ولما بين الله تعالى هاتين النفختين قال : { وأشرقت الأرض بنور ربها } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض التي يقعد عليها الآن بدليل قوله تعالى : { يوم تبدل الأرض غير الأرض } وبدليل قوله تعالى : { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } بل هي أرض أخرى يخلقها الله تعالى لمحفل يوم القيامة .
المسألة الثانية : قالت المجسمة : إن الله تعالى نور محض ، فإذا حضر الله في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله ، وأكدوا هذا بقوله تعالى : { الله نور السماوات والأرض } .
واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه ( الأول ) أنا بينا في تفسير قوله تعالى : { الله نور السماوات والأرض } أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى نورا بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة ، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور هاهنا على العدل ، فنحتاج هاهنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى ، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور هاهنا ليس إلا هذا المعنى ، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل أشرقت الآفاق بعدلك ، وأضاءت الدنيا بقسطك ، كما يقولون أظلمت البلاد بجورك ، وقال صلى الله عليه وسلم : «الظلم ظلمات يوم القيامة » وأما بيان أن المراد من النور هاهنا العدل فقط أنه قال : { وجيء بالنبيين والشهداء } ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل ، وأيضا قال في آخر الآية { وهم لا يظلمون } فدل هذا على أن المراد من ذلك النور إزالة ذلك الظلم ، فكأنه تعالى فتح هذه الآية بإثبات العدل وختمها بنفي الظلم ( والوجه الثاني ) في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى : { وأشرقت الأرض بنور ربها } يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى ، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات الله تعالى ، لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب ، فلما كان ذلك النور من خلق الله وشرفه بأن أضافه إلى نفسه كان ذلك النور نور الله ، كقوله : بيت الله ، وناقة الله وهذا الجواب أقوى من الأول ، لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة والذهاب إلى المجاز . ( والوجه الثالث ) أنه قد قال فلان رب هذه الأرض ورب هذه الدار ورب هذه الجارية ، ولا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكا من الملوك ، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نورا .
المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر في هذه الآية من أحوال ذلك اليوم أشياء : ( أولها ) قوله { وأشرقت الأرض بنور ربها } وقد سبق الكلام فيه ( وثانيها ) قوله { ووضع الكتاب } وفي المراد بالكتاب وجوه ( الأول ) أنه اللوح المحفوظ الذي يحصل فيه شرح أحوال عالم الدنيا إلى وقت قيام القيامة ( الثاني ) المراد كتب الأعمال كما قال تعالى في سورة سبحان { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } وقال أيضا في آية أخرى { ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( وثالثها ) قوله { وجيء بالنبيين } والمراد أن يكونوا شهداء على الناس ، قال تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } وقال تعالى : { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } ( ورابعها ) قوله { والشهداء } والمراد ما قاله في { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } أو أراد بالشهداء المؤمنين ، وقال مقاتل : يعني الحفظة ، ويدل عليه قوله تعالى : { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } وقيل أراد بالشهداء المستشهدين في سبيل الله ، ولما بين الله تعالى أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الحكومات وقطع الخصومات ، بين تعالى أنه يوصل إلى كل أحد حقه ، وعبر تعالى عن هذا المعنى بأربع عبارات ( أولها ) قوله تعالى : { وقضى بينهم بالحق } ( وثانيها ) قوله { وهم لا يظلمون } .
بنور ربها : بما يقيمه في الأرض من الحق والعدل .
69- { وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون } .
أشرقت أرض المحشر بنور عدل الله تعالى ، وعظيم بهائه وسلطانه .
أي : وضعت صحائف أعمال العباد بين يديه ، وقد سجل فيها الحسنات والسيئات ، فالسعداء يأخذون كتبهم باليمين ، والأشقياء يأخذون كتبهم بالشمال .
قال تعالى : { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } . ( الإسراء : 13 ، 14 ) .
{ وجيء بالنبيين والشهداء . . . } .
يجمع الله الرسل أجمعين إلى موقف الحشر ، فيسألهم : بماذا أجابتكم أممكم ؟ قال تعالى : { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم . . . } ( المائدة : 109 ) .
وجيء أيضا بالشهود الذين يشهدون على الأمم من الملائكة الحفظة التي تقيّد أعمال العباد . قال تعالى : { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } . ( ق : 21 ) .
أي : سائق يسوقها للحساب ، وشاهد يشهد عليها .
وكذلك يجاء بالشهداء المؤمنين الذي استشهدوا في سبيل الله ، فيشهدون يوم القيامة بالبلاغ على من بلّغوه فكذّب بالحق ، كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره .
لقد أفادت الآية أن الأرض تحولت إلى ساحة للقضاء ، تجلّى فيها نور الجبار سبحانه وتعالى ، ووزّع على كل إنسان كتابه ، وفيه صحائف أعماله ، ثم قال تعالى : { وقضي بينهم . . . } وقُضِيَ بين العباد بالعدل والصدق .
أي : لا يبخس من ثوابهم ، ولا يزاد في عقابهم ، بل يكون الجزاء عادلا ، من عند الإله العادل .
قال تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } . ( النساء : 40 ) .
وقال تعالى : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } . ( الأنبياء : 47 ) .
{ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا } علم من هذا ، أن الأنوار الموجودة تذهب يوم القيامة وتضحمل ، وهو كذلك ، فإن اللّه أخبر أن الشمس تكور ، والقمر يخسف ، والنجوم تندثر ، ويكون الناس في ظلمة ، فتشرق عند ذلك الأرض بنور ربها ، عندما يتجلى وينزل للفصل بينهم ، وذلك اليوم يجعل اللّه للخلق قوة ، وينشئهم نشأة يَقْوَوْنَ على أن لا يحرقهم نوره ، ويتمكنون أيضا من رؤيته ، وإلا ، فنوره تعالى عظيم ، لو كشفه ، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه .
{ وَوُضِعَ الْكِتَابُ } أي : كتاب الأعمال وديوانه ، وضع ونشر ، ليقرأ ما فيه من الحسنات والسيئات ، كما قال تعالى : { وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } ويقال للعامل من تمام العدل والإنصاف : { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا }
{ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ } ليسألوا عن التبليغ ، وعن أممهم ، ويشهدوا عليهم . { س وَالشُّهَدَاءِ } من الملائكة ، والأعضاء والأرض . { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ } أي : العدل التام والقسط العظيم ، لأنه حساب صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة ، ومن هو محيط بكل شيء ، وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ ، محيط بكل ما عملوه ، والحفظة الكرام ، والذين لا يعصون ربهم ، قد كتبت عليهم ما عملوه ، وأعدل الشهداء قد شهدوا على ذلك الحكم ، فحكم بذلك من يعلم مقادير الأعمال ومقادير استحقاقها للثواب والعقاب .