{ بسم الله الرحمن الرحيم ويل لكل همزة } فيه مسائل :
المسألة الأولى : الويل لفظة الذم والسخط ، وهي كلمة كل مكروب يتولون فيدعو بالويل وأصله وي لفلان ثم كثرت في كلامهم فوصلت باللام ، وروي أنه جبل في جهنم إن قيل : لم قال : ههنا : { ويل } وفي موضع آخر : { ولكم الويل } ؟ قلنان : لأن ثمة قالوا : { يا ويلنا إنا كنا ظالمين } فقال : { ولكم الويل } وههنا نكر لأنه لا يعلم كنهه إلا الله ، وقيل : في ويل إنها كلمة تقبيح ، وويس استصغار وويح ترحم ، فنبه بهذا على قبح هذا الفعل ، واختلفوا في الوعيد الذي في هذه السورة هل يتناول كل من يتمسك بهذه الطريقة في الأفعال الرديئة أو هو مخصوص بأقوام معينين ، أما المحققون فقالوا : إنه عام لكل من يفعل هذا الفعل كائنا من كان وذلك لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وقال آخرون : إنه مختص بأناس معينين ، ثم قال عطاء والكلبي : نزلت في الأخنس بن شريق كان يلمز الناس ويغتابهم وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال مقاتل : نزلت في الوليد بن المغيرة كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ويطعن عليه في وجهه ، وقال محمد بن إسحاق : ما زلنا نسمع أن هذه السورة نزلت في أمية بن خلف ، قال الفراء : وكون اللفظ عاما لا ينافي أن يكون المراد منه شخصا معينا ، كما أن إنسانا لو قال لك لا أزورك أبدا فتقول : أنت كل من لم يزرني لا أزوره وأنت إنما تريده بهذه الجملة العامة وهذا هو المسمى في أصول الفقه بتخصيص العام بقرينة العرف .
المسألة الثانية : الهمز الكسر قال تعالى : { هماز مشاء } واللمز الطعن والمراد الكسر من أعراض الناس والغض منهم والطعن فيهم ، قال تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } وبناء فعله يدل على أن ذلك عادة منه قد ضري بها ونحوهما اللعنة والضحكة ، وقرئ : { ويل لكل همزة لمزة } بسكون الميم وهي المسخرة التي تأتي بالأوابد والأضاحيك فيضحك منه ويشتم وللمفسرين ألفاظا ( أحدها ) : قال ابن عباس : الهمزة المغتاب ، واللمزة العياب ( وثانيها ) : قال أبو زيد : الهمزة باليد واللمزة باللسان ( وثالثها ) : قال أبو العالية : الهمزة بالمواجهة واللمزة بظهر الغيب ( ورابعها ) : الهمزة جهرا واللمزة سرا بالحاجب والعين ( وخامسها ) : الهمزة واللمزة الذي يلقب الناس بما يكرهون وكان الوليد بن المغيرة يفعل ذلك ، لكنه لا يليق بمنصب الرياسة إنما ذلك من عادة السقاط ويدخل فيه من يحاكي الناس بأقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا . وقد حكى الحكم بن العاص مشية النبي صلى الله عليه وسلم فنفاه عن المدينة ولعنه ( وسادسها ) : قال الحسن : الهمزة الذي يهمز جليسه يكسر عليه عينه واللمزة الذي يذكر أخاه بالسوء ويعيبه ( وسابعها ) : عن أبي الجوزاء قال : قلت لابن عباس : { ويل لكل همزة لمزة } من هؤلاء الذين يذمهم الله بالويل فقال : هم المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الناعتون للناس بالعيب .
واعلم أن جميع هذه الوجوه متقاربة راجعة إلى أصل واحد وهو الطعن وإظهار العيب ، ثم هذا على قسمين فإنه إما أن يكون بالجد كما يكون عند الحسد والحقد ، وإما أن يكون بالهزل كما يكون عند السخرية والإضحاك ، وكل واحد من القسمين ، إما أن يكون في أمر يتعلق بالدين ، وهو ما يتعلق بالصورة أو المشي ، أو الجلوس وأنواعه كثيرة وهي غير مضبوطة ، ثم إظهار العيب في هذه الأقسام الأربعة قد يكون لحاضر ، وقد يكون لغائب ، وعلى التقديرين فقد يكون باللفظ ، وقد يكون بإشارة الرأس والعين وغيرهما ، وكل ذلك داخل تحت النهي والزجر ، إنما البحث في أن اللفظ بحسب اللغة موضوع لماذا ، فما كان اللفظ موضوعا له كان منهيا بحسب اللفظ ، وما لم يكن اللفظ موضوعا له كان داخلا تحت النهي بحسب القياس الجلي ، ولما كان الرسول أعظم الناس منصبا في الدين كان الطعن فيه عظيما عند الله ، فلا جرم قال : { ويل لكل همزة لمزة } .
( سورة الهمزة مكية ، وآياتها 9 آيات ، نزلت بعد سورة القيامة )
تعكس هذه السورة صورة من الصور الواقعية في حياة الدعوة في عهدها الأول ، وهي في الوقت ذاته نموذج يتكرر في كل بيئة ، صورة اللئيم الصغير النفس ، الذي يؤتي المال فتستطير نفسه به ، حتى ما يطيق نفسه ، ويروح يشعر أن المال هو القيمة العليا في الحياة ، القيمة التي تهون أمامها جميع القيم وجميع الأقدار : أقدار الناس ، وأقدار المعاني ، وأقدار الحقائق . كما يروح يحسب أن هذا المال إله قادر على كل شيء ، لا يعجز عن دفع شيء ، حتى دفع الموت ، وتخليد الحياة .
ومن ثم ينطلق في هوس بهذا المال ، يعده ويستلذ تعداده ، وتنطلق في كيانه نفخة فاجرة ، تدفعه إلى الاستهانة بأقدار الناس ، وهمزهم ولمزهم ، وانتقاص قدرهم ، وتحقير شأنهم . وهي صورة لئيمة من صور النفوس البشرية حين تخلو من المروءة . والإسلام يكره هذه الصورة الهابطة ، وقد نهى القرآن عن السخرية واللمز في مواضع شتى ، إن أن ذكرها هنا بهذا التشنيع ، يوحي بأنه كان يواجه حالة واقعية من بعض المشركين تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجاه المؤمنين ، فجاء الرد عليها في صورة الردع والتهديد والوعيد .
قال عطاء والكلبي : نزلت هذه السورة في الأخنس بن شريق ، كان يلمز الناس ويغتابهم ، وبخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال مقاتل : نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ، ويطعن فيه في وجهه .
وقال محمد بن إسحاق صاحب السيرة : ما زلنا نسمع أن هذه السورة نزلت في أمية بن خلف .
1- ويل لكل همزة لمزة . ويل وعذاب شديد لكل سبّاب عيّاب ، ينتقص الناس بالإشارة والحركة ، والقول والفعل .
وبناء الصفة على فعلة يفيد كثرة وقوع الفعل ، وجريانه مجرى العادة .
وعن مجاهد وعطاء : الهمزة الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل ، واللمزة الذي يغتاب من خلفه إذا غاب .
2- الذي جمع مالا وعدّده . إن الذي دعا هذا وأمثاله إلى الحط من أقدار الناس ، ظنه الخاطئ بأن جمع المال ، والمبالغة في عدّه والمحافظة عليه ، مما يرفع قدره ، ويضمن له منزلة رفيعة ، يستطيع بها أن يطلق لسانه في أعراض الناس ، وأن يؤذيهم بالقول والفعل .
3- يحسب أن ماله أخلده . إن حبه للمال أنساه الموت والمآل فهو يأنس بماله ، ويظن أن هذا المال الذي أجهد نفسه في جمعه ، وبخل به حتى على نفسه ، ويحميه من الموت ويورثه الخلود .
4- كلاّ لينبذنّ في الحطمة . لقد قابل القرآن بين كبريائه وتعاليه على الناس ، وبين جزائه في الحطمة التي تحطم كل ما يلقى إليها ، فتحطم كيانه وكبريائه .
5- وما أدراك ما الحطمة . سؤال للتهويل والتعظيم ، أي : أي شيء أعلمك بها ؟ فإن هذه الحطمة مما لا يحيط بها عقلك ، ولا يقف على كنهها علمك ، ولا يعرف حقيقتها إلا خالقها سبحانه وتعالى .
6- نار الله الموقدة . إنها النار التي تنسب إلى الله الذي خلقها ، وهي موقدة لا تخمد أبدا ، ثم وصف هذه النار بعدة صفات فيها تناسق تصويري يتفق مع أفعال ( الهمزة اللمزة ) .
7- التي تطّلع على الأفئدة . إنها تصل إلى الفؤاد الذي ينبعث منه الهمز واللمز ، وهي تتغلب على الأفئدة وتقهرها ، فتدخل في الأجواف حتى تصل إلى الصدور فتأكل الأفئدة ، والقلب أشد أجزاء الجسم تألما ، فإذا استولت عليه النار فأحرقته فقد بلغ العذاب بالإنسان غايته .
والنار لا تصل إلى الفؤاد إلا بعد أن تأكل الجلود واللحوم والعظام ، ثم تصل إلى القلوب ، والأفئدة موطن الإحساس والاعتقاد ، ومن لكمات عمر بن الخطاب للكفار : ( حرق الله قلوبكم ) . أي : أصابكم بأشد ألوان المحن والألم .
8- إنها عليهم مؤصدة . إنها مطبقة عليهم لا يخرجون منها ، ولا يستطيعون الفرار أو الهرب .
قال تعالى : كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أعيدوا فيها . . . ( الحج : 22 ) .
9- في عمد ممدّدة . العمد جمع عمود وهو معروف ، والممددة : المطولة ، أي أنه أطبقها عليهم وأغلقها في عمد طويلة ، تمد على أبوابها بعد أن تؤصد ، وهو تصوير لشدة الإطباق وإحكامه ، وتأكيد اليأس من الخلاص .
قال مقاتل : إن الأبواب أطبقت عليهم ، ثم شدت بأوتاد من حديد ، فلا يفتح عليهم باب ، ولا يدخل عليهم روح .
اللهم أجرنا من النار ، ومن عذاب النار ، وأدخلنا الجنة مع الأبرار ، بفضلك وكرمك يا عزيز يا غفار .
1- من الناس من يرى مثله الأعلى جمع المال والتعالي على العباد ، وهو نموذج سيء .
2- الويل والعذاب ينتظران كل عيّاب وسبّاب .
3- المال نعمة من الله ، ولكن العمل الصالح هو الوسيلة النافعة .
4- البخيل بالمال المتعالي على العباد له نار متقدة تحرق جسمه وتصل إلى فؤاده .
{ ويل لكل همزة لمزة 1 الذي جمع مالا وعدّده 2 يحسب أنّ ماله أخلده 3 كلاّ لينبذنّ في الحطمة 4 وما أدراك ما الحطمة 5 نار الله الموقدة 6 التي تطّلع على الأفئدة 7 إنها عليهم مؤصدة 8 في عمد ممدّدة 9 }
ويل : خزي وهلاك وعذاب ، وهو لفظ لا يستعمل إلا في الذم والقبح .
همزة : من ينتقص الناس بالقول .
لمزة : من يؤذي الناس بالفعل ، فكلاهما طعّان عيّاب .
عذاب شديد لكل همّاز يعيب الناس ، ويغضّ من أقدارهم ، وينتقص من هممهم في حضورهم أو في غيبتهم ، يفعل ذلك بالقول أو بالإشارة .
قال ابن عباس : همزة لمزة . طعّان عيّاب .
وقال الربيع بن أنس : الهمزة . يهمزه في وجهه . واللمزة : من خلفه .
وسئل ابن عباس مرة أخرى عن ( اللمزة اللمزة ) فقال : هو المشّاء بالنميمة ، المفرّق بين الجمع ، المغري بين الإخوان .
وقيل : نزلت هذه السورة في الأخنس بن شريق ، كان يلمز الناس ويغتابهم .
وقيل نزلت في أمية بن خلف ، كان يهمز النبي صلى الله عليه وسلم ويعيبه .
وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم ويغضّ من قدره الشريف .
ولا يستبعد أن تكون قد نزلت في مجموعة ، منها هؤلاء الثلاثة الذين دأبوا على السخرية والاستهزاء بالفضلاء ، مع اليقين بأن اللفظ عام ، يشمل كل من تنطبق عليه هذه الصفات ، فالعبرة عموم اللفظ لا بخصوص السبب .