مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الفيل

{ بسم الله الرحمن الرحيم ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل }

روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج من بني كنانة رجل وتغوط فيها ليلا فأغضبه ذلك .

وقيل : أججت رفقة من العرب نارا فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن الكعبة فخرج بالحبشة ومعه فيل اسمه محمود وكان قويا عظيما ، وثمانية أخرى ، وقيل : إثنا عشر ، وقيل : ألف ، فلما بلغ قريبا من مكة خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبأ جيشه ، وقدم الفيل فكانوا كلما وجهوه إلى جهة الحرم برك ولم يبرح ، وإذا وجهوه إلى جهة اليمن أو إلى سائر الجهات هرول ، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليهم فيها فعظم في عين أبرهة وكان رجلا جسيما وسيما ، وقيل : هذا سيد قريش ، وصاحب عير مكة فلما ذكر حاجته ، قال : سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك فألهاك عنه ذود أخذلك ، فقال أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعك عنه ، ثم رجع وأتى البيت وأخذ بحلقته وهو يقول :

لاهم إن المرء يمنع حله فامنع حلالك

وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك

لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك

إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدالك

ويقول : يا رب لا أرجو لهم سواكا *** يا رب فامنع عنهم حماكا

فالتفت وهو يدعو ، فإذا هو بطير من نحو اليمن ، فقال : والله إنها لطير غريبة ما هي بنجدية ولا تهامية ، وكان مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة وعن ابن عباس أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفارى ، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره ، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه فهلكوا في كل طريق ومنهل ، ودوى أبرهة فتساقطت أنامله ، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ، وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه ، حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة ، فلما أتمها وقع عليه الحجر وخر ميتا بين يديه ، وعن عائشة قالت : " رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان " ، ثم في الآية سؤالات .

الأول : لم قال : { ألم تر } مع أن هذه الواقعة وقعت قبل المبعث بزمان طويل ؟ ( الجواب ) : المراد من الرؤية العلم والتذكير ، وهو إشارة إلى أن الخبر به متواتر فكان العلم الحاصل به ضروريا مساويا في القوة والجلاء للرؤية ، ولهذا السبب قال لغيره على سبيل الذم : { أو لم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون } لا يقال : فلم قال : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير }

لأنا نقول : الفرق أن مالا يتصور إدراكه لا يستعمل فيه إلا العلم لكونه قادرا ، وأما الذي يتصور إدراكه كفرار الفيل ، فإنه يجوز أن يستعمل فيه الرؤية .

السؤال الثاني : لم قال : { ألم تر كيف فعل ربك } ولم يقل : ألم تر ما فعل ربك ؟ ( الجواب ) : لأن الأشياء لها ذوات ، ولها كيفيات باعتبارها يدل على مداومتها وهذه الكيفية هي التي يسميها المتكلمون وجه الدليل ، واستحقاق المدح إنما يحصل برؤية هذه الكيفيات لا برؤية الذوات ولهذا قال : { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها } ولا شك أن هذه الواقعة كانت دالة على قدرة الصانع وعلمه وحكمته ، وكانت دالة على شرف محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن مذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيسا لنبوتهم وإرهاصا لها ، ولذلك قالوا : كانت الغمامة تظله ، وعند المعتزلة أن ذلك لا يجوز ، فلا جرم زعموا أنه لا بد وأن يقال : كان في ذلك الزمان نبي [ أو خطيب ] كخالد بن سنان أو قس بن ساعدة ، ثم قالوا : ولا يجب أن يشتهر وجودهما ، ويبلغ إلى حد التواتر ، لاحتمال أنه كان مبعوثا إلى جمع قليلين ، فلا جرم لم يشتهر خبره .

واعلم أن قصة الفيل واقعة على الملحدين جدا ، لأنهم ذكروا في الزلازل والرياح والصواعق وسائر الأشياء التي عذب الله تعالى بها الأمم أعذارا ضعيفة ، أما هذه الواقعة فلا تجري فيها تلك الأعذار ، لأنها ليس في شيء من الطبائع والحيل أن يقبل طير معها حجارة ، فتقصد قوما دون قوم فتقتلهم ، ولا يمكن أن يقال : إنه كسائر الأحاديث الضعيفة لأنه لم يكن بين عام الفيل ومبعث الرسول إلا نيف وأربعون سنة ويوم تلا الرسول هذه السورة كان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة ، ولو كان النقل ضعيفا لشافهوه بالتكذيب ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا سبب للطعن فيه .

السؤال الثالث : لم قال : { فعل } ولم يقل : جعل ولا خلق ولا عمل ؟ ( الجواب ) : لأن خلق يستعمل لابتداء الفعل ، وجعل للكيفيات قال تعالى : { خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور } وعمل بعد الطلب وفعل عام فكان أولى لأنه تعالى خلق الطيور وجعل طبع الفيل على خلاف ما كانت عليه ، وسألوه أن يحفظ البيت ، ولعله كان فيهم من يستحق الإجابة ، فلو ذكر الألفاظ الثلاثة لطال الكلام فذكر لفظا يشمل الكل .

السؤال الرابع : لما قال : { ربك } ، ولم يقل : الرب ؟ ( الجواب ) من وجوه ( أحدها ) : كأنه تعالى قال : إنهم لما شاهدوا هذا الانتقام ثم لم يتركوا عبادة الأوثان ، وأنت يا محمد ما شاهدته ثم اعترفت بالشكر والطاعة ، فكأنك أنت الذي رأيت ذلك الانتقام ، فلا جرم تبرأت عنهم واخترتك من الكل ، فأقول : ربك ، أي أنا لك ولست لهم بل عليهم ( وثانيها ) كأنه تعالى قال : إنما فعلت بأصحاب الفيل ذلك تعظيما لك وتشريفا لمقدمك ، فأنا كنت مربيا لك قبل قومك ، فكيف أترك تربيتك بعد ظهورك ، ففيه بشارة له عليه السلام بأنه سيظفر .

السؤال الخامس : قوله { ألم تر كيف فعل ربك } مذكور في معرض التعجب وهذه الأشياء بالنسبة إلى قدرة الله تعالى ليست عجيبة ، فما السبب لهذا التعجب ؟ ( الجواب ) من وجوه ( أحدها ) أن الكعبة تبع لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن العلم يؤدى بدون المسجد أما لا مسجد بدون العالم فالعالم هو الدر والمسجد هو الصدف ، ثم الرسول الذي هو الدر همزه الوليد ولمزه حتى ضاق قلبه ، فكأنه تعالى يقول : إن الملك العظيم لما طعن في المسجد هزمته وأفنيته ، فمن طعن فيك وأنت المقصود من الكل ألا أفنيه وأعدمه ! إن هذا لعجيب ( وثانيها ) : أن الكعبة قبلة صلاتك وقلبك قبلة معرفتك ، ثم أنا حفظت قبلة عملك عن الأعداء ، أفلا نسعى في حفظ قبلة دينك عن الآثام والمعاصي ! .

السؤال السادس : لم قال : { أصحاب الفيل } ولم يقل : أرباب الفيل أو ملاك الفيل ؟ ( الجواب ) : لأن الصاحب يكون من الجنس ، فقوله : { أصحاب الفيل } يدل على أن أولئك الأقوام كانوا من جنس الفيل في البهيمية وعدم الفهم والعقل ، بل فيه دقيقة ، وهي : أنه إذا حصلت المصاحبة بين شخصين ، فيقال للأدون إنه صاحب الأعلى ، ولا يقال : للأعلى إنه صاحب الأدون ، ولذلك يقال : لمن صحب الرسول عليه السلام إنهم الصحابة ، فقوله : { أصحاب الفيل } يدل على أن أولئك الأقوام كانوا أقل حال وأدون منزلة من الفيل ، وهو المراد من قوله تعالى : { بل هم أضل } ومما يؤكد ذلك أنهم كلما وجهوا الفيل إلى جهة الكعبة كان يتحول عنه ويفر عنه ، كأنه كان يقول : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عزمي حميد فلا أتركه وهم ما كانوا يتركون تلك العزيمة الردية فدل ذلك على أن الفيل كان أحسن حالا منهم .

السؤال السابع : أليس أن كفار قريش كانوا ملأوا الكعبة من الأوثان من قديم الدهر ، ولا شك أن ذلك كان أقبح من تخريب جدران الكعبة ، فلم سلط الله العذاب على من قصد التخريب ، ولم يسلط العذاب على من ملأها من الأوثان ؟ ( والجواب ) : لأن وضع الأوثان فيها تعد على حق الله تعالى ، وتخريبها تعد على حق الخلق ، ونظيره قاطع الطريق ، والباغي والقاتل يقتلون مع أنهم مسلمون ، ولا يقتل الشيخ الكبير والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة ، وإن كانوا كفارا ، لأنه لا يتعدى ضررهم إلى الخلق .

السؤال الثامن : كيف القول في إعراب هذه الآية ؟ ( الجواب ) : قال الزجاج : { كيف } في موضع نصب بفعل لا بقوله : { ألم تر } لأن كيف من حروف الاستفهام .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الفيل

أهداف سورة الفيل

( سورة الفيل مكية ، وآياتها 5 آيات ، نزلت بعد سورة الكافرون )

وهي سورة تشير إلى قدرة الله الغالبة ، وحمايته للبيت الحرام ، وقد ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل ، وكان حادث الفيل إرهاصا بميلاده ، وبيانا لعناية الله بهذا البيت .

قصة أصحاب الفيل

حادث الفيل معروف لدى العرب ، حتى أنهم جعلوه مبدأ تاريخ يحددون به أوقات الحوادث ، فيقولون : ولد عام الفيل ، وحدث كذا لسنتين بعد عام الفيل ، ونحو ذلك .

وجملة ما تشير إليه الروايات المتعددة أن الحاكم الحبشي لليمن –في الفترة التي خضعت فيها اليمن لحكم الحبشة بعد طرد الحكم الفارسي منها– ويسمى أبرهة الأشرم ، كان قد بنى كنيسة في اليمن باسم ملك الحبشة ، وجمع لها كل أسباب الفخامة ، ليصرف بها العرب عن الحج إلى البيت الحرام ، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا ، وقيل : أججت رفقة من العرب نارا ، فحملتها الريح فأحرقت الكنيسة ، فغضب أبرهة وأقسم ليهدمن الكعبة فخرج بالحبشة ، ومعه فيل اسمه محمود وكان قويا عظيما ، واثنا عشر فيلا غيره وسار بجيشه إلى مكة ، وانتصر على كل من قاومه من العرب ، حتى وصل إلى المغمّس بالقرب من مكة ، ثم أرسل إلى أهل مكة يخبرهم أنه لم يأت لحربهم ، وإنما أتى لهدم البيت ففزعوا منه ، وانطلقوا إلى شعف الجبال ينتظرون ما هو فاعل ، وأرسل أبرهة إلى سيد مكة ليقابله .

قال ابن إسحاق : وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم ، وهو يومئذ سيد مكة ، فقدم إلى أبرهة ، فلما رآه أبرهة أجلّه وأعظمه ، وأكرمه عن أن يجلسه تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه ، فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه ، وأجلسه معه إلى جانبه ، ثم قال لترجمانه : قل له : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي أن يرد عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي ، فلما قال ذلك ، قال أبرهة لترجمانه : قل له : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك ، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه ؟ قال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربّا سيمنعه ، قال : ما كان ليمتنع مني ، قال : أنت وذاك ، فردّ عليه إبله .

ثم انصرف عبد المطلب إلى باب الكعبة فأمسك بحلقه ، وقام معه نفر من قريش ، يدعون الله ويستنصرونه .

وروي عن عبد المطلب أنه أنشد :

لا همّ إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك

لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك

وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك

إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدا لك

فأما أبرهة فوجه جيشه وفيله لما جاء له ، فبرك الفيل دون مكة لا يدخلها ، وجهدوا في حمله على اقتحامها فلم يفلحوا .

ثم كان ما أراده الله من إهلاك الجيش وقائده ، فأرسل عليهم جماعات من الطير تحصبهم بحجارة من طين وحجر ، فتركتهم كأوراق الشجر الجافة الممزقة ، وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة ، حتى قدموا به صنعاء ، فما مات حتى انشق صدره عن قلبه ، كما تقول الرواياتi .

( وكان بين عام الفيل وبين المبعث نيف وأربعين سنة ، وكان قد بقي بمكة من شهد تلك الواقعة ، وقد بلغت حد التواتر حينئذ ، فما ذاك إلا إرهاص للرسول صلى الله عليه وسلم ) . ii .

وسئل أبو سعيد الخدري عن الطير ، فقال : حمام مكة منها ، وقيل : جاءت عشية ثم صبحتهم هلكى .

وعن عكرمة : من أصابته أصابه الجدري ، وهو أول جدري ظهر في الأرضiii .

وقد ذهب الأستاذ الإمام محمد عبده إلى أن الذي أهلك الجيش ( هو انتشار داء الجدري والحصبة بين أفراده ، وقد نشأ هذا الداء من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش ، بواسطة فرق عظيمة من الطير ، مما يرسله الله مع الريح ، فهي أشبه بالميكروبات الفتاكة التي تعصف بالجسم )iv .

فالأستاذ الإمام يريد أن يجعل هذه المعجزة الخارقة للعادة أمرا متفقا مع المعهود في حياة الناس ، فيرجع الهزيمة إلى انتشار وباء الحصبة أو الجدري ، حتى يتسنى له إقناع العقول ، وفي نفس الوقت يتخلص مما ورد في بعض الروايات من المبالغة في وصف هذه الطير ، والحجارة التي حملتها في رجليها وفمها .

ونرى أن الأولى عدم إخضاع الآيات لمألوف الناس وما يحدث في واقع حياتهم ، لأن الآيات تخبر عن خارقة وقعت بقدرة الله القادر ، الذي يقول للشيء كن فيكون .

وإذا سلمنا أن الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة ، وأن الله أرسل طيرا غير معهودة ، كان ذلك أدعى إلى تحقيق العبرة الظاهرة المكشوفة لجميع الأنظار في جميع الأجيال ، حتى ليمنّ الله بها على قريش بعد البعثة ، ويضربها مثلا لرعاية الله لحرماته ، وغيرته عليها .

( فممّا يتناسق مع جو هذه الملابسات كله ، أن يجيء الحادث غير مألوف ولا معهود ، بكل مقوماته وبكل أجزائه ، ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر ، في حادث هو في ذاته وبملابساته مفرد فذ ) . v .

ثم إن إصابة الجيش بالوباء ، وعدم إصابة أحد من العرب القريبين منه أمر خارق للعادة ، وما دامت المسألة خارقة ، فعلام العناء في حصرها في صورة معينة مألوفة للناس ، مع أن السورة تفيد أن أمرا خاصا قد أرسله الله على أصحاب الفيل .

إننا لا يجوز أن نواجه النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة ، بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا الإيمانية ، ومنها نكوّن قواعد منطقنا وتصوراتنا .

( وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة ، ولكن معناه أن العقل ليس وحده هو الحكم في مقررات القرآن ، ومتى كانت المدلولات التعبيرية مستقيمة واضحة ، فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا ، وكيف نصوغ منها قواعد تصورها ومنطقها تجاه مدلولاتها ، وتجاه الحقائق الكونية الأخرى ) . vi .

مع آيات السورة

1- ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل . ألم تنظر أو ألم تعلم عن الحالة التي وقع عليها عمل الله ، الذي يتولى أمرك ، بأصحاب الفيل الذين حاولوا هدم البيت الحرام ؟ والخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو وإن لم يشهد تلك الواقعة ، لكنه شاهد آثارها ، وسمع بالتواتر أخبارها ، فالعلم بها مساو في قوة الثبوت للعلم الناشئ عن الرؤية والمشاهدة .

2- ألم يجعل كيدهم في تضليل . لقد دبّروا كيدا للبيت الحرام ، ببناء الكنيسة وصرف وجوه الحجاج إليها ، فضلّل الله كيدهم بأن أوقع الحريق فيها ، وكادوه ثانيا بإرادة هدم البيت ، فضلّل الله كيدهم بإرسال الطير عليهم .

ومعنى تضليل كيدهم ، أي إضاعته وإبطاله ، يقال : ضلّل كيده ، إذا جعله ضالا ضائعا ، ومنه قولهم لامرئ القيس : الملك الضليل ، لأنه ضلّل ملك أبيه ، أي ضيعه .

3- وأرسل عليهم طيرا أبابيل . أبابيل : جماعات أو طوائف على هيئة أسراب ، أي : أرسل الله عليهم فرقا من الطير .

4- ترميهم بحجارة من سجيل . السجيل : الطين الذي تحجّر ، أو الحجارة المحروقة ، أي : أرسل الله عليهم جندا من جنوده ، وكم لله من جنود لا يعلمها إلا هو ، لقد أرسل الله على أبرهة وجنده جيشا من الطير ، أسلحتهم حجارة صغيرة في مناقيرها ، ترمي الجندي بها ، فتنفذ من أعلى جسمه إلى أسفله ، فتنهرئ لحومهم ، وتتساقط متناثرة عن أجسادهم .

5- فجعلهم كعصف مأكول . العصف : ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد ، تفته الريح وتأكله المواشي .

وقال الفراء : هو أطراف الزرع ، وقيل : هو الحب الذي أكل لبّه وبقى قشره .

ووصف العصف بأنه مأكول ، أي فتيت طحين ، حين تأكله الحشرات وتمزقه ، أو حين يأكله الحيوان فيمضغه ويطحنه ، وهي صورة حسية للتمزيق بفعل هذه الأحجار التي رمتهم بها جماعات الطير .

وذهب مقاتل وقتادة وعطاء عن ابن عباس إلى أن معنى عصف مأكول ، أي : نبات أكلته الدواب وصار روثا ، إلا أنه جاء على أدب القرآن كقوله تعالى : كانا يأكلان الطعامvii . . . ( المائدة : 75 ) .

**

مقاصد السورة

1- بيان قدرة الله وحمايته لبيته .

2- لفت الأنظار إلى ما صنعه الله بأصحاب الفيل .

3- لقد ضلّ كيدهم وخاب سعيهم .

4- أرسل الله عليهم جماعات من الطيور في شكل أسراب .

5- أصابتهم الطير بحجارة مخلوطة بالطين تحمل الهلاك والدمار .

6- انتهى الجيش إلى ضياع وهزيمة منكرة ، كما ينتهي الزرع المأكول إلى روث مهمل ضائع .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل 1 ألم يجعل كيدهم في تضليل 2 وأرسل عليهم طيرا أبابيل 3 ترميهم بحجارة من سجّيل 4 فجعلهم كعصف مأكول 5 }

التفسير :

1- ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل .

ألم يصل إلى علمك ما فعله ربك ومربيك وحاميك يا محمد بأصحاب الفيل ، وهم أبرهة الأشم وجيشه الذي قدم من اليمن ، وانتصر على من قاومه من العرب حتى وصل إلى المغمّس بأطراف مكة ، واستولى على إبل مكة .

ثم رغب أبرهة في الهجوم على الكعبة ، فتقدمت الفيلة ، ورئيسها فيل كبير يسمى محمود ، فبرك الفيل قبل الكعبة وامتنع تماما ، فإذا وجّهوه جهة اليمن أو إلى جهة هرول مسرعا ، وإذا وجّهوه إلى الكعبة امتنع .