فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (69)

{ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون( 68 )وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون( 69 )ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون( 70 ) } .

إذا جاء وعد الله الحق ، وانقضى أجل الدنيا ، وحانت ساعة ذهاب الكون كله ، أمر الله الملك الموّكل بالصور أن ينفخ فيه فينفخ فيفنى كل شيء إلا الله ، ويهلك كل حي إلا الباقي سبحانه .

والصور : قرن من نور فيه ثقب ينفخ فيه نفختان ، النفخة الأولى للفناء ، والثانية للإنشاء .

روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو( . . ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى{[3987]} ليتا ورفع ليتا{[3988]} -قال- وأول من يسمعه رجل يلوط{[3989]}حوض إبله –قال- فيصعق{[3990]} ويصعق الناس ثم يرسل الله-أو قال : ينزل الله مطرا كأنه الطل تنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) وذكر الحديث .

يقول القرطبي : والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه السلام .

لكنه نقل أقوالا أخرى : أنه يكون معه جبريل ، أو يكون معهما ميكائيل ، أو ومعهم ملك الموت .

بالنفخة الأولى يميت الله كل حي إلا من شاء سبحانه أن يبقى بعد النفخة الأولى ؛ ثم اختلف في هذا المستثنى ، فقيل : الأنبياء ، وقيل : الشهداء ، وقيل : الملائكة ، وقيل : المؤمنون ، وقيل : الحور العين ، وقيل بعض الملائكة .

أقول : أفليس الأوْلى أن نرجع إلى ما شهد به القرآن الكريم : { كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام }{[3991]} ونقول في الاستثناء ما قاله الحسن : هو الله الواحد القهار ، وما يدع أحدا من أهل السماء والأرض إلا أذاقه الموت ؟ . . أو ما قال قتادة : الله أعلم بثنياه . أو فيموت من في السماوات ومن في الأرض إلا سبق موتهم لأنهم قد ماتوا . والله أعلم .

فإذا أزفت لحظة البعث والنشور والإعادة يأمر الله صاحب الصور فينفخ فيه الثانية فإذا الأموات من أهل الأرض والسماء أحياء ، تشققت عنهم القبور ، وأعيدت إليهم الأبدان والأرواح ، فقاموا ينظرون ماذا يراد بهم ، أو ينتظرون ما يفعل بهم .

ويومئذ تشرق أرض المحشر التي ليست هي الأرض الأولى بل بدلها الله ، فتضيء بنور ربنا الذي لا يخبو ، فليس هناك شمسنا ولا قمرنا اللذان عهدناهما ؛ ووضعت صحائف الأعمال بأيدي العاملين ، وجيء بالنبيين ليشهدوا على أممهم ، وبالشهداء من الملائكة وغيرهم كالأمكنة والجوارح-الألسنة والأيدي والأرجل-ليشهدوا بما كان من المكلفين في حياتهم الدنيا ، ويقضي الفتاح العليم ، بالعدل فلا تظلم نفس شيئا لا بنقص ثواب ولا بزيادة عقاب ؛ وأعطيت كل نفس جزاء ما عملت ، لا يفوته سبحانه شيء من أعمالهم وإن دق أو أخفى{ . . إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير }{[3992]} .


[3987]:أمال رأسه ليسمع.
[3988]:جانب العنق.
[3989]:يطلي.
[3990]:يهلك.
[3991]:سورة الرحمن. الآيتان: 36، 37
[3992]:سورة لقمان.من الآية 16.