مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ} (204)

قوله تعالى : { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام }

اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان : كافر وهو الذي يقول : { ربنا آتنا في الدنيا } ومسلم وهو الذي يقول : { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } بقي المنافق فذكره في هذه الآية ، وشرح صفاته وأفعاله ، فهذا ما يتعلق بنظم الآية ، والغرض بكل ذلك أن يبعث العباد على الطريقة الحسنة فيما يتصل بأفعال القلوب والجوارح ، وأن يعلموا أن المعبود لا يمكن إخفاء الأمور عنه ثم اختلف المفسرون على قولين منهم من قال : هذه الآية مختصة بأقوام معينين ومنهم من قال : إنها عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفة المذكورة في هذه الآية ، أما الأولون فقد اختلفوا على وجوه :

فالرواية الأولى : أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، وهو حليف لبني زهرة أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام ، وزعم أنه يحبه ويحلف بالله على ذلك ، وهذا هو المراد بقوله : { يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه } غير أنه كان منافقا حسن العلانية خبيث الباطن ، ثم خرج من عند النبي عليه السلام فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر ، وهو المراد بقوله : { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } وقال آخرون المراد بقوله تعالى : { يعجبك قوله } هو أن الأخنس أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم : إن محمدا ابن أختكم ، فإن يك كاذبا كفاكموه سائر الناس ، وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس به قالوا : نعم الرأي ما رأيت ، قال : فإذا نودي في الناس بالرحيل فإني أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمي لهذا السبب أخنس ، وكان اسمه : أبي بن شريق ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه ، وعندي أن هذا القول ضعيف وذلك لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى : { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه } مذكور في معرض الذم فلا يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح .

والرواية الثانية : في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك ، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع ، ووصل الخبر إلى الكفار ، فركب منهم سبعون راكبا وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم ، ففيهم نزلت هذه الآية ، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله منبها بذلك على حال هؤلاء الشهداء .

القول الثاني : في الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين ، أن هذه الآية عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات المذكورة ، ونقل عن محمد بن كعب القرظي ، أنه جرى بينه وبين غيره كلام في هذه الآية ، فقال إنها وإن نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان موصوفا بتلك الصفات ، والتحقيق في المسألة أن قوله : { ومن الناس } إشارة إلى بعضهم ، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع ، وقوله : { ويشهد الله } لا يدل على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى وهو جمع وأما نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم ، بل نقول : فيها ما يدل على العموم ، وهو من وجوه أحدها : أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ، فلما ذم الله تعالى قوما ووصفهم بصفات توجب استحقاق الذم ، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات ، فيلزم أن كل من كان موصوفا بتلك الصفات أن يكون مستوجبا للذم وثانيها : أن الحمل على العموم أكثر فائدة ، وذلك لأنه يكون زجرا لكل المكلفين عن تلك الطريق المذمومة وثالثها : أن هذا أقرب إلى الإحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص ، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى ، إذا عرفت هذا فنقول : اختلفوا في أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه الصفات منافق أم لا ، والصحيح أنها لا تدل على ذلك ، لأن الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة ، وشيء منها لا يدل على النفاق :

فأولها قوله : { يعجبك قوله في الحياة الدنيا } وهذا لا دلالة فيه على صفة مذمومة إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله : { في الحياة الدنيا } لأن الإنسان إذا قيل : إنه حلو الكلام فيما يتعلق بالدنيا أوهم نوعا من المذمة .

وثانيها : قوله : { ويشهد الله على ما في قلبه } وهذا لا دلالة فيه على حالة منكرة ، فإن أضمرنا فيه أن يشهد الله على ما في قلبه مع أن قلبه بخلاف ذلك فالكلام مع هذا الإضمار لا يدل على النفاق ، لأنه ليس في الآية أن الذي يظهره للرسول من أمر الإسلام والتوحيد ، فإنه يضمر خلافه حتى يلزم أن يكون منافقا ، بل لعل المراد أنه يضمر الفساد ويظهر ضده حتى يكون مرائيا .

وثالثها : قوله : { وهو ألد الخصام } وهذا أيضا لا يوجب النفاق .

ورابعها : قوله : { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } والمسلم الذي يكون مفسدا قد يكون كذلك .

وخامسها : قوله : { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } فهذا أيضا لا يقتضي النفاق ، فعلمنا أن كل هذه الصفات المذكورة في الآية كما يمكن ثبوتها في المنافق يمكن ثبوتها في المرائي ، فإذن ليس في الآية دلالة على أن هذا المذكور يجب أن يكون منافقا إلا أن المنافق داخل في الآية ، وذلك لأن كل منافق فإنه يكون موصوفا بهذه الصفات الخمسة بل قد يكون الموصوف بهذه الصفات الخمسة غير منافق فثبت أنا متى حملنا الآية على الموصوف بهذه الصفات الخمسة دخل فيها المنافق والمرائي ، وإذا عرفت هذه الجملة فنقول : الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة .

الصفة الأولى : قوله : { يعجبك قوله في الحياة الدنيا } والمعنى : يروقك ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس .

أما في قوله : { في الحياة الدنيا } ففيه وجوه أحدهما : أنه نظير قول القائل : يعجبني كلام فلان في هذه المسألة والمعنى : يعجبك قوله وكلامه عندما يتكلم لطلب مصالح الدنيا والثاني : أن يكون التقدير : يعجبك قوله وكلامه في الحياة الدنيا وإن كان لا يعجبك قوله وكلامه في الآخرة لأنه ما دام في الدنيا يكون جريء اللسان حلو الكلام ، وأما في الآخرة فإنه تعتريه اللكنة والإحتباس خوفا من هيبة الله وقهر كبريائه .

الصفة الثانية : قوله : { ويشهد الله على ما في قلبه } فالمعنى أنه يقرر صدقة في كلامه ودعواه بالاستشهاد بالله ، ثم يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف واليمين ، ويحتمل أن يكون ذلك بأن يقول : الله يشهد بأن الأمر كما قلت ، فهذا يكون استشهادا بالله ولا يكون يمينا ، وعامة القراء يقرؤون { ويشهد الله } بضم الياء ، أي هذا القائل يشهد الله على ما في ضميره ، وقرأ ابن محيصن { يشهد الله على ما في قلبه } بفتح الياء ، والمعنى : أن الله يعلم من قلبه خلاف ما أظهره .

فالقراءة الأولى : تدل على كونه مرائيا وعلى أنه يشهد الله باطلا على نفاقه وريائه .

وأما القراءة الثانية : فلا تدل إلا على كونه كاذبا ، فأما على كونه مستشهدا بالله على سبيل الكذب فلا ، فعلى هذا القراءة الأولى أدل على الذم .

الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وهو ألد الخصام } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : الألد : الشديد الخصومة ، يقال : رجل ألد ، وقوم لد ، وقال الله تعالى : { وتنذر به قوما لدا } وهو كقوله : { بل هم قوم خصمون } يقال : منه لد يلد ، بفتح اللام في يفعل منه ، فهو ألد ، إذا كان خصما ، ولددت الرجل ألده بضم اللام ، إذا غلبته بالخصومة ، قال الزجاج اشتقاقه من لديدتي العنق وهما صفحتاه ، ولديدي الوادي ، وهما جانباه ، وتأويله أنه في أي وجه أخذه خصمه من يمين وشمال في أبواب الخصومة غلب من خاصمه .

وأما { الخصام } ففيه قولان أحدهما : وهو قول خليل : إنه مصدر بمعنى المخاصمة ، كالقتال والطعام بمعنى المقاتلة والمطاعنة ، فيكون المعنى : وهو شديد المخاصمة ، ثم في هذه الإضافة وجهان أحدهما : أنه بمعنى { في } والتقدير : ألد في الخصام والثاني : أنه جعل الخصام ألد على سبيل المبالغة .

والقول الثاني : أن الخصام جمع خصم ، كصعاب وصعب ، وضخام وضخم ، والمعنى : وهو أشد الخصوم خصومة ، وهذا قول الزجاج ، قال المفسرون : هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق على ما شرحناه : وفيه نزل أيضا قوله : { ويل لكل همزة } وقوله : { ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم } ثم للمفسرين عبارات في تفسير هذه اللفظة ، قال مجاهد { ألد الخصام } معناه : طالب لا يستقيم ، وقال السدي : أعوج الخصام وقال قتادة ألد الخصام معناه أنه جدل بالباطل ، شديد القسوة في معصية الله ، عالم اللسان جاهل العمل .

المسألة الثانية : تمسك المنكرون للنظر والجدل بهذه الآية ، قالوا إنه تعالى ذم ذلك الإنسان بكونه شديدا في الجدل ، ولولا أن هذه الصفة من صفات الذم ، وإلا لما جاز ذلك وجوابه ما تقدم في قوله : { ولا جدال في الحج } .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ} (204)

204

( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ، ويشهد الله على ما في قلبه ، وهو ألد الخصام . وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ، والله لا يحب الفساد . وإذا قيل له : اتق الله أخذته العزة بالإثم ، فحسبه جهنم ولبئس المهاد . . ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ، والله رؤوف بالعباد ) . .

هذه اللمسات العجيبة من الريشة المبدعة في رسم ملامح النفوس ، تشي بذاتها بأن مصدر هذا القول المعجز ليس مصدرا بشريا على الإطلاق . فاللمسات البشرية لا تستوعب - في لمسات سريعة كهذه - أعمق خصائص النماذج الإنسانية ، بهذا الوضوح ، وبهذا الشمول .

إن كل كلمة أشبه بخط من خطوط الريشة في رسم الملامح وتحديد السمات . . وسرعان ما ينتفض النموذج المرسوم كائنا حيا ، مميز الشخصية . حتى لتكاد تشير بأصبعك إليه ، وتفرزه من ملايين الأشخاص ، وتقول : هذا هو الذي أراد إليه القرآن ! . . إنها عملية خلق أشبه بعملية الخلق التي تخرج كل لحظة من يد الباريء في عالم الأحياء !

هذا المخلوق الذي يتحدث ، فيصور لك نفسه خلاصة من الخير ، ومن الإخلاص ، ومن التجرد ، ومن الحب ، ومن الترفع ، ومن الرغبة في إفاضة الخير والبر والسعادة والطهارة على الناس . . هذا الذي يعجبك حديثه . تعجبك ذلاقة لسانه ، وتعجبك نبرة صوته ، ويعجبك حديثه عن الخير والبر والصلاح . . ( ويشهد الله على ما في قلبه ) . . زيادة في التأثير والإيحاء ، وتوكيدا للتجرد والإخلاص ، وإظهارا للتقوى وخشية الله . . ( وهو ألد الخصام ) ! تزدحم نفسه باللدد والخصومة ، فلا ظل فيها للود والسماحة ، ولا موضع فيها للحب والخير ، ولا مكان فيها للتجمل والإيثار .

هذا الذي يتناقض ظاهره وباطنه ، ويتنافر مظهره ومخبره . . هذا الذي يتقن الكذب والتمويه والدهان . .