{ والمرسلات عرفا ، فالعاصفات عصفا ، والناشرات نشرا ، فالفارقات فرقا ، فالملقيات ذكرا ، عذرا أو نذرا } في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذه الكلمات الخمس إما أن يكون المراد منها جنسا واحدا أو أجناسا مختلفة ( أما الاحتمال الأول ) فذكروا فيه وجوها ( الأول ) أن المراد منها بأسرها الملائكة فالمرسلات هم الملائكة الذين أرسلهم الله إما بإيصال النعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين ، وقوله : { عرفا } فيه وجوه : ( أحدها ) متتابعة كشعر العرف يقال : جاؤا عرفا واحدا وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه ( والثاني ) أن يكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكرة فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة ، فهذا المعنى فيهم ظاهر وإن كانوا لأجل العذاب فذلك العذاب ، وإن لم يكن معروفا للكفار ، فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم . ( والثالث ) أن يكون مصدرا كأنه قيل : والمرسلات أرسالا أي متتابعة وانتصاب عرفا على الوجه الأول على الحال ، وعلى الثاني لكونه مفعولا أي أرسلت للإحسان والمعروف وقوله : { فالعاصفات عصفا } فيه وجهان ( الأول ) يعني أن الله تعالى لما أرسل أولئك الملائكة فهم عصفوا في طيرانهم كما تعصف الرياح . ( والثاني ) أن هؤلاء الملائكة يعصفون بروح الكافر يقال : عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه ، يقال : ناقة عصوف ، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريح في السرعة ، وعصفت الحرب بالقوم ، أي ذهبت بهم ، قال الشاعر :
في فيلق شهباء ملمومة *** تعصف بالمقبل والمدبر
وقوله تعالى : { والناشرات نشرا } معناه أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض ، أو نشروا الشرائع في الأرض ، أو نشروا الرحمة أو العذاب ، أو المراد الملائكة الذين ينشرون الكتب يوم الحساب ، وهي الكتب التي فيها أعمال بني آدم ، قال تعالى : { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } وبالجملة فقد نشروا الشيء الذي أمروا بإيصاله إلى أهل الأرض ونشره فيهم .
وقوله تعالى : { فالفارقات فرقا } معناه أنهم يفرقون بين الحق والباطل ، وقوله : { فالملقيات ذكرا } معناه أنهم يلقون الذكر إلى الأنبياء ، ثم المراد من الذكر يحتمل أن يكون مطلق العلم والحكمة ، كما قال : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده } ويحتمل أن يكون المراد هو القرآن خاصة ، وهو قوله : { أألقي الذكر عليه من بيننا } وقوله : { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب } وهذا الملقى وإن كان هو جبريل عليه السلام وحده ، إلا أنه يجوز أن يسمى الواحد باسم الجماعة على سبيل التعظيم .
واعلم أنك قد عرفت أن المقصود من القسم التنبيه على جلالة المقسم به ، وشرف الملائكة وعلو رتبتهم أمر ظاهر من وجوه ( أحدها ) شدة مواظبتهم على طاعة الله تعالى ، كما قال تعالى : { ويفعلون ما يؤمرون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ( وثانيها ) أنهم أقسام : فمنهم من يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء ، ومنهم من يرسل للزوم بني آدم لكتابة أعمالهم ؛ طائفة منهم بالنهار وطائفة منهم بالليل ، ومنهم من يرسل لقبض أرواح بني آدم ، ومنهم من يرسل بالوحي من سماء إلى أخرى ، إلى أن ينزل بذلك الوحي ملك السماء إلى الأرض ، ومنهم الملائكة الذين ينزلون كل يوم من البيت المعمور إلى الكعبة على ما روي ذلك في الإخبار ، فهذا مما ينتظمه قوله : { والمرسلات عرفا } ثم ما فيها من سرعة السير ، وقطع المسافات الكثيرة في المدة اليسيرة ، كقوله : { تعرج الملكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ثم ما فيها من نشر أجنحتهم العظيمة عند الطيران ، ونشر العلم والحكمة والنبوة والهداية والإرشاد والوحي والتنزيل ، وإظهار الفرق بين الحق والباطل بسبب إنزال ذلك الوحي والتنزيل ، وإلقاء الذكر في القلب واللسان بسبب ذلك الوحي ، وبالجملة فالملائكة هم الوسائط بين الله تعالى ، وبين عباده في الفوز بجميع السعادات العاجلة والآجلة والخيرات الجسمانية والروحانية ، فلذلك أقسم الله بهم .
القول الثاني : أن المراد من هذه الكلمات الخمس بأسرها الرياح ، أقسم الله برياح عذاب أرسلها عرفا ، أي متتابعة كشعر العرف ، كما قال : { يرسل الرياح ، وأرسلنا الرياح } ثم إنها تشتد حتى تصير عواصف ورياح رحمة نشرت السحاب في الجو ، كما قال : { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } وقال : { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء } ويجوز أيضا أن يقال : الرياح تعين النبات والزرع والشجر على النشور والإنبات ، وذلك لأنها تلقح فيبرز النبات بذلك ، على ما قال تعالى : { وأرسلنا الرياح لواقح } فبهذا الطريق تكون الرياح ناشرة للنبات وفي كون الرياح فارقة وجوه ( أحدها ) أن الرياح تفرق بعض أجزاء السحاب عن بعض ( وثانيها ) أن الله تعالى خرب بعض القرى بتسليط الرياح عليها ، كما قال : { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } وذلك سبب لظهور الفرق بين أولياء الله وأعداء الله ( وثالثها ) أن عند حدوث الرياح المختلفة ، وترتيب الآثار العجيبة عليها من تموج السحاب وتخريب الديار تصير الخلق مضطرين إلى الرجوع إلى الله والتضرع على باب رحمته ، فيحصل الفرق بين المقر والمنكر والموحد والملحد ، وقوله : { فالملقيات ذكرا } معناه أن العاقل إذا شاهد هبوب الرياح التي تقلع القلاع ، وتهدم الصخور والجبال ، وترفع الأمواج تمسك بذكر الله والتجأ إلى إعانة الله ، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر والإيمان والعبودية في القلب ، ولا شك أن هذه الإضافة تكون على سبيل المجاز من حيث إن الذكر حصل عند حدوث هذه .
القول الثالث : من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمسة على القرآن ، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن ، فقوله : { والمرسلات } المراد منها الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وقوله : { عرفا } أي نزلت هذه الآيات بكل عرف وخير وكيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة والموصلة إلى مجامع الخيرات { والعاصفات عصفا } فالمراد أن دولة الإسلام والقرآن كانت ضعيفة في الأول ، ثم عظمت وقهرت سائر الملل والأديان ، فكأن دولة القرآن عصفت بسائر الدول والملل والأديان وقهرتها ، وجعلتها باطلة دائرة ، وقوله : { والناشرات نشرا } المراد أن آيات القرآن نشرت آثار الحكمة والهداية في قلوب العالمين شرقا وغربا ، وقوله : { فالفارقات فرقا } فذلك ظاهر ، لأن آيات القرآن هي التي تفرق بين الحق والباطل ، ولذلك سمي الله تعالى القرآن فرقانا ، وقوله : { فالملقيات ذكرا } فالأمر فيه ظاهر ، لأن القرآن ذكر ، كما قال تعالى : { ص ، والقرءان ذي الذكر ، وإنه لذكر لك ولقومك ، وهذا ذكر مبارك ، وتذكرة } كما قال : { وإنه لتذكرة للمتقين وذكرى } كما قال : { وذكرى للعالمين } فظهر أنه يمكن تفسير هذه الكلمات الخمسة بالقرآن ، وهذا وإن لم يذكره أحد فإنه محتمل .
القول الرابع : يمكن حملها أيضا على بعثة الأنبياء عليهم السلام { والمرسلات عرفا } هم الأشخاص الذين أرسلوا بالوحي المشتمل على كل خير ومعروف ، فإنه لا شك أنهم أرسلوا بلا إله إلا الله ، وهو مفتاح كل خير ومعروف { فالعاصفات عصفا } معناه أن أمر كل رسول يكون في أول الأمر حقيرا ضعيفا ، ثم يشتد ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح { والناشرات نشرا } المراد منه انتشار دينهم ومذهبهم ومقالتهم { فالفارقات فرقا } المراد أنهم يفرقون بين الحق والباطل والتوحيد والإلحاد { فالملقيات ذكرا } المراد أنهم يدعون الخلق إلى ذكر الله ، ويأمرونهم به ويحثونهم عليه .
القول الخامس : أن يكون المراد أن الرجل قد يكون مشتغلا بمصالح الدنيا مستغرقا في طلب لذاتها وراحاتها ، ففي أثناء ذلك يرد في قلبه داعية الإعراض عن الدنيا والرغبة في خدمة المولى ، فتلك الدواعي هي المرسلات عرفا ، ثم هذه المرسلات لها أثران ( أحدهما ) إزالة حب ما سوى الله تعالى عن القلب ، وهو المراد من قوله : { فالعاصفات عصفا } ( والثاني ) ظهور أثر تلك الداعية في جميع الجوارح والأعضاء حتى لا يسمع إلا الله ، ولا يبصر إلا الله ، ولا ينظر إلا الله ، فذلك هو قوله : { والناشرات نشرا } ثم عند ذلك ينكشف له نور جلال الله فيراه موجودا ، ويرى كل ما سواه معدوما ، فذلك قوله : { فالفارقات فرقا } ثم يصير العبد كالمشتهر في محبته ، ولا يبقى في قلبه ولسانه إلا ذكره ، فذلك قوله : { فالملقيات ذكرا } .
واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة ، وإن كانت غير مذكورة إلا أنها محتملة جدا . ( وأما الاحتمال الثاني ) وهو أن لا يكون المراد من الكلمات الخمس شيئا واحدا ، ففيه وجوه ( الأول ) ما ذكره الزجاج واختيار القاضي ، وهو أن الثلاثة الأول هي الرياح ، فقوله : { والمرسلات عرفا } هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد { والعاصفات } ما يشتد منه ، { والناشرات } ما ينشر السحاب . أما قوله : { فالفارقات فرقا } فهم الملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، بما يتحملونه من القرآن والوحي ، وكذلك قوله : { فالملقيات ذكرا } أنها الملائكة المتحملة للذكر الملقية ذلك إلى الرسل ، فإن قيل : وما المجانسة بين الرياح وبين الملائكة حتى يجمع بينهما في القسم ؟ قلنا : الملائكة روحانيون ، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم كالرياح ( القول الثاني ) أن الاثنين الأولين هما الرياح ، فقوله : { والمرسلات عرفا ، فالعاصفات عصفا } هما الرياح ، والثلاثة الباقية الملائكة ، لأنها تنشر الوحي والدين ، ثم لذلك الوحي أثران ( أحدهما ) حصول الفرق بين المحق والمبطل ( والثاني ) ظهور ذكر الله في القلوب والألسنة ، وهذا القول ما رأيته لأحد ، ولكنه ظاهر الاحتمال أيضا ، والذي يؤكده أنه قال : { والمرسلات عرفا ، فالعاصفات عصفا } عطف الثاني على الأول بحرف الفاء ، ثم ذكر الواو فقال : { والناشرات نشرا } وعطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء ، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة ( القول الثالث ) يمكن أيضا أن يقال : المراد بالأولين الملائكة ، فقوله : { والمرسلات عرفا } ملائكة الرحمة ، وقوله : { فالعاصفات عصفا } ملائكة العذاب ، والثلاثة الباقية آيات القرآن ، لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح ، وتفرق بين الحق والباطل ، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة ، وهذا القول أيضا ما رأيته لأحد ، وهو محتمل ، ومن وقف على ما ذكرناه أمكنه أن يذكر فيه وجوها ، والله أعلم بمراده .
المسألة الثانية : قال القفال : الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم ، والواو في بعض مبني على الأصل ، وهو أن عند أهل اللغة الفاء تقتضي الوصل والتعلق ، فإذا قيل : قام زيد فذهب ، فالمعنى أنه قام ليذهب فكان قيامه سببا لذهابه ومتصلا به ، وإذا قيل : قام وذهب فهما خبران كل واحد منهما قائم بنفسه لا يتعلق بالآخر ، ثم إن القفال لما مهد هذا الأصل فرع الكلام عليه في هذه الآية بوجوه لا يميل قلبي إليها ، وأنا أفرع على هذا الأصل فأقول : أما من جعل الأولين صفتين لشيء والثلاثة الأخيرة صفات لشيء واحد ، فالإشكال عنه زائل ، وأما من جعل الكل صفات لشيء واحد ، فنقول : إن حملناها على الملائكة ، فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعا ، وذلك الطيران هو العصف ، فالعصف مرتب على الإرسال فلا جرم ذكر الفاء ، أما النشر فلا يترتب على الإرسال ، فإن الملائكة أول ما يبلغون الوحي إلى الرسل لا يصير في الحال ذلك الدين مشهورا منتشرا ، بل الخلق يؤذون الأنبياء في أول الأمر وينسبونهم إلى الكذب والسحر والجنون ، فلا جرم لم يذكر الفاء التي تفيد بل ذكر الواو ، بلى إذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل وظهور ذكر الحق على الألسنة فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء ، فكأنه والله أعلم قيل : يا محمد إني أرسلت الملك إليك بالوحي الذي هو عنوان كل سعادة ، وفاتحة كل خير ، ولكن لا تطمع في أن ننشر ذلك الأمر في الحالة ، ولكن لا بد من الصبر وتحمل المشقة ، ثم إذا جاء وقت النصرة أجعل دينك ظاهرا منتشرا في شرق العالم وغربه ، وعند ذلك الانتشار يظهر الفرق فتصير الأديان الباطلة ضعيفة ساقطة ، ودينك هو الدين الحق ظاهرا غالبا ، وهنالك يظهر ذلك الله على الألسنة ، وفي المحاريب وعلى المنابر ويصير العالم مملوءا من ذكر الله ، فهذا إذا حملنا هذه الكلمات الخمس على الملائكة ، ومن عرف هذا الوجه أمكنه ذكر ما شابهه في الرياح وسائر الوجوه ، والله أعلم .
سورة المرسلات مكية وآياتها خمسون
هذه السورة حادة الملامح ، عنيفة المشاهد ، شديدة الإيقاع ، كأنها سياط لاذعة من نار . وهي تقف القلب وقفة المحاكمة الرهيبة ، حيث يواجه بسيل من الاستفهامات والاستنكارات والتهديدات ، تنفذ إليه كالسهام المسنونة !
وتعرض السورة من مشاهد الدنيا والآخرة ، وحقائق الكون والنفس ، ومناظر الهول والعذاب ما تعرض . وعقب كل معرض ومشهد تلفح القلب المذنب لفحة كأنها من نار : ( ويل يومئذ للمكذبين ) !
ويتكرر هذا التعقيب عشر مرات في السورة . وهو لازمة الإيقاع فيها . وهو أنسب تعقيب لملامحها الحادة ، ومشاهدها العنيفة ، وإيقاعها الشديد .
وهذه اللازمة تذكرنا باللازمة المكررة في سورة " الرحمن " عقب عرض كل نعمة من نعم الله على العباد : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ? ) . . كما تذكرنا باللازمة المكررة في سورة " القمر " عقب كل حلقة من حلقات العذاب : ( فكيف كان عذابي ونذر ? ) . . وتكرارها هنا على هذا النحو يعطي السورة سمة خاصة ، وطعما مميزا . . حادا . .
وتتوالى مقاطع السورة وفواصلها قصيرة سريعة عنيفة ، متعددة القوافي . كل مقطع بقافية . ويعود السياق أحيانا إلى بعض القوافي مرة بعد مرة . ويتلقى الحس هذه المقاطع والفواصل والقوافي بلذعها الخاص ، وعنفها الخاص . واحدة إثر واحدة . وما يكاد يفيق من إيقاع حتى يعاجله إيقاع آخر ، بنفس العنف وبنفس الشدة .
ومنذ بداية السورة والجو عاصف ثائر بمشهد الرياح أو الملائكة : ( والمرسلات عرفا . فالعاصفات عصفا . والناشرات نشرا فالفارقات فرقا . فالملقيات ذكرا ، عذرا أو نذرا ) . . وهو افتتاح يلتئم مع جو السورة وظلها تمام الالتئام .
وللقرآن في هذا الباب طريقة خاصة في اختيار إطار للمشاهد في بعض السور من لون هذه المشاهد وقوتها . . وهذا نموذج منها ، كما اختار إطارا من الضحى والليل إذا سجى لمشاهد الرعاية والحنان والإيواء في " سورة الضحى " وإطارا من العاديات الضابحة الصاخبة المثيرة للغبار لمشاهد بعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور في سورة " والعاديات " . . وغيرها كثير .
وكل مقطع من مقاطع السورة العشرة بعد هذا المطلع ، يمثل جولة أو رحلة في عالم ، تتحول السورة معه إلى مساحات عريضة من التأملات والمشاعر والخواطر والتأثرات والاستجابات . . أعرض بكثير جدا من مساحة العبارات والكلمات ، وكأنما هذه سهام تشير إلى عوالم شتى !
والجولة الأولى تقع في مشاهد يوم الفصل . وهي تصور الانقلابات الكونية الهائلة في السماء والأرض ، وهي الموعد الذي تنتهي إليه الرسل بحسابها مع البشر : ( فإذا النجوم طمست . وإذا السماء فرجت . وإذا الجبال نسفت . وإذا الرسل أقتت . لأي يوم أجلت ? ليوم الفصل . وما أدراك ما يوم الفصل ? ويل يومئذ للمكذبين ! ) .
والجولة الثانية مع مصارع الغابرين ، وما تشير إليه من سنن الله في المكذبين : ( ألم نهلك الأولين ? ثم نتبعهم الآخرين ? كذلك نفعل بالمجرمين . ويل يومئذ للمكذبين ! ) . .
والجولة الثالثة مع النشأة الأولى وما توحي به من تقدير وتدبير : ( ألم نخلقكم من ماء مهين ? فجعلناه في قرار مكين ? إلى قدر معلوم ? فقدرنا فنعم القادرون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) . .
والجولة الرابعة في الأرض التي تضم أبناءها إليها أحياء وأمواتا ، وقد جهزت لهم بالاستقرار والماء المحيي : ( ألم نجعل الأرض كفاتا ? أحياء وأمواتا ، وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ? ويل يومئذ للمكذبين ! ) . .
والجولة الخامسة مع المكذبين وما يلقونه يوم الفصل من عذاب وتأنيب : ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون . انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ! لا ظليل ولا يغني من اللهب . إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر . ويل يومئذ للمكذبين ! ) . .
والجولة السادسة والسابعة استطراد مع موقف المكذبين ، ومزيد من التأنيب والترذيل : ( هذا يوم لا ينطقون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون . ويل يومئذ للمكذبين ! هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين . فإن كان لكم كيد فكيدون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) . .
والجولة الثامنة مع المتقين ، وما أعد لهم من نعيم : ( إن المتقين في ظلال وعيون ، وفواكه مما يشتهون . كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون . إنا كذلك نجزي المحسنين . ويل يومئذ للمكذبين ! ) . .
والجولة التاسعة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التأنيب : ( كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) . .
والجولة العاشرة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التكذيب : ( وإذا قيل لهم : اركعوا لا يركعون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) .
والخاتمة بعد هذه الجولات والاستعراضات والوخزات والإيقاعات : ( فبأي حديث بعده يؤمنون ? ) . .
وهكذا يمضي القلب مع سياق السورة السريع ، وكأنه يلهث مع إيقاعها وصورها ومشاهدها . فأما الحقائق الموضوعية في السورة فقد تكرر ورودها في سور القرآن - والمكية منها بوجه خاص - ولكن الحقائق القرآنية تعرض من جوانب متعددة ، وفي أضواء متعددة ، وبطعوم ومذاقات متعددة ، وفق الحالات النفسية التي تواجهها ، ووفق مداخل القلوب وأحوال النفوس التي يعلمها منزل هذا القرآن على رسوله ، فتبدو في كل حالةجديدة ، لأنها تستجيش في النفس استجابات جديدة .
وفي هذه السورة جدة في مشاهد جهنم . وجدة في مواجهة المكذبين بهذه المشاهد . كما أن هناك جدة في أسلوب العرض والخطاب كله . ومن ثم تبرز شخصية خاصة للسورة . حادة الملامح . لاذعة المذاق . لاهثة الإيقاع !
والمرسلات عرفا . فالعاصفات عصفا . والناشرات نشرا . فالفارقات فرقا . فالملقيات ذكرا : عذرا أو نذرا . . إن ما توعدون لواقع . .
القضية قضية القيامة التي كان يعسر على المشركين تصور وقوعها ؛ والتي أكدها لهم القرآن الكريم بشتى الموكدات في مواضع منه شتى . وكانت عنايته بتقرير هذه القضية في عقولهم ، ، وإقرار حقيقتها في قلوبهم مسألة ضرورة لا بد منها لبناء العقيدة في نفوسهم على أصولها ، ثم لتصحيح موازين القيم في حياتهم جميعا . فالاعتقاد باليوم الآخر هو حجر الأساس في العقيدة السماوية ، كما أنه حجر الأساس في تصور الحياة الإنسانية . وإليه مرد كل شيء في هذه الحياة ، وتصحيح الموازين والقيم في كل شأن من شؤونها جميعا . . ومن ثم اقتضت هذا الجهد الطويل الثابت لتقريرها في القلوب والعقول .
والله سبحانه يقسم في مطلع هذه السورة على أن هذا الوعد بالآخرة واقع . وصيغة القسم توحي ابتداء بأن ما يقسم الله به هو من مجاهيل الغيب ، وقواه المكنونة ، المؤثرة في هذا الكون وفي حياة البشر . وقد اختلف السلف في حقيقة مدلولها . فقال بعضهم : هي الرياح إطلاقا . وقال بعضهم هي الملائكة إطلاقا . وقال بعضهم : إن بعضها يعني الرياح وبعضها يعني الملائكة . . مما يدل على غموض هذه الألفاظ ومدلولاتها . وهذا الغموض هو أنسب شيء للقسم بها على الأمر الغيبي المكنون في علم الله . وأنه واقع كما أن هذه المدلولات المغيبة واقعة ومؤثرة في حياة البشر .
( والمرسلات عرفا ) . . عن أبي هريرة أنها الملائكة . وروي مثل هذا عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات ، والسدي والربيع بن أنس ، وأبي صالح في رواية [ والمعنى حينئذ هو القسم بالملائكة المرسلة أرسالا متوالية ، كأنها عرف الفرس في إرسالها وتتابعها ] .
وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات . . إنها الملائكة .
وروي عن ابن مسعود . . المرسلات عرفا . قال : الريح . [ والمعنى على هذا أنها المرسلة متوالية كعرف الفرس في امتدادها وتتابعها ] وكذا قال في العاصفات عصفا والناشرات نشرا . وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية .
وتوقف ابن جرير في المرسلات عرفا هل هي الملائكة أو الرياح . وقطع بأن العاصفات هي الرياح . وكذلك الناشرات التي تنشر السحاب في آفاق السماء .
وعن ابن مسعود : ( فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا ، عذرا أو نذرا )يعني الملائكة . وكذا قال : ابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري بلا خلاف . فإنها تنزل بأمر الله على الرسل ، تفرق بين الحق والباطل . وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار .
ونحن نلمح أن التهويل بالتجهيل ملحوظ في هذه الأمور المقسم بها كالشأن في الذاريات ذروا . وفي النازعات غرقا . . وأن هذا الخلاف في شأنها دليل على إبهامها . وأن هذا الإبهام عنصر أصيل فيها في موضعها هذا . وأن الإيحاء المجمل في التلويح بها هو أظهر شيء في هذا المقام . وأنها هي بذاتها تحدث هزة شعورية بإيحاء جرسها وتتابع إيقاعها ، والظلال المباشرة التي تلقيها . وهذه الانتفاضة والهزة اللتان تحدثهما في النفس هما أليق شيء بموضوع السورة واتجاهها . . وكل مقطع من مقاطع السورة بعد ذلك هو هزة ، كالذي يمسك بخناق أحد فيهزه هزا ، وهو يستجوبه عن ذنب ، أو عن آية ظاهرة ينكرها ، ثم يطلقه على الوعيد والتهديد : ( ويل يومئذ للمكذبين ) . .
( سورة المرسلات مكية ، وآياتها 50 آية ، نزلت بعد سورة الهمزة )
سورة المرسلات قصيرة الآيات ، عاصفة الملامح ، شديدة الإيقاع ، كأنها سياط لاذعة تلهب صدور المنكرين ، وهي توقف القلب البشري وقفة المحاكمة الرهيبة ، حيث تواجهه بسيل من الاستفهامات والاستذكارات والتهديدات ، تنفذ إليه كالسهام المسنونة .
( وتعرض السورة عددا من المشاهد المتنوعة ، عن الكون وخلق الإنسان ، واليوم الآخر ، وعذاب المجرمين ونعيم المتقين ، وعقب كل مشهد تلفح القلب المذنب لفحة من التهديد والوعيد ، حين تقول : ويل يومئذ للمكذبين . ويتكرر هذا التعقيب عشر مرات في السورة ، وهو لازمة الإيقاع فيها ، وهو أنسب تعقيب لملامحها الحادة ، ومشاهدها العنيفة ، وإيقاعها الشديد .
وهذه اللازمة تذكرنا باللازمة المكررة في سورة الرحمان ، عقب عرض كل نعمة من نعم الله على العباد : فبأي آلاء ربكما تكذّبان .
كما تذكرنا باللازمة المكررة في سورة القمر ، عقب كل حلقة من حلقات العذاب : فكيف كان عذابي ونذر . وتكرارها هنا على هذا النحو يعطي السورة سمة خاصة ، وطعما مميزا حادّا )1 .
تبدأ السورة بقسم عاصف ثائر ، بمشهد الرياح أو الملائكة ، يتبعه عشر جولات متتابعة ، تثير في النفس طائفة من التأملات والمشاعر والخواطر ، والتأثرات والاستجابات .
1- فالآيات من ( 8-15 ) تصف مشاهد القيامة ، وتصور الانقلابات الكونية الهائلة في السماء والأرض ، وفي هذا اليوم تنتهي حسابات الرسل مع البشر ، ويتبين الصادق من الكاذب .
2- والآيات من ( 16-19 ) تصف مصارع الغابرين ، وتشير إلى سنن الله في المكذبين ، فكما أهلك قوم نوح بالغرق ، وأهلك أمم عاد وثمود وفرعون ، فهو يفعل ذلك بكل مكذّب برسالات السماء ، وهدي الأنبياء .
3- والآيات من ( 20-24 ) تصف النشأة الأولى ، وما تشير إليه من تقدير وتدبير .
4- والآيات من ( 25-28 ) تصف الأرض التي تضم أبناءها إليها ، أحياء وأمواتا ، وقد جهزت لهم بالاستقرار والجبال والمياه .
5- والآيات ( 29-34 ) تصف حال المكذبين يوم القيامة ، وما يلقونه من تقريع وتأنيب .
6- والآيات من ( 35-37 ) استطراد مع موقف المكذبين ، وبيان ألوان العذاب والهوان الذي يتعرضون له .
7- والآيات من ( 38-40 ) تصف ضعف الإنسان ، وفقدان حيلته أمام الجمع والحشر والحساب والجزاء .
8- والآيات من ( 41-45 ) تصف نعيم المتقين ، وطعامهم وشرابهم وتكريمهم .
9- والآيتان ( 46 ، 47 ) خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التأنيب .
10- والآيتان من ( 48-50 ) وصف لحال المكذبين ، وامتناعهم عن الإيمان وعن الاستجابة لآيات القرآن .
وبعض هذه المشاهد قد سبق ذكرها ، وتكرّر ورودها في القرآن الكريم ، وفي السور المكية بوجه خاص ، ولكنها تعرض هنا سريعة أخاذة ، لها رنين وجدة في مشاهد جهنم ، وفي مواجهة المكذبين بهذه المشاهد ، وفي أسلوب العرض والخطاب كله ، ومن ثم تبرز شخصية خاصة للسورة : حادة الملامح ، متنوعة في أساليب الخطاب ، متنقلة من قسم إلى خبر إلى استفهام إلى أمر ، فذلك كلام الله ، ومن أحسن من الله حديثا ؟
1- 7- يقسم الله بطوائف الملائكة ، يرسلها بالمعروف والإحسان ، وأوامره الكريمة ، فتعصف عصف الرياح مسرعة ، وتنشر شرائعه في الأرض ، فتفرق بين الحق والباطل ، ويلقى الملائكة إلى أنبياء الله ذكرا يريد الله تبليغهم إياه ، عذرا للمحقين ، ونذرا للمبطلين ، يقسم الله بهؤلاء الملائكة على أن ما توعدون من مجيء القيامة واقع لا محالة .
وقيل : إن القسم في هذه الآيات بالرياح وآثارها في الكون ، ونشرها السحاب في الأفق .
وقيل إن القسم في الآيات الثلاث الأولى بالرياح متتابعة كعرف الفرس ، فالعاصفات عصفا . الشديدة المهلكة ، والناشرات نشرا . التي تنشر المطر ، فأقسم سبحانه بالرياح النافعة والضارة .
والقسم في الآيات ( 4-6 ) بالملائكة ، فإنها تنزل بأمر الله على الرسل ، تفرق بين الحق والباطل ، وتلقى إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار .
ولعل من إعجاز القرآن أن الآية تشير إلى معنى وتحتمل معنى ، وتستتبع معنى آخر ، ولعل هذا التجهيل والخلاف في مفهوم الآية مقصود لله ، ليكون أثرها أقوى في النفس .
وقد ذكر ابن جرير الطبري تفسير هذه الآيات ، وعند تفسير : والناشرات نشرا . بيّن أن بعض المفسرين قال : هي الرياح ، وبعضهم قال : هي المطر ، وبعضهم قال : هي الملائكة .
ثم عقب الطبري بقوله : وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال : إن الله تعالى أقسم بالناشرات نشرا ، ولم يخصص شيئا من ذلك دون شيء ، فالرياح تنشر السحاب ، والمطر ينشر الأرض ، والملائكة تنشر الكتب ، ولا دلالة من وجه يجب التسليم له على أن المراد من ذلك بعض دون بعض ، فدلّ ذلك على أن المراد بالآية كل ما كان ناشرا . 2 .
8-15- يوم تطمس النجوم فيذهب نورها ، وتفرج السماء ، أي تشق ، وتنسف الجبال فهي هباء ، وإلى جانب هذا الهول في مشاهد الكون ، تعرض السورة أمرا مؤجلا ، هو موعد الرسل لعرض حصيلة الدعوة والشهادة على الأمم ، والقضاء والفصل بين كل رسول وقومه : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم . . . ( المائدة : 109 ) . وفي هذا اليوم عذاب وخزي لمن كذب بالله ورسله وكتبه ، وبكل ما ورد على ألسنة أنبيائه وأخبروا به .
16-19- تجول هذه الآيات في مصارع الأولين والآخرين ، وفي ضربة واحدة تكشف مصارع الأولين ، من قوم نوح ومن بعدهم ، وتكشف مصارع الآخرين ، ومن لفّ لفهم ، وعلى مد البصر تتبدى المصارع والأشلاء ، فهي سنة الله التي لا تتبدل ، من سيادة الصالحين ، وهلاك المجرمين ، وفي الآخرة هلاك وعذاب شديد للمكذبين .
20- 24- هذه الآيات جولة في الإنشاء والإحياء ، مع التقدير والتدبير ، فهي تصف خلق الإنسان من نطفة مراقة ، تستقر في حرز مكين وهو الرحم ، حيث تصير جنينا مكتملا ، فقدرنا . وقت ولادته . فنعم القادرون . نحن على التدبير وإحكام الصنعة ، وفي الآخرة عذاب شديد للمكذبين بآيات الله وقدرته وحكمته .
25- 28- وهذه الآيات جولة في خصائص الأرض ، وتقدير الله فيها لحياة البشر ، وإيداعها الخصائص الميسرة لهذه الحياة ، ألم نجعل الأرض كفاتا . 3 تحتضن بنيها وتجمعهم . أحياء وأمواتا* وجعلنا فيها رواسي شامخات . . . ثابتات سامقات ، تتجمع على قممها السحب ، وتنحدر عنها مساقط الماء العذب ، أفيكون هذا إلا عن قدرة وتقدير ، وحكمة وتدبير ؟ أفبعد هذا يكذب المكذبون ؟ ويل يومئذ للمكذبين .
29- 34- تنتقل الآيات إلى وصف مشهد من مشاهد القيامة ، والكفار ينطلقون بعد طول احتباس إلى العذاب الذي كانوا يكذبون به في الدنيا .
إنه انطلاق خير منه الارتهان والاحتباس : انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب . وهو دخان جهنم يتشعب لعظمه ثلاث شعب ، وتمتد ألسنته إلى أقسام ثلاثة كلها أشد من بعض ، ولكنه ظل خير منه الوهج : لا ظليل ولا يغني من اللهب . إنه ظل خانق حار لافح ، وتسميته بالظل من باب التهكم والسخرية ، فهو لا يظل من حر ذلك اليوم ، ولا يقي من لهب جهنم . 4 .
إنها ترمي بشرر كالقصر* كأنه جمالات صفر . أي أن هذه النار يتطاير منها شرر متفرق في جهات كثيرة ، كأنه القصر عظما وارتفاعا ، وكأنه الجمال الصفر لونا وكثرة وتتابعا وسرعة حركة ، وفي اللحظة التي يستغرق فيها الحس بهذا الهول ، يجيء التعقيب المعهود : ويل يومئذ للمكذبين .
35-37- هذا يوم لا يتكلمون فيه بحجة نافعة تنقذهم مما هم فيه ، ولو كانت لهم حجة لما عذبوا هذا العذاب ، ولا يؤذن لهم بالاعتذار ولا يقبل منهم ، فالهلاك لمن كذّب بعذاب يوم القيامة .
وقد سئل ابن عباس رضي الله عنه عن هذه الآية وعن قوله تعالى : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون . ( الزمر : 31 ) . فقال : في ذلك اليوم مواقف ، في بعضها يختصمون ، وفي بعضها لا ينطقون ، أو لا ينطقون بما ينفعهم فجعل نطقهم كلا نطق . 5 . والعرب تقول لمن ذكر ما لا يفيد : ما قلت شيئا .
37- 40- هذا يوم الفصل لا يوم الاعتذار ، وقد جمعناكم والأولين أجمعين ، فإن كان لكم تدبير فدبّروه ، وإن كانت لكم حيلة في دفع العذاب عنكم فاحتالوا لتخليص أنفسكم من العذاب ، وفي هذا تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا ، وإظهار لعجزهم وقصورهم حينئذ ، فهم في صمت كظيم ، وتأنيب أليم . والويل الشديد في ذلك اليوم للمكذبين بالبعث والجزاء .
41-45- إن المتقين في ظلال حقيقية ، هي ظلال الأشجار على شواطئ الأنهار ، فلا يصيبهم حرّ ولا قرّ ، ويتمتعون بما تشتهيه أنفسهم من الفواكه والمآكل الطيبة ، ومع التكريم الحسي يلقون ألوان التكريم المعنوي ، فيقال لهم على مرأى ومسمع من الجموع : كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون . جزاء بما عملتم في الدنيا من طاعة ربكم ، واجتهدتم فيما يقربكم من رضوانه ، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان في الجنة ؟
وبمثل هذا الجزاء نجزي كل الذي يحسنون في أعمالهم وأقوالهم ، وشأنهم الإحسان ، ويقابل هذا النعيم الويل للمكذبين .
40- 47- كلوا وتمتعوا قليلا في هذه الدار بقية أعماركم ، وهي قليلة المدى بالنسبة للآخرة ، وهناك ستحرمون وتعذبون طويلا : ويل يومئذ للمكذبين .
48- 50- وإذا قيل لهؤلاء المكذبين : اعبدوا الله وأطيعوه ، لا يستجيبون ولا يمتثلون ، ويل يومئذ للمكذبين . بأوامر الله ونواهيه . فبأي حديث بعده يؤمنون . أي إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل على تجلّيها ووضوحها ، فبأي كلام بعد هذا يصدقون ؟ والذي لا يؤمن بهذا الحديث الذي يهز الرواسي ، وبهذه الهزات التي تزلزل الجبال ، لا يؤمن بحديث بعده أبدا ، إنما هو الشقاء والتعاسة والمصير البائس ، والويل المدّخر لهذا الشقي المتعوس .
إن هذه السورة ببنائها التعبيري ، وإيقاعها الموسيقي ، ومشاهدها العنيفة ، ولذعها الحاد ، حملة لا يثبت لها كيان ، ولا يتماسك أمامها إنسان ، فسبحان الذي نزّل القرآن وأودعه ذلك السلطان .
من مقاصد سورة المرسلات ما يأتي :
1- القسم بالملائكة على أن البعث حق ، وأن القيامة آتية .
2- الإخبار عن هلاك القرون الماضية ، ووعيد المكذبين بنفس المصير .
3- المنّة على الخلائق بنعمة الخلق والتكوين ، وسائر النعم في الأنفس والآفاق .
4- وصف عذاب المكذبين بما تشيب من هوله الولدان .
5- وصف نعيم المتقين وما يلقونه من الكرامة في جنات النعيم ، وبيان عظمة الخالق وكمال قدرته .
{ والمرسلات عرفا 1 فالعاصفات عصفا 2 والنّاشرات نشرا 3 فالفارقات فرقا 4 فالملقيات ذكرا 5 عذرا أو نذرا 6 إنما ما توعدون لواقع 7 فإذا النجوم طمست 8 وإإذا السماء فرجت 9 وإذا الجبال نسفت 10 وإذا الرسل أقّتت 11 لأيّ يوم أجّلت 12 ليوم الفصل 13 وما أرداك ما يوم الفصل 14 ويل يومئذ للمكذبين 15 }
المرسلات : الملائكة الذين أرسلهم الله لإيصال النعمة إلى قوم ، والنقمة إلى آخرين ، وقيل : الريح .
عرفا : متتابعة بعضها في إثر بعض كعرف الديك ، وقيل : عرفا للمعروف والإحسان .
فالعاصفات : الريح الشديدة ، أو المبعدات للباطل .
الناشرات نشرا : الملائكة الناشرات لأجنحتها ، عند نزولها إلى الأرض .
1 ، 2 ، 3- والمرسلات عرفا* فالعاصفات عصفا* والنّاشرات نشرا .
تعدّدت الآراء في المراد بالقسم في صدر سورة المرسلات ، وأهم الآراء أربعة :
الثالث : طوائف الأنبياء الذين أرسلوا بالوحي المحقق لكل خير .
الرابع : أقسم في الآيات الثلاث الأولى الرياح ، وفي الآيات التالية بالملائكة .
والمعنى على أن المقصود بالآيات الثلاث الأولى الرياح كالآتي :
أقسم بالرياح المرسلة متتابعة كعرف الفرس ، إذا ذهبت شيئا فشيئا ، وبالرياح التي ترسل عاصفة لما أمرت به من نعمة ونقمة .
قال تعالى : ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها . . . ( الأنبياء : 81 ) .
كما ترسل الريح للعذاب ، قال تعالى : فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا . . . ( فصلت : 16 ) .
وأقسم بالرياح التي تنشر السحاب ، وتفرّقه في آفاق السماء ، كما يشاء الرب عز وجل .