فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة المرسلات

هي خمسون آية وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . قال قتادة : إلا آية منها وهي قوله : { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } فإنها مدنية ، وروي هذا عن ابن عباس . وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت سورة المرسلات بمكة . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : «بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت سورة المرسلات عرفاً ، فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اقتلوها ، فابتدرناه فذهبت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وقيت شركم كما وقيتم شرها » . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ : { والمرسلات عرفاً } فقالت : يا بنيّ لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة ، إنها آخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب .

قوله : { والمرسلات عُرْفاً } قال جمهور المفسرين : هي الرياح ، وقيل : هي الملائكة ، وبه قال مقاتل وأبو صالح والكلبي . وقيل : هم الأنبياء ، فعلى الأوّل أقسم سبحانه بالرياح المرسلة لما يأمرها به كما في قوله : { وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ } [ الحجر : 23 ] وقوله : { يُرْسِلُ الرياح } [ الروم : 48 ] وغير ذلك . وعلى الثاني أقسم سبحانه بالملائكة المرسلة بوحيه وأمره ونهيه . وعلى الثالث أقسم سبحانه برسله المرسلة إلى عباده لتبليغ شرائعه ، وانتصاب { عُرْفاً } إما على أنه مفعول لأجله : أي المرسلات لأجل العرف وهو ضدّ النكر ، ومنه قول الشاعر :

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه *** لا يذهب العرف بين الله والناس

أو على أنه حال بمعنى متتابعة يتبع بعضها بعضاً كعرف الفرس ، تقول العرب : سار الناس إلى فلان عرفاً واحداً : إذا توجهوا إليه ، وهم على فلان كعرف الضبع : إذا تألبوا عليه ، أو على أنه مصدر كأنه قال : والمرسلات إرسالاً : أي متتابعة ، أو على أنه منصوب بنزع الخافض : أي والمرسلات بالعرف . قرأ الجمهور { عُرْفاً } بسكون الراء . وقرأ عيسى بن عمر بضمها . وقيل : المراد بالمرسلات السحاب لما فيها من نعمة ونقمة .

/خ28