مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ} (81)

قوله تعالى { والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون }

اعلم أن الإنسان إما أن يكون مقيما أو مسافرا ، والمسافر إما أن يكون غنيا يمكنه استصحاب الخيام والفساطيط ، أو لا يمكنه ذلك فهذه أقسام ثلاثة :

أما القسم الأول : فإليه الإشارة بقوله : { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } .

وأما القسم الثاني : فإليه الإشارة بقوله : { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا }

وأما القسم الثالث : فإليه الإشارة بقوله : { والله جعل لكم مما خلق ظلالا } وذلك لأن المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل بها فإنه لا بد وأن يستظل بشيء آخر كالجدران والأشجار وقد يستظل بالغمام كما قال : { وظللنا عليكم الغمام } .

ثم قال : { وجعل لكم من الجبال أكنانا } واحد الأكنان : كن على قياس أحمال وحمل ، ولكن المراد كل شيء وقي شيئا ، ويقال استكن وأكن إذا صار في كن .

واعلم أن بلاد العرب شديدة الحر ، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر شديدة ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة ، وأيضا البلاد المعتدلة والأوقات المعتدلة نادرة جدا والغالب إما غلبة الحر أو غلبة البرد . وعلى كل التقديرات فلا بد للإنسان من مسكن يأوي إليه ، فكان الإنعام بتحصيله عظيما ، ولما ذكر تعالى أمر المسكن ذكر بعده أمر الملبوس فقال : { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم } السرابيل : القمص واحدها سربال ، قال الزجاج : كل ما لبسته فهو سربال من قميص أو درع أو جوشن أو غيره ، والذي يدل على صحة هذا القول أنه جعل السرابيل على قسمين : أحدهما : ما يكون واقيا من الحر والبرد . والثاني : ما يتقي به عن البأس والحروب ، وذلك هو الجوشن وغيره ، وذلك يدل على أن كل واحد من القسمين من السرابيل .

فإن قيل : لم ذكر الحر ولم يذكر البرد ؟

أجابوا عنه من وجوه :

الوجه الأول : قال عطاء الخراساني : المخاطبون بهذا الكلام هم العرب وبلادهم حارة فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد كما قال : { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها } وسائر أنواع الثياب أشرف ، إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان إلفتهم بها أشد ، واعتيادهم للبسها أكثر ، ولذلك قال : { وننزل من السماء من جبال فيها من برد } لمعرفتهم بذلك وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه .

والوجه الثاني : في الجواب قال المبرد : إن ذكر أحد الضدين تنبيه على الآخر ، قلت ثبت في العلوم العقلية أن العلم بأحد الضدين يستلزم العلم بالضد الآخر ، فإن الإنسان متى خطر بباله الحر خطر بباله أيضا البرد ، وكذا القول في النور والظلمة والسواد والبياض ، فلما كان الشعور بأحدهما مستتبعا للشعور بالآخر ، كان ذكر أحدها مغنيا عن ذكر الآخر .

والوجه الثالث : قال الزجاج : ما وقى من الحر وقى من البرد ، فكان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر .

فإن قيل : هذا بالضد أولى ، لأن دفع الحر يكفي فيه السرابيل التي هي القمص من دون تكلف ، وأما البرد فإنه لا يندفع إلا بتكليف زائد .

قلنا : القميص الواحد لما كان دافعا للحر كان الاستكثار من القميص دافعا للبرد فصح ما ذكرناه ، وقوله : { وسرابيل تقيكم بأسكم } يعني دروع الحديد ، ومعنى البأس الشدة ، ويريد ههنا شدة الطعن والضرب والرمي .

واعلم أنه تعالى لما عدد أقسام نعمة الدنيا قال : { كذلك يتم نعمته عليكم } أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعمة الدنيا والدين عليكم : { لعلكم تسلمون } قال ابن عباس : لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية ، وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات أحد سواه ، ونقل عن ابن عباس أنه قرأ : { لعلكم تسلمون } بفتح التاء ، والمعنى : أنا أعطيناكم هذه السرابيلات لتسلموا عن بأس الحرب ، وقيل أعطيتكم هذه النعم لتتفكروا فيها فتؤمنوا فتسلموا من عذاب الله .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ} (81)

80

المفردات :

الظلال : ما يستظل به من الغمام والشجر والجبال وغيرها .

أكنانا : الأكنان : جمع كن ، وهو : الغار ونحوه في الجبل .

السرابيل : واحدها : سربال ، وهو القميص من القطن والكتان والصوف وغيرها ، وسرابيل الحرب : هي الجواشن والدروع .

البأس : الشدة ويراد به هنا الحرب .

التفسير :

{ والله جعل لكم مما خلق ظلالا . . . } .

يحتاج الإنسان إلى الظل خصوصا في البلاد الحارة ، وخصوصا الفقراء الذين لا مأوى لهم ، فيستفيدون بظل الأشجار والجبال والجدران ؛ لتقيهم من الحر الشديد .

{ وجعل لكم من الجبال أكنانا }أي : وجعل لكم من الجبال مواضع تستكنون فيها ، وتهدءون للعبادة والتأمل والبعد عن صخب الحياة ؛ في المغارات والكهوف ونحوها .

{ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } .

من نعم الله : أنه يسر لنا الثياب التي نتجمل بها ، ونتقي بها الحر والبرد ، وقد استغنى بذكر أحد المتقابلين عن الآخر ، ولأن بلاد العرب يغلب عليها الحر فاكتفى به ، وقيل : لأن ما يقي من الحر يقي من البرد .

{ وسرابيل تقيكم بأسكم } .

وتوجد ملابس أخرى من الدروع وحلل الحرب وما يشبهها ، تتقون بها الطعنات والضربات التي تسدد إليكم في حالة الحرب ، وفيه دليل على اتخاذ عدة الحرب ، والتمرين على استخدامها في الجهاد ؛ ليستعان بها على قتال الأعداء ، وقد لبسها النبي صلى الله عليه وسلم .

{ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } . أي : إن الله يتم عليكم النعم في المسكن والملبس ، والأثاث وعدة الحرب ، وأنعم الدين والدنيا ، لعلكم تسلمون لله وجوهكم وقلوبكم ؛ بالدخول في الإسلام فتسعدوا بنعيم الدنيا والآخرة ؛ فإن العاقل إذا أسدى إليه المعروف ؛ شكر من أنعم به عليه ؛ كما قال المتنبي :

وقيدت نفسي في دارك محبة *** ومن وجد الإحسان قيدا فقيدا