان : أحدهما : إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر ، وهو كقوله تعالى : { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا } والثاني : أن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح والقتل ، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا ، وقتل صاحب لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل ، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار .

فإن قيل كيف قال : { قرح مثله } وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين ؟

قلنا : يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى .

ثم قال تعالى : { وتلك الأيام نداولها بين الناس } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : { تلك } مبتدأ { والأيام } صفة و { نداولها } خبره ويجوز أن يقال : تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول : هي الأيام تبلي كل جديد ، فقوله : { تلك الأيام } إشارة إلى جميع أيام الوقائع العجيبة ، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا وله حينا والحرب سجال .

المسألة الثانية : قال القفال : المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ، يقال : تداولته الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى : { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيبا ، ويقال : الدنيا دول ، أي تنتقل من قوم إلى آخرين ، ثم عنهم إلى غيرهم ، ويقال : دال له الدهر بكذا إذا انتقل إليه ، والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه ، ويوم آخر بالعكس من ذلك ، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها .

واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم ، فلا يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه : الأول : أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان ، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند الله . والثاني : أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي ، فيكون عند الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدبا له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله عليه . والثالث : وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة ، وإنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة ، ولذلك فإنه تعالى يميت بعد الإحياء ، ويسقم بعد الصحة ، فإذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء ، والقدرة بالعجز ، وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال : أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب ، فقال عمر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أبو بكر ، وها أنا عمر ، فقال أبو سفيان : يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، فقال : إن كان كما تزعمون ، فقد خبنا إذن وخسرنا .

أما قوله تعالى { وليعلم الله الذين آمنوا } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : اللام في قوله : { وليعلم الله } متعلق بفعل مضمر ، أما بعده أو قبله ، أما الإضمار بعده فعلى تقدير { وليعلم الله الذين آمنوا } فعلنا هذه المداولة ، وأما الإضمار قبله فعلى تقدير { وتلك الأيام نداولها بين الناس لأمور } ، منها ليعلم الله الذين آمنوا ، ومنها ليتخذ منكم شهداء ، ومنها ليمحص الله الذين آمنوا ، ومنها ليمحق الكافرين ، فكل ذلك كالسبب والعلة في تلك المداولة .

المسألة الثانية : الواو في قوله : { وليعلم الله الذين آمنوا } نظائره كثيرة في القرآن ، قال تعالى : { وليكون من الموقنين } وقال تعالى : { ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون } والتقدير : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم الله ، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ، ليسليهم عما جرى ، وليعرفهم أن تلك الواقعة وأن شأنهم فيها ، فيه من وجه المصالح ما لو عرفوه لسرهم .

المسألة الثالثة : ظاهر قوله تعالى : { وليعلم الله الذين آمنوا } مشعر بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم ، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى ، ونظير هذه الآية في الإشكال قوله تعالى :

{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } وقوله : { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } وقوله : { لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } وقوله : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } وقوله : { إلا لنعلم من يتبع الرسول } وقوله { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها ، فقال : كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها .

أجاب المتكلمون عنه : بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها ، فثبت أن التغيير في العلم محالا إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور ، يقال : هذا علم فلان والمراد معلومه ، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم ، فالمراد تجدد المعلوم .

إذا عرفت هذا ، فنقول : في هذه الآية وجوه : أحدها : ليظهر الإخلاص من النفاق والمؤمن من الكافر . والثاني : ليعلم أولياء الله ، فأضاف إلى نفسه تفخيما . وثالثها : ليحكم بالامتياز ، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز ، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم . ورابعها : ليعلم ذلك واقعا منهم كما كان يعلم أنه سيقع ، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد .

المسألة الرابعة : العلم قد يكون بحيث يكتفي فيه بمفعول واحد ، كما يقال : علمت زيدا ، أي علمت ذاته وعرفته ، وقد يفتقر إلى مفعولين ، كما يقال : علمت زيدا كريما ، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني ، إلا أن المفعول الثاني محذوف والتقدير : وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالإيمان من غيرهم ، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الإيمان بسبب صبرهم وثباتهم على الإسلام ، ويحتمل أن يكون العلم ههنا من القسم الأول ، بمعنى معرفة الذات ، والمعنى وليعلم الله الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم ، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم ، وهو ظهور الصبر حذف ههنا .

أما قوله : { ويتخذ منكم شهداء } فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : الأول : يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي ، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية . والثاني : المراد منه وليكرم قوما بالشهادة ، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر ، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة ، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى :

{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } وقال : { وجيء بالنبيين والشهداء } وقال : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة ، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين .

المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بإرادة الله تعالى فقالوا : منصب الشهادة على ما ذكرتم ، فإن كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه ، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة ، فإذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوبا لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوبا لله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى .

المسألة الثالثة : الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء ، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيدا ، وفي تعليل هذا الاسم وجوه : الأول : قال النضر بن شميل : الشهداء أحياء لقوله : { بل أحياء عند ربهم يرزقون } فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام ، وأرواح غيرهم لا تشهدها ، الثاني : قال ابن الأنباري : لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة ، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول ، الثالث : سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين ، كما قال تعالى : { لتكونوا شهداء على الناس } الرابع : سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة ، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله : { أغرقوا فأدخلوا نارا } فكذا ههنا يجب أن يقال : هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله ، كما ماتوا دخلوا الجنة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

121

( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله . وتلك الأيام نداولها بين الناس . وليعلم الله الذين آمنوا ، ويتخذ منكم شهداء . والله لا يحب الظالمين . وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) . .

وذكر القرح الذي أصابهم وأصاب المكذبين قرح مثله ، قد يكون إشارة إلى غزوة بدر . وقد مس القرح فيها المشركين وسلم المسلمون . وقد يكون إشارة إلى غزوة أحد . وقد انتصر فيها المسلمون في أول الأمر . حتى هزم المشركون وقتل منهم سبعون ، وتابعهم المسلمون يضربون أقفيتهم حتى لقد سقط علم المشركين في ثنايا المعركة فلم يتقدم إليه منهم أحد . حتى رفعته لهم امرأة فلاثوا بها وتجمعوا عليها . . ثم كانت الدولة للمشركين ، حينما خرج الرماة على أمر رسول الله [ ص ] واختلفوا فيما بينهم . فأصاب المسلمين ما أصابهم في نهاية المعركة . جزاء وفاقا لهذا الاختلاف وذلك الخروج ، وتحقيقا لسنة من سنن الله التي لا تتخلف ، إذ كان اختلاف الرماة وخروجهم ناشئين من الطمع في الغنيمة . والله قد كتب النصر في معارك الجهاد لمن يجاهدون في سبيله ، لا ينظرون إلى شيء من عرض هذه الدنيا الزهيد . وتحقيقا كذلك لسنة أخرى من سنن الله في الأرض ، وهي مداولة الأيام بين الناس - وفقا لما يبدو من عمل الناس ونيتهم - فتكون لهؤلاء يوما ولأولئك يوما . ومن ثم يتبين المؤمنون ويتبين المنافقون . كما تتكشف الأخطاء . وينجلي الغبش .

( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله . وتلك الأيام نداولها بين الناس . . وليعلم الله الذين آمنوا ) . .

إن الشدة بعد الرخاء ، والرخاء بعد الشدة ، هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس ، وطبائع القلوب ، ودرجة الغبش فيها والصفاء ، ودرجة الهلع فيها والصبر ، ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط ، ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم به والجموح !

عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن : مؤمنين ومنافقين ، ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم ، وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم . ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده ، وهم مختلطون مبهمون !

والله سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين . والله سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور . ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء ، وتجعله واقعا في حياة الناس ، وتحول الإيمان إلى عمل ظاهر ، وتحول النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر ، ومن ثم يتعلق به الحساب والجزاء . فالله سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم ولكن يحاسبهم على وقوعه منهم .

ومداولة الأيام ، وتعاقب الشدة والرخاء ، محك لا يخطىء ، وميزان لا يظلم . والرخاء في هذا كالشدة . وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك ، ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل . والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء ، وتتجه إلى الله في الحالين ، وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر فبإذن الله .

وقد كان الله يربي هذه الجماعة - وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية - فرباها بهذا الابتلاء بالشدة بعد الابتلاء بالرخاء ، والابتلاء بالهزيمة المريرة بعد الابتلاء بالنصر العجيب - وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن الله الجارية في النصر والهزيمة . لتتعلم هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة . ولتزيد طاعة لله ، وتوكلا عليه ، والتصاقا بركنه . ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين .

ويمضي السياق يكشف للأمة المسلمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث المعركة ، وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس ، وفيما بعد تمييز الصفوف ، وعلم الله للمؤمنين :

( ويتخذ منكم شهداء ) . .

وهو تعبير عجيب عن معنى عميق - إن الشهداء لمختارون . يختارهم الله من بين المجاهدين ، ويتخذهم لنفسه - سبحانه - فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد . إنما هو اختيار وانتقاء ، وتكريم واختصاص . . إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة ، ليستخلصهم لنفسه - سبحانه - ويخصهم بقربه .

ثم هم شهداء يتخذهم الله ، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس . يستشهدهم فيؤدون الشهادة . يؤدونها أداء لا شبهة فيه ، ولا مطعن عليه ، ولا جدال حوله . يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق ، وتقريره في دنيا الناس . يطلب الله - سبحانه - منهم أداء هذه الشهادة ، على أن ما جاءهم من عنده الحق ؛ وعلى أنهم آمنوا به ، وتجردوا له ، وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه ؛ وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق ؛ وعلى أنهم هم استيقنوا هذا ، فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس ، وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج الله في حكم الناس . . يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون . وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت . وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال !

وكل من ينطق بالشهادتين : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . لا يقال له أنه شهد ، إلا أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها . ومدلولها هو ألا يتخذ إلا الله إلها . ومن ثم لا يتلقى الشريعة إلا منالله . فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد ؛ وأخص خصائص العبودية التلقي من الله . . ومدلولها كذلك ألا يتلقى من الله إلا عن محمد بما أنه رسول الله . ولا يعتمد مصدرا آخر للتلقي إلا هذا المصدر . .

ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض ، كما بلغها محمد [ ص ] فيصبح المنهج الذي أراده الله للناس ، والذي بلغه عنه محمد [ ص ] هو المنهج السائد والغالب والمطاع ، وهو النظام الذي يصرف حياة الناس كلها بلا استثاء .

فإذا اقتضى هذا الأمر أن يموت في سبيله ، فهو إذن شهيد . أي شاهد طلب الله إليه أداء هذه الشهادة فأداها . واتخذه الله شهيدا . . ورزقه هذا المقام .

هذا فقه ذلك التعبير العجيب :

( ويتخذ منكم شهداء . . ) . .

وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ومقتضاه . . لا ما انتهى إليه مدلول هذه الشهادة من الرخص والتفاهة والضياع !

( والله لا يحب الظالمين ) . .

والظلم كثيرا ما يذكر في القرآن ويراد به الشرك . بوصفه أظلم الظلم وأقبحه . وفي القرآن ( إن الشرك لظلم عظيم ) . . وفي الصحيحين عن ابن مسعود : أنه قال : قلت : يا رسول الله . أي الذنب أعظم ؟ قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك . . . " . .

وقد أشار السياق من قبل إلى سنة الله في المكذبين ؛ فالآن يقرر أن الله لا يحب الظالمين . فهو توكيد في صورة أخرى لحقيقة ما ينتظر المكذبين الظالمين الذين لا يحبهم الله . والتعبير بأن الله لا يحب الظالمين ، يثير في نفس المؤمن بغض الظلم وبغض الظالمين . وهذه الإثارة في معرض الحديث عن الجهاد والاستشهاد ، لها مناسبتها الحاضرة . فالمؤمن إنما يبذل نفسه في مكافحة ما يكرهه الله ومن يكرهه . وهذا هو مقام الاستشهاد ، وفي هذا تكون الشهادة ؛ ومن هؤلاء يتخذ الله الشهداء . .

/خ179

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

140- { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس . . } الآية .

المفردات :

مس : المس الإصابة .

قرح : القرح الجرح أو ألمه .

نداولها : نجعلها متبادلة فنجعل الغلبة لهؤلاء مرة ولهؤلاء مرة أخرى .

التفسير :

القرح بالفتح والضم الجراح والآلام .

والمعنى :

إن تكونوا أيها المؤمنون قد أصابتكم الجراح من المشركين في غزوة أحد فأنتم قد أنزلتم بهم من الجراح في غزوة بدر مثل ما أنزلوا بكم في أحد ومع ذلك فإنهم بعد بدر قد عادوا لقتالكم فانتم أولى أن تتماسكوا بسبب إيمانكم ويقينكم وقيل إن المعنى : إن كانت قد أصابتكم الجراح في أحد فقد أصيب القوم بجراح مثلها في المعركة ذاتها .

قال الزمخشري : والمعنى إن نالوا منكم يوم احد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى ألا تضعفوا ونحوه { ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وتجرحون من الله ما لا يجرحون وكان الله عليما حكيما } ( النساء 104 ) .

وقيل : كان ذلك يوم احد فقد نالوا منهم قبل ان يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم98 .

{ وتلك الأيام نداولها بين الناس }

نداولها من المداولة وهي نقل الشيء من واحد إلى آخر .

والمعنى : إن الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم سرورها ولا غمها لأحد ومن أمثال العرب : الحرب سجال والأيام دول .

إن الشدة بعد الرخاء والرخاء بعد الشدة هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس فيتبين المؤمنون ويمتازون من المنافقين المستورين .

{ وليعلم الله الذين آمنوا }

والله يعلم هؤلاء وهؤلاء ولكن انكشافهم يجعل هذا العلم متعلقا بأعمالهم بعد ان كان متعلقا بنواياهم والإسلام يعتبر العمل دائما ويحاسب عليه فهو هنا يجري على قانونه .

ومداولة الأيام وتوالي الشدة والرخاء وسيلة عملية لا تخطئ ومحك صادق لا يظلم والرخاء في هذا كالشدة فكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل والنفس المؤمنة حقا تصبر للضراء ولا تستخفها السراء ويقينها أن ما أصابها من خير أو شر فبإذن الله .

جاء في التفسير الوسيط :

{ وليعلم الله الذين آمنوا }

أي وتلك الأيام نداولها بين الناس لوجوه من المصالح وضروب من الحكم وليعلم الله المؤمنين المتميزين علما مقترنا بالواقع .

والمراد بالعلم هنا : العلم التنجيزي بالواقع وهذا لا ينافي علمه بهم قديما والمقصود أن يبرز في الواقع ما سبق في علمه عنهم قديما من تمييزهم بإيمانهم عن سواهم ليجزي كل بما عمل لا بما علمه الله أزلا في شأنه99 وذلك هو المقصود بقوله تعالى : { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ( آل عمران 179 ) .

ويتخذ منكم شهداء . بيان لحكمة أخرى من مداولة الأيام بين الناس والشهداء جمع شهيد أي وليختار أناسا منكم يكرمهم بالشهادة في الدفاع عن الدين قال القرطبي : ويتخذ منكم شهداء أي يكرمهم بالشهادة أي ليقتل قوما منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم .

وهو تعبير عجيب عن معنى عميق إن الشهداء المختارين يختارهم الله من بين المجاهدين ويجعلهم كذلك شهداء على الناس قال تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . ( التوبة 111 ) . وجميع المؤمنين الصادقين سيكونون شهداء على الأمم السابقة يوم القيامة كما قال تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } البقرة 143 ) .

{ والله لا يحب الظالمين } أي والله لا يحب الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم عن نصرة الحق وإنما يحب المؤمنين الثائبين على الحق والمجاهدين بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء دين الله ونصرة شريعته .