قوله تعالى { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ، ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز } .
اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم في الآية المتقدمة بين في هذه الآية أن أعمالهم بأسرها تصير ضائعة باطلة لا ينتفعون بشيء منها . وعند هذا يظهر كمال خسرانهم لأنهم لا يجدون في القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعا باطلا ، وذلك هو الخسران الشديد . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في ارتفاع قوله : { مثل الذين } وجوه : الأول : قال سيبويه : التقدير : وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، أو مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم ، وقوله : { كرماد } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول : كيف مثلهم فقيل : أعمالهم كرماد . الثاني : قال الفراء : التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد فحذف المضاف اعتمادا على ذكره بعد المضاف إليه وهو قوله : { أعمالهم } ومثله قوله تعالى : { الذي أحسن كل شيء خلقه } أي خلق كل شيء ، وكذا قوله : { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } المعنى ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة . الثالث : أن يكون التقدير صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد ، كقولك صفة زيد عرضه مصون ، وماله مبذول . الرابع : أن تكون أعمالهم بدلا من قوله : { مثل الذين كفروا } والتقدير : مثل أعمالهم وقوله : { كرماد } هو الخبر . الخامس : أن يكون المثل صلة وتقديره : الذين كفروا أعمالهم .
المسألة الثانية : اعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال ، هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا خبر ، فكذا ههنا أن كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر ولا أثر ، ثم اختلفوا في المراد بهذه الأعمال على وجوه :
الوجه الأول : أن المراد منها ما عملوه من أعمال البر كالصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين وإطعام الجائع ، وذلك لأنها تصير محبطة باطلة بسبب كفرهم ، ولولا كفرهم لانتفعوا بها .
والوجه الثاني : أن المراد من تلك الأعمال عبادتهم للأصنام وما تكلفوه من كفرهم الذي ظنوه إيمانا وطريقا إلى الخلاص ، والوجه في خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالا عليهم .
والوجه الثالث : أن المراد من هذه الأعمال كلا القسمين ، لأنهم إذا رأوا الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت ، والأعمال التي ظنوها خيرات وأفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضا وصارت من أعظم الموجبات لعذابهم فلا شك أنه تعظم حسرتهم وندامتهم فلذلك قال تعالى : { ذلك هو الضلال البعيد } .
المسألة الثالثة : قرئ الرياح في يوم عاصف جعل العصف لليوم ، وهو لما فيه وهو الريح أو الرياح كقولك : يوم ماطر وليلة ساكرة ، وإنما السكور لريحها قال الفراء : وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف ، وإن شئت قلت : في يوم عاصف الريح فحذف ذكر الريح لكونه مذكورا قبل ذلك ، وقرئ في يوم عاصف بالإضافة .
المسألة الرابعة : قوله : { لا يقدرون مما كسبوا على شيء } أي لا يقدرون مما كسبوا على شيء منتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك لأنه ضاع بالكلية وفسد ، وهذه الآية دالة على كون العبد مكتسبا لأفعاله .
{ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد18 } .
مثل الذين كفروا : المثل في اللغة : بمعنى : الشبيه والنظير ؛ كالمثل والمثيل ، ويطلق على الحال والصفة التي لها شأن وفيها غرابة ، كما في هذه الآية وأمثالها مما تقدم مرارا ويأتي كثيرا .
في يوم عاصف : العصف : اشتداد الريح ، وصف به زمان هبوبها ؛ تقوية لشدتها ، وتوكيدا ، كما وصف النهار بالصيام ، والليل بالقيام في قولهم : نهاره صائم وليله قائم ؛ لكثير الصيام والقيام .
18 { مثل11 الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . . . } .
كان بعض الكفار يعمل الأعمال الصالحة كصلة الرحم ، أو يتقدم للأصنام بالقرابين ؛ طمعا في المثوبة وحسن الجزاء ، ولما كانت هذه الأعمال لم تبن على إيمان سليم ، ويقين بالله الواحد الأحد ، بين القرآن : أنها أعمال باطلة ضائعة ، ذاهبة كذهاب الرياح بالرماد عند شدة هبوبها .
والآية اشتملت على تشبيه بليغ ، ووجه الشبه الضياع والتفرق وعدم الانتفاع .
حال أعمال الذين كفروا ، في حبوطها وذهابها ، وعدم انتفاع الكافرين بها في الآخرة ، كحال رماد مجتمع ، أتت عليه عاصفة ، في يوم عاصف ، فبددت الرياح هذا الرماد بددا ، ولم تبق منه شيئا .
وقريب من هذا المعنى قوله تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } . ( الفرقان : 23 ) .
وقوله سبحانه : { لا يقدرون مما كسبوا على شيء } .
أي : لا يقدر هؤلاء الكفار على الاستفادة بأي شيء ، من جزاء ما عملوه من خير في هذه الدنيا ؛ فقد أضاع ثواب جميع أعمالهم ، الكفر والشرك بالله .
{ ذلك هو الضلال البعيد } . أي : ذلك الكفر ، والإشراك بالله ، { هو الضلال البعيد } ، أي : البالغ أقصى نهايته ، والموصل بصاحبه إلى الهلاك والعذاب .
نطق القرآن الكريم : بخلود الكافرين في النار خلودا أبديا ، قال تعالى : { وما هم بخارجين من النار } . ( البقرة : 167 ) .
لكن النار دركات ، وعذابها متنوع ، قال تعالى : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } . ( غافر : 46 ) .
وقد فهم بعض العلماء من هذه الآية وغيرها من الأحاديث الصحيحة : أن عدالة الله الكاملة ، وفضله وبره ، وكمال رحمته ، تأبى أن تضيع أعمال البر للكافرين ، ورأوا أن الله يخفف عنهم بعض العذاب في الآخرة ، كما أنه يعجل لهم بعض الجزاء في الدنيا ، واستشهدوا بقوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 8 ، 7 ) .
وقال عز شأنه : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } . ( الأنبياء : 47 ) .
وقد روى البخاري ومسلم : عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أغنيت عن عمك ، فإنه كان يحوطك ويغضب لك ! قال صلى الله عليه وسلم : ( هو في ضحضاح من النار ، ولولا أنا ؛ لكان في الدرك الأسفل من النار )12 .
والخلاصة : أن بعض العلماء ذهب على أن أعمال الكافرين ، التي عملوها في وجوه الخير ؛ كالصدقة وصلة الرحم ، ينتفعون بثوابها في الدنيا ، فيكافئهم الله عليها بنعم في دار الدنيا ، ولا ثواب لهم عليها في الآخرة ؛ لأنها بنيت على أساس ؛ حيث كانوا كافرين أو مشركين بالله . { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } . ( البينة : 5 ) .
ويرى بعض العلماء : أنه يجوز أن يخفف الله تعالى ، عذاب بعض الكفار في الآخرة ؛ بما لهم من حسنات عملوها في الدنيا ، معتمدين على الأساس العام الذي وضعه القرآن الكريم ، وهو : العدالة التامة وحسن الجزاء ، فلا يسوى بين كافر فاجر فاسق مفسد ، وكافر كف أذاه عن الناس ، أو ساهم في أعمال الخير والإصلاح ؛ فالأول يستحق أشد العذاب . وما دام في النار شديد وأشد ، وخفيف وأخف ؛ فإن الثاني يستحق تخفيف العذاب بمقدار ما قدم من أعمال13 ، والله تعالى أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.