مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (14)

قوله تعالى :{ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ، ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ، واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ، من ورائه جهنم ويسقى من ماء من صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ } .

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السلام ، أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه وحياطته ، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا : { لنخرجنكم من أرضنآ أو لتعودن في ملتنا } والمعنى : ليكونن أحد الأمرين لا محالة إما إخراجكم وإما عودتكم إلى ملتنا . والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان قليلون ، وأهل الباطل يكونون كثيرين ، والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين ، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة .

فإن قيل : هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها .

قلنا : الجواب من وجوه :

الوجه الأول : أن أولئك الأنبياء عليهم السلام إنما نشؤوا في تلك البلاد وكانوا من تلك القبائل في أول الأمر ما أظهروا المخالفة مع أولئك الكفار ، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير إظهار مخالفة فالقوم ظنوا لهذا السبب أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب قالوا : { أو لتعودن في ملتنا } .

الوجه الثاني : أن هذا حكاية كلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين فيه فلعلهم توهموا ذلك مع أنه ما كان الأمر كما توهموه .

الوجه الثالث : لعل الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم ولا بأس أن يقال : إنهم كانوا قبل ذلك الوقت على دين أولئك الكفار .

الوجه الرابع : قال صاحب «الكشاف » : العود بمعنى الصيرورة كثير في كلام العرب .

الوجه الخامس : لعل أولئك الأنبياء كانوا قبل إرسالهم على ملة من الملل ، ثم إنه تعالى أوحى إليهم بنسخ تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى . وبقي الأقوام على تلك الشريعة التي صارت منسوخة مصرين على سبيل الكفر ، وعلى هذا التقدير فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء أن يعودوا إلى تلك الملة .

الوجه السادس : لا يبعد أن يكون المعنى : أو لتعودن في ملتنا ، أي إلى ما كنتم عليه قبل إدعاء الرسالة من السكوت عن ذكر عيوب ديننا وعدم التعرض له بالطعن والقدح وعلى جميع هذه الوجوه فالسؤال زائل ، والله أعلم .

واعلم أن الكفار لما ذكروا هذا الكلام قال تعالى : { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم } قال صاحب «الكشاف » : { لنهلكن الظالمين } حكاية تقتضي إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه ، وقرأ أبو حيوة : { ليهلكن الظالمين وليسكننكم } بالياء اعتبارا لأوحى فإن هذا اللفظ لفظ الغيبة ونظيره قولك أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن ، والمراد بالأرض أرض الظالمين وديارهم ونظيره قوله : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها } . { وأورثكم أرضهم وديارهم } وعن النبي صلى الله عليه وسلم :« من آذى جاره أورثه الله داره » واعلم أن هذه الآية تدل على أن من توكل على ربه في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه .

ثم قال تعالى : { ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } فقوله ذلك إشارة إلى أن ما قضى الله تعالى به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم أثر ذلك الأمر حق لمن خاف مقامي وفيه وجوه : الأول : المراد موقفي وهو موقف الحساب ، لأن ذلك الموقف موقف الله تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة ، ونظيره قوله : { وأما من خاف مقام ربه } وقوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } . الثاني : أن المقام مصدر كالقيامة ، يقال : قام قياما ومقاما ، قال الفراء : ذلك لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي إياه كقوله : { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } . الثالث : { ذلك لمن خاف مقامي } أي إقامتي على العدل والصواب فإنه تعالى لا يقضي إلا بالحق ولا يحكم إلا بالعدل وهو تعالى مقيم على العدل والصواب لا يميل عنه ولا ينحرف البتة . الرابع : { ذلك لمن خاف مقامي } أي مقام العائذ عندي وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول ، الخامس : { ذلك لمن خاف مقامي } أي لمن خافني ، وذكر المقام ههنا مثل ما يقال : سلام الله على المجلس الفلاني العالي ، والمراد : سلام الله على فلان فكذا ههنا .

ثم قال تعالى : { وخاف وعيد } قال الواحدي : الوعيد اسم من أوعد إيعادا وهو التهديد . قال ابن عباس : خاف ما أوعدت من العذاب .

واعلم أنه تعالى ذكر أولا قوله : { ذلك لمن خاف مقامي } ثم عطف قوله : { وخاف وعيد } فهذا يقتضي أن يكون الخوف من الله تعالى مغايرا للخوف من وعيد الله ، ونظيره : أن حب الله تعالى مغاير لحب ثواب الله ، وهذا مقام شريف عال في أسرار الحكمة والتصديق .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (14)

المفردات :

مقامي : أي : الموقف المملوك لله ، الذي يقف به العباد بين يديه للحساب ، أو قيامه على عبده ومراقبته إياه .

وعيد : وعدي بعذاب الكفار والعصاة يوم القيامة .

التفسير :

{ ولنسكننّكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } .

أي : أوحى الله إلى رسله : بأن العاقبة ستكون للمؤمنين ، في ميراث أرض الكافرين ؛ تلك سنّة الله تعالى في خلقه ، أن يعاقب الظالمين المعتدين ، وأن يأخذ بيد المؤمنين العاملين .

قال تعالى : { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }( الأنبياء : 105 ) .

وفي سورة القصص ، ذكر الله تعالى جانبا كبيرا من قصة موسى مع فرعون ، وصدر قصة موسى في سورة القصص بالعبرة والمغزى ، حيث قال سبحانه : { ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين* ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون }( القصص : 6 ، 5 ) .

وقال سبحانه : { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي }( المجادلة : 21 ) .

وقال عز شأنه : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين* إنهم لهم المنصورون* وإن جندنا لهم الغالبون }( الصافات : 171 173 ) .

وفي ختام الآية نجد قوله تعالى :

{ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } .

أي : ذلك الذي مرّ بيانه من إهلاك الظالمين ، وإسكان المؤمنين أرضهم وديارهم ، أمر ثابت لكل من خاف قيامي عليه بحفظ أعماله ، ومراقبتي إياه ، وزادت خشيته من مقام ربه ، وجلال عظمته ؛ وخاف وعيدي بالحساب والعذاب للكفرة والعصاة والظالمين .

من تفسير الكشاف للزمخشري

قال الزمخشري : والمراد بالأرض في قوله تعالى : { ولنسكننّكم الأرض من بعدهم }( إبراهيم : 14 ) : أرض الظالمين وديارهم ، ونحوه : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها }( الأعراف : 137 ) .

وقوله تعالى : { وأورثكم أرضهم وديارهم }( الأحزاب : 27 ) .

وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من آذى جاره ؛ ورثه الله داره )7 .

ثم قال الزمخشري : ولقد عاينت هذا في مدة قريبة ، كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا فيها ، ويؤذيني فيه ، فمات ذلك العظيم ، وملّكني الله ضيعته ، فنظرت يوما إلى أبناء خالي يترددون فيها ، ويدخلون في دورها ويخرجون ، ويأمرون وينهون ؛ فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدثتهم به ، وسجدنا شكرا لله .