قوله تعالى : { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم }
اعلم أن هذا نوع آخر من جهالات المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون في رسول الله أنه أذن على وجه الطعن والذم ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية الأعمش وعبد الرحمن عن أبي بكر عنه { أذن خير } مرفوعين منونين ، على تقدير : إن كان كما تقولون إنه أذن . فأذن خير لكم يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ، والباقون { أذن خير لكم } بالإضافة ، أي هو أذن خير ، لا أذن شر ، وقرأ نافع { أذن } ساكنته الذال في كل القرآن ، والباقون بالضم وهما لغتان مثل عنق وظفر .
المسألة الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنه : أن جماعة من المنافقين ، ذكروا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا ينبغي من القول فقال بعضهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما نقول ، فقال الجلاس بن سويد : بل نقول ما شئنا ، ثم نذهب إليه ونحلف أنا ما قلنا ، فيقبل قولنا ، وإنما محمد أذن سامعة ، فنزلت هذه الآية . وقال الحسن : كان المنافقون يقولون ما هذا الرجل إلا أذن ، من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له . وروى الأصم أن رجلا منهم قال لقومه إن كان ما يقول محمد حقا ، فنحن شر من الحمير فسمعها ابن امرأته ، فقال : والله إنه لحق وإنك أشر من حمارك ، ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال بعضهم : إنما محمد أذن ولو لقيته وحلفت له ليصدقنك ، فنزلت هذه الآية على وفق قوله . فقال القائل : يا رسول الله لم أسلم قط قبل اليوم ، وإن هذا الغلام لعظيم الثمن علي والله لأشكرنه ثم قال الأصم : أظهر الله تعالى عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها لتكون حجة للرسول ولينزجروا . فقال : { ومنهم من يلمزك في الصدقات } .
ثم قال : { ومنهم الذين يؤذون النبي } ثم قال : { ومنهم من عاهد الله } إلى غير ذلك من الأخبار عن الغيوب ، وفي كل ذلك دلائل على كونه نبيا حقا من عند الله .
المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى حكى أن من المنافقين من يؤذي النبي ، ثم فسر ذلك الإيذاء بأنهم يقولون للنبي أنه أذن ، وغرضهم منه أنه ليس له ذكاء ولا بعد غور ، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع ، فلهذا السبب سموه بأنه أذن ، كما أن الجاسوس يسمى بالعين يقال : جعل فلان علينا عينا ، أي جاسوسا متفحصا عن الأمور ، فكذا ههنا .
ثم إنه تعالى أجاب عنه بقوله { قل أذن خير لكم } والتقدير : هب أنه أذن لكنه خير لكم وقوله : { أذن خير } مثل ما يقال فلان رجل صدق وشاهد عدل ، ثم بين كونه { أذن خير } بقوله : { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم } جعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عليه الصلاة والسلام { أذن خير } فلنبين كيفية اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيرية .
أما الأول : وهو قوله : { يؤمن بالله } فلأن كل من آمن بالله خائفا من الله ، والخائف من الله لا يقدم على الإيذاء بالباطل .
وأما الثاني : وهو قوله : { ويؤمن للمؤمنين } فالمعنى أنه يسلم للمؤمنين قولهم والمعنى أنهم إذا توافقوا على قول واحد ، سلم لهم ذلك القول ، وهذا ينافي كونه سليم القلب سريع الاغترار .
فإن قيل : لم عدى الإيمان إلى الله بالباء وإلى المؤمنين باللام ؟
قلنا : لأن الإيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر ، فعدى بالباء ، والإيمان المعدى إلى المؤمنين معناه الاستماع منهم والتسليم لقولهم فيتعدى باللام ، كما في قوله : { وما أنت بمؤمن لنا } وقوله : { فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه } وقوله : { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } وقوله : { آمنتم له قبل أن آذن لكم } .
وأما الثالث : وهو قوله : { ورحمة للذين آمنوا منكم } فهذا أيضا يوجب الخيرية لأنه يجري أمركم على الظاهر ، ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم ، ولا يسعى في هتك أستاركم ، فثبت أن كل واحد من هذه الأوصاف الثلاثة يوجب كونه { أذن خير } ولما بين كونه سببا للخير والرحمة بين أن كل من آذاه استوجب العذاب الأليم ، لأنه إذا كان يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزي ، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة وخيراته بالشرور ، فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من الله تعالى .
المسألة الرابعة : أما قراءة من قرأ { أذن خير } بالتنوين في الكلمتين ففيه وجوه :
الوجه الأول : التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد الذي تذكرون ، ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن ، وهو قوله : { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم } والمعنى أن من كان موصوفا بهذه الصفات ، فكيف يجوز الطعن فيه ، وكيف يجوز وصفه بكونه سليم القلب سريع الاغترار ؟
الوجه الثاني : أن يضمر مبتدأ ، والتقدير : هو أذن خير لكم ، أي هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم ، لأنه يقبل معاذيركم ، ويتغافل عن جهالاتكم ، فكيف جعلتم هذه الصفة طعنا في حقه ؟
الوجه الثالث : وهو وجه متكلف ذكره صاحب النظم . فقال : { أذن } وإن كان رفعا بالابتداء في الظاهر لكن موضعه نصب على الحال وتأويله قل هو أذنا خير إذا كان أذنا فهو خير لكم لأنه يقبل معاذيركم ، ونظيره ، وهو حافظا خير لكم ، أي هو حال كونه حافظا خير لكم إلا أنه لما كان محذوفا وضع الحال مكان المبتدأ تقديره ، وهو حافظ خير لكم وإضمار «هو » في القرآن كثير .
قال تعالى : { سيقولون ثلاثة } أي هم ثلاثة ، وهذا الوجه شديد التكلف ، وإن كان قد استحسنه الواحدي جدا .
المسألة الخامسة : قرأ حمزة { ورحمة } بالجر عطفا على { خير } كأنه قيل : أذن خير ورحمة ، أي مستمع كلام يكون سببا للخير والرحمة .
فإن قيل : وكل رحمة خير ، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير ؟
قلنا : لأن أشرف أقسام الخير هو الرحمة ، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير ، كما في قوله تعالى : { وملائكته ورسله وجبريل وميكال } قال أبو عبيد : هذه القراءة بعيدة لأنه تباعد المعطوف عن المعطوف عليه . قال أبو علي الفارسي : البعد لا يمنع من صحة العطف ، ألا ترى أن من قرأ { وقيله يا رب } إنما يحمله على قوله : { وعنده علم الساعة } تقديره : وعنده علم الساعة وعلم قيله .
فإن قيل : ما وجه قراءة ابن عامر { ورحمة } بالنصب ؟
قلنا : هي علة معللها محذوف ، والتقدير : ورحمة لكم يأذن إلا أنه حذف ، لأن قوله : { أذن خير لكم } يدل عليه .
وبعد بيان قواعد الصدقات ، التي يرجع إليها التوزيع والتقسيم . ذلك البيان الذي يكشف عن جهل الذين يلمزون الرسول - [ ص ] - فوق سوء أدبهم حين يلمزون الرسول الأمين . بعد هذا يمضي السياق يعرض صنوف المنافقين ، وما يقولون وما يفعلون :
( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون : هو أذن . قل : إذن خير لكم يؤمن باللّه ويؤمن للمؤمنين ، ورحمة للذين آمنوا منكم ، والذين يؤذون رسول اللّه لهم عذاب أليم . يحلفون باللّه لكم ليرضوكم ، واللّه ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين . ألم يعلموا أنه من يحادد اللّه ورسوله فان له نار جهنم خالداً فيها . ذلك الخزي العظيم . يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم . قل : استهزئوا إن اللّه مخرج ما تحذرون . ولئن سألتهم ليقولن : إنما كنا نخوض ونلعب . قل : أباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ? لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ؛ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) . .
إنه سوء الأدب في حق الرسول ، يبدو في صورة أخرى غير صورة اللمز في الصدقات . إنهم يجدون من النبي - [ ص ] - أدباً رفيعاً في الاستماع إلى الناس بإقبال وسماحة ؛ ويعاملهم بظاهرهم حسب أصول شريعته ؛ ويهش لهم ويفسح لهم من صدره . فيسمون هذا الأدب العظيم بغير اسمه ، ويصفونه بغير حقيقته ، ويقولون عن النبي - [ ص ] - ( هو أذن )أي سماع لكل قول ، يجوز عليه الكذب والخداع والبراعة ، ولا يفطن إلى غش القول وزوره . من حلف له صدقه ، ومن دس عليه قولاً قبله . يقولون هذا بعضهم لبعض تطميناً لأنفسهم أن يكشف النبي - [ ص ] - حقيقة أمرهم ، أو يفطن إلى نفاقهم . أو يقولونه طعناً على النبي في تصديقه للمؤمنين الخلص الذين ينقلون له ما يطلعون عليه من شؤون المنافقين وأعمالهم وأقوالهم عن الرسول وعن المسلمين . وقد وردت الروايات بهذا وذلك في سبب نزول الآية . وكلاهما يدخل في عمومها . وكلاهما يقع من المنافقين .
ويأخذ القرآن الكريم كلامهم ليجعل منه رداً عليهم :
أذن خير يستمع إلى الوحي ثم يبلغه لكم وفيه خيركم وصلاحكم . وأذن خير يستمع إليكم في أدب ولا يجبهكم بنفاقكم ، ولا يرميكم يخادعكم ، ولا يأخذكم بريائكم .
فيصدق كل ما يخبره به عنكم وعن سواكم .
فيطمئن إليهم ويثق بهم ، لأنه يعلم منهم صدق الإيمان الذي يعصمهم من الكذب والالتواء والرياء .
( ورحمة للذين آمنوا منكم ) . .
{ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 61 ) يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ( 62 ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ( 63 ) } .
أذن : يسمع كل ما يقال ويصدقه ، كأنه من فرط استماعه صار آلة للسماع .
تعرض هذه الآيات لونا آخر من ألوان إيذاء المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفهم إياه بالغفلة وعدم الحذر وتصديق كل ما يقال ، أي : ليس له ذكاء ولا تعمق في الأمور .
نزلت في فرقة من المنافقين قالوا في حقه صلى الله عليه وسلم ما لا ينبغي ؛ فقال بعضهم : لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ذلك فيقع بنا ، فقال الجلاس بن سويد : نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فننكر ما قلنا ، ونحلف فيصدقنا بما نقول ؛ إنما محمد أذن سامعة105 .
وذكر القرطبي : أن الآية نزلت في عناب بن قشير قال : إنما محمد أذن يقبل كل ما قيل له .
61 – { وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ . . . الآية } .
أي : ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام فيه ويعيبونه فيقولون : هو أذن . يسمع كل ما يقال ويصدقه .
{ ويقولون هو أذن } . أي : يسمع كل ما قيل من غير أن يتدبر فيه ، ويميز بين ما يليق بالقبول لمساعدة أمارات الصدق له ، وبين ما لا يليق ، وإنما قالوه : لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يواجههم بسوء ما صنعوا ؛ ويصفح عنهم حلما وكرما ، فحملوه على سلامة القلب ، وقالوا ما قالوا .
أي : قل لهم يا محمد : هو أذن كما تقولون يستمع لكم ؛ لكن نعم الأذن هو ؛ لكونه يسمع الخير ولا يسمع الشر .
أي : هو مستمع خير لما يجب استماعه .
كما يقال : فلان رجل صدق وشاهد عدل .
فهو صلى الله عليه وسلم يعرف الصادق من الكاذب ؛ لكنه يعامل المنافقين بأحكام الشريعة وآدابها ، فلا يفضح أحدا منهم ، وهو صاحب الخلق الكامل ، والإنسان المثالي .
{ يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } .
أي : من مظاهر كونه صلى الله عليه وسلم أذن خير ، { أنه يؤمن بالله } ؛ إيمانا حقا لا يحوم حوله شيء من الرياء ، أو الخداع أو غيرهما من ألوان السواء .
{ ويؤمن للمؤمنين } : أي يصدقهم فيما يقولونه من أقوال توافق الشرع ؛ لأنهم أصحابه الذين أطاعوه واتبعوه ؛ فهم أهل التصديق والقبول .
إن قيل : لماذا عدّى الإيمان على الله بالباء ، وإلى المؤمنين باللام فقال : { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } .
قلنا : لأن الإيمان المعدّى إلى الله : المراد منه : التصديق الذي هو نقيض الكفر فعدّى بالباء .
والإيمان المعدى إلى المؤمنين : المراد منه : الاستماع منهم ، والتسليم لقولهم فعدّى باللام .
كما في قوله : { وما أنت بمؤمن لنا } . أي : بمصدق بنا ، وقوله : { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } . وقوله : { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } . اه .
{ ورحمة للذين آمنوا منكم } . أي : وهو صلى الله عليه وسلم رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم ، إذ قبله لا تصديقا لهم ، بل رفقا بهم ، فلم يهتك لهم سترا ، ولم يكشف لهم سرا ، بل أحسن إليهم ؛ وتجاوز عن سيئاتهم ؛ رجاء أن يتوبوا من نفاقهم ، ويخلصوا الإيمان لربهم .
{ والذين يؤذون رسول الله } . صلى الله عليه وسلم بتهوين شأنه ، والانتقاص من قدرة { لهم عذاب أليم } . في دنياهم وآخرتهم .
1 – دلت الآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق الكامل ، والفهم الشامل ، والذكاء الخارق ؛ فسكوته عن المنافقين ليس عن غباء أو اعتزاز ، وإنما عن حكمة وبصيرة ؛ فقد كان يقبل ظواهرهم ، ويترك بواطنهم إلى الله ؛ رجاء هدايتهم .
2 – وصفت الآية الرسول بأوصاف ثلاثة :
فهو يؤمن بالله ، ويؤمن للمؤمنين ، ورحمة لمن آمن ؛ وهذه الأوصاف توجب كونه أذن خير .
3 – إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق برسالته كفر ؛ يترتب عليه العقاب الشديد . مثل : التهوين من أمره ، أو اتهامه بالغفلة . وتصديق كل ما يقال ؛ فقد اختاره الله ، وأدبه وميزه بالخلق العظيم . { الله أعلم حيث يجعل رسالته } . ( الأنعام : 124 ) .