واعلم أنه تعالى لما قرر أن القول الذي قالوه في الافتخار على الفقراء اقتداء بإبليس عاد بعده إلى التهويل بأحوال يوم القيامة فقال : { ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم } وفيه أبحاث :
البحث الأول : قرأ حمزة : ( نقول ) بالنون عطفا على قوله : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } و { أولياء من دوني } و { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض } { وما كنت متخذ المضلين عضدا } والباقون قرؤوا بالياء .
البحث الثاني : واذكر يوم نقول عطفا على قوله : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا } .
البحث الثالث : المعنى واذكر لهم يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ يقول الله لهم : { نادوا شركائي } أي ادعوا من زعمتم أنهم شركاء لي حيث أهلتموهم للعبادة ، ادعوهم يشفعوا لكم وينصروكم والمراد بالشركاء الجن فدعوهم ولم يذكر تعالى في هذه الآية أنهم كيف دعوا الشركاء لأنه تعالى بين ذلك في آية أخرى وهو أنهم قالوا : { إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا } ثم قال تعالى : { فلم يستجيبوا لهم } أي لم يجيبوهم إلى ما دعوهم إليه ولم يدفعوا عنهم ضررا وما أوصلوا إليهم نفعا . ثم قال تعالى : { وجعلنا بينهم موبقا } وفيه وجوه : الأول : قال صاحب «الكشاف » : الموبق المهلك من وبق يبق وبوقا ووبقا . إذا هلك وأوبقه غيره فيجوز أن يكون مصدرا كالمورد والموعد وتقرير هذا الوجه أن يقال : إن هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة كالملائكة وعيسى دعوا هؤلاء فلم يستجيبوا لهم ثم حيل بينهم وبينهم فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنم وأدخل عيسى الجنة وصار الملائكة إلى حيث أراد الله من دار الكرامة وحصل بين أولئك الكفار وبين الملائكة وعيسى عليه السلام هذا الموبق وهو ذلك الوادي في جهنم . الوجه الثاني : قال الحسن : ( موبقا ) أي عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها هلاك . ومنه قوله : لا يكن حبك كلفا ، ولا بغضك تلفا .
الوجه الثالث : قال الفراء البين المواصلة أي جعلنا مواصلتهم في الدنيا هلاكا في يوم القيامة . الوجه الرابع : الموبق البرزخ البعيد أي جعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخا بعيدا يهلك فيه الساري لفرط بعده ، لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان
فلم يستجيبوا لهم : فلم يغيثوهم .
الموبق : مكان الوبوق ، أي : الهلاك ، وهو النار . يقال : وبق وبوقا ، كوثب وثوبا ؛ إذا هلك .
52- { ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بيتهم موبقا .
أي : واذكر أيها الرسول الكريم ، يوم يقول الله تعالى للمشركين على سبيل التبكيت والتقريع : اطلبوا من عبدتموهم في الدنيا ، وزعمتم : أنهم شركائي ؛ ليشفعوا لكم من هول هذا اليوم ، وينقذوكم من العذاب ، فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم .
{ وجعلنا بينهم موبقا } . أي : حاجزا من النار يهلك من دخل فيه .
وقال قتادة : موبقا : واديا في جهنم .
والمعنى : أن الله تعالى بين أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين ، ولا وصول لهم إلى آلهتهم ، التي كانوا يزعمون في الدنيا ، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة ، فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر ، بل بينهما مهلك ، وهول عظيم ، وأمر كبير .
قال تعالى : { وامتازوا اليوم أيها المجرمون . ( يس : 59 ) .
وقال تعالى : { وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم . . . } ( القصص : 64 ) .
وقال سبحانه : { واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا . كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } . ( مريم : 81 ، 82 ) .
{ وَيَوْمَ يَقُولُ } أي الله تعالى للكفار توبيخاً وتعجيزاً بواسطة أو بدونها . وقرأ الأعمش . وطلحة ويحيى . وابن أبي ليلى . وحمزة . وابن مقسم { نَّقُولُ } بنون العظمة ، والكلام على معنى اذكر أيضاً أي واذكر يوم يقول : { نَادُواْ } للشفاعة لكم { شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ } أي زعمتموهم شفعاء ، والإضافة باعتبار ما كانوا يزعمون أيضاً فإنهم كانوا يزعمون أنهم شركاء كما يزعمون أنهم شفعاء ، وقد جوز غير واحد هنا أن يكون فعل عبدتهم المطيعين لهم فيما وسوسوا به أو كل ما عبد من دون الله تعالى .
وقرأ ابن كثير { شركاى } مقصوراً مضافاً إلى الياء { زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ } أي نادوهم للإغاثة ، وفيه بيان بكمال اعتنائهم بإغاثتهم على طريق الشفاعة إذ معلوم أن لا طريق إلى المدافعة { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } فلم يغيثوهم إذ لا إمكان لذلك ؛ قيل وفي إيراده مع ظهوره تهكم بهم وإيذان بأنهم في الحماقة بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح به .
{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم } أي بين الداعين والمدعوين { مَّوْبِقاً } اسم مكان من وبق وبوقا كوثب وثوباً أو وبق وبقا كفرح فرحاً إذا هلك أي مهلكاً يشتركون فيه وهو النار ، وجاء عن ابن عمر . وأنس . ومجاهد أنه واد في جهنم يجري بدم وصديد ، وعن عكرمة أنه نهر في النار يسيل ناراً على حافتيه حيات أمثال البغال الدهم فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها ، وتفسير الموبق بالمهلك مروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن مجاهد وغيرهما ، وعن الحسن تفسيره بالعداوة فهو مصدر أطلق على سبب الهلاك وهو العداوة كما أطلق التلف على البغض المؤدي إليه في قول عمر رضي الله تعالى عنه : لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً .
وعن الربيع بن أنس تفسيره بالمحبس ، ومعنى كون الموبق على سائر تفاسيره بينهم شموله لهم وكونهم مشتركين فيه كما يقال جعلت المال بين زيد وعمرو فكأنه ضمن { جَعَلْنَا } معنى قسمنا وحينئذٍ لا يمكن إدخال عيسى . وعزير . والملائكة عليهم السلام ونحوهم في الشركاء على القول الثاني .
وقال بعضهم : معنى كون الموبق أي المهلك أو المحبس بينهم أنه حاجز واقع في البين ، وجعل ذلك بينهم حسماً لأطماع الكفرة في أن يصل إليهم ممن دعوه للشفاعة . وجاء عن بعض من فسره بالوادي أنه يفرق الله تعالى به بين أهل الهدى وأهل الضلالة ، وعلى هذا لا مانع من شمول المعنى الثاني للشركاء لأولئك الأجلة .
وقال الثعالبي في فقه اللغة : الموبق بمعنى البرزخ البعيد على أن وبق بمعنى هلك أيضاً أي جعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه الأشواط لفرط بعده ، وعليه أيضاً يجوز الشمول المذكور لأن أولئك الكرام عليهم السلام في أعلى الجنان وهؤلاء اللئام في قعر النيران ، ولا يخفي على من له أدنى تأمل الحال فيما إذا أريد بالموبق العداوة .
و { بَيْنَهُمْ } على جميع ما ذكر طرف وهو مفعول ثان لجعل إن جعل بمعنى صير و { مَّوْبِقاً } مفعوله الأول ، وإن جعل بمعنى خلق كان الظرف متعلقاً به أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله قدم عليه لرعاية الفواصل فتحول حالاً .
وقال الفراء . والسيرافي : البين هنا بمعنى الوصل فإنه يكون بمعناه كما يكون بمعنى الفراق وهو مفعول أول لجعلنا و { مَّوْبِقاً } بمعنى هلاكاً مفعوله الثاني ، والمعنى جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة .
ولما ذكر حال من أشرك به في الدنيا ، وأبطل هذا الشرك غاية الإبطال ، وحكم بجهل صاحبه وسفهه ، أخبر عن حالهم مع شركائهم يوم القيامة ، وأن الله يقول لهم : { نَادُوا شُرَكَائِيَ } بزعمكم أي : على موجب زعمكم الفاسد ، وإلا فبالحقيقة ليس لله شريك في الأرض ، ولا في السماء ، أي : نادوهم ، لينفعوكم ، ويخلصوكم من الشدائد ، { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } لأن الحكم والملك يومئذ لله ، لا أحد يملك مثقال ذرة من النفع لنفسه ولا لغيره .
{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ } أي : بين المشركين وشركائهم { مَوْبِقًا } أي ، مهلكا ، يفرق بينهم وبينهم ، ويبعد بعضهم من بعض ، ويتبين حينئذ عداوة الشركاء لشركائهم ، وكفرهم بهم ، وتبريهم منهم ، كما قال تعالى { وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ }