قوله تعالى { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } .
اعلم أن عادته تعالى في القرآن أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص ليفيد الإعتبار للسامع ، ويحمله ذلك الإعتبار على ترك التمرد والعناد ، ومزيد الخضوع والانقياد فقال : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } أما قوله : { ألم تر } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الرؤية قد تجىء بمعنى رؤية البصيرة والقلب ، وذلك راجع إلى العلم ، كقوله : { وأرنا مناسكنا } معناه : علمنا ، وقال : { لتحكم بين الناس بما أراك الله } أي علمك ، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به ، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء : ألم تر إلى ما جرى على فلان ، فيكون هذا ابتداء تعريف ، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية ، ويجوز أن نقول : كان العلم بها سابقا على نزول هذه الآية ، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم .
المسألة الثانية : هذا الكلام ظاهره خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته ، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب معه ، كقوله تعالى : { يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } .
المسألة الثالثة : دخول لفظة { إلى } في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين } يحتمل أن يكون لأجل أن { إلى } عندهم حرف للانتهاء كقولك : من فلان إلى فلان ، فمن علم بتعليم معلم ، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه ، فحسن من هذا الوجه دخول حرف { إلى } فيه ، ونظيره قوله تعالى : { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } .
أما قوله : { إلى الذين خرجوا من ديارهم } ففيه روايات أحدها : قال السدي : كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها ، والذين بقوا مات أكثرهم ، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء ، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا سالمين ، فقال من بقي من المرضى : هؤلاء أحرص منا ، لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات ، ولئن وقع الطاعون ثانيا خرجنا فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا ، فلما خرجوا من ذلك الوادي ، ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا ، فهلكوا وبليت أجسامهم ، فمر بهم نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهما وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك كيف أحييهم ؟ فقال نعم فقيل له : ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام ثم أوحى الله إليه : ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما ودما ، فصارت لحما ودما ، ثم قيل : ناد إن الله يأمرك أن تقومي فقامت ، فلما صاروا أحياء قاموا ، وكانوا يقولون : «سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت » ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم ، وكانت أمارات أنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم .
الرواية الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال ، فخافوا القتال وقالوا لملكهم : إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء ، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء ، فأماتهم الله تعالى بأسرهم ، وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا ، وبلغ بني إسرائيل موتهم ، فخرجوا لدفنهم ، فعجزوا من كثرتهم ، فحظروا عليهم حظائر ، فأحياهم الله بعد الثمانية ، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم ، واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى عقيب هذه الآية { وقاتلوا في سبيل الله } .
والرواية الثالثة : أن حزقيل النبي عليه السلام ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا ، فأرسل الله عليهم الموت ، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا من الموت ، فلما رأى حزقيل ذلك قال : اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك ، فأرسل الله عليهم الموت ، ثم إنه عليه السلام ضاق صدره بسبب موتهم ، فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى .
أما قوله تعالى : { وهم ألوف } ففيه قولان الأول : أن المراد منه بيان العدد ، واختلفوا في مبلغ عددهم ، قال الواحدي رحمه الله : ولم يكونوا دون ثلاثة آلاف ، ولا فوق سبعين ألفا ، والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف لأن الألوف جمع الكثرة ، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف .
والقول الثاني : أن الألوف جمع آلاف كقعود وقاعد ، وجلوس وجالس ، والمعنى أنهم كانوا مؤتلفي القلوب ، قال القاضي : الوجه الأول أولى ، لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة يفيد مزيد اعتبار بحالهم ، لأن موت جمع عظيم دفعة واحدة لا يتفق وقوعه يفيد اعتبارا عظيما ، فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة ، كوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير ولا يختلف .
ويمكن أن يجاب عن هذا السؤال بأن المراد كون كل واحد منهم آلفا لحياته ، محبا لهذه الدنيا فيرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم : { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } ثم إنهم مع غاية حبهم للحياة والفهم بها ، أماتهم الله تعالى وأهلكهم ، ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه من الموت فهذا القول على هذا الوجه ليس في غاية البعد .
أما قوله : { حذر الموت } فهو منصوب لأنه مفعول له ، أي لحذر الموت ، ومعلوم أن كل أحد يحذر الموت ، فلما خص هذا الموضع بالذكر ، علم أن سبب الموت كان في تلك الواقعة أكثر ، إما لأجل غلبة الطاعون أو لأجل الأمر بالمقاتلة .
أما قوله تعالى : { فقال لهم الله موتوا } ففي تفسير { قال الله } وجهان الأول : أنه جار مجرى قوله : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } وقد تقدم أنه ليس المراد منه إثبات قول ، بل المراد أنه تعالى متى أراد ذلك وقع من غير منع وتأخير ، ومثل هذا عرف مشهور في اللغة ، ويدل عليه قوله : { ثم أحياهم } فإذا صح الإحياء بالقول ، فكذا القول في الإماتة .
والقول الثاني : أنه تعالى أمر الرسول أن يقول لهم : موتوا ، وأن يقول عند الإحياء ما رويناه عن السدي ، ويحتمل أيضا ما رويناه من أن الملك قال ذلك ، والقول الأول أقرب إلى التحقيق .
أما قوله تعالى : { ثم أحياهم } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الآية دالة على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا فوجب القطع به ، وذلك لأنه في نفسه جاء والصادق أخبر عن وقوعه فوجب القطع بوقوعه ، أما الإمكان فلأن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن ، وإلا لما وجد أولا ، واحتمال تلك الأجزاء للحياة ممكن وإلا لما وجد أولا ، ومتى ثبت هذا فقد ثبت الإمكان ، وأما إن الصادق قد أخبر عنه ففي هذه الآية ، ومتى أخبر الصادق عن وقوع ما ثبت في العقل إمكان وقوعه وجب القطع به .
المسألة الثانية : قالت المعتزلة : إحياء الميت فعل خارق للعادة ، ومثل هذا لا يجوز من الله تعالى إظهاره إلا عندما يكون معجزة لنبي ، إذ لو جاز ظهوره لا لأجل أن يكون معجزة لنبي لبطلت دلالته على النبوة ، وأما عند أصحابنا فإنه يجوز إظهار خوارق العادات لكرامة الولي ، ولسائر الأغراض ، فكأن هذا الحصر باطلا ، ثم قالت المعتزلة : وقد روي أن هذا الإحياء إنما وقع في زمان حزقيل النبي عليه السلام ببركة دعائه ، وهذا يحقق ما ذكرناه من أن مثل هذا لا يوجد إلا ليكون معجزة للأنبياء عليهم السلام ، وقيل : حزقيل هو ذو الكفل ، وإنما سمي بذلك لأنه تكفل بشأن سبعين نبيا وأنجاهم من القتل ، وقيل : إنه عليه السلام مر بهم وهم موتى فجعل يفكر فيهم متعجبا ، فأوحى الله تعالى إليه : إن أردت أحييتهم وجعلت ذلك الإحياء آية لك ، فقال : نعم فأحياهم الله تعالى بدعائه .
المسألة الثالثة : أنه قد ثبت بالدلائل أن معارف المكلفين تصير ضرورية عند القرب من الموت : وعند معاينة الأهوال والشدائد ، فهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم لا يخلو إما أن يقال إنهم عاينوا الأهوال والأحوال التي معها صارت معارفهم ضرورية ، وإما ما شاهدوا شيئا من تلك الأهوال بل الله تعالى أماتهم بغتة ، كالنوم الحادث من غير مشاهدة الأهوال ألبتة ، فإن كان الحق هو الأول ، فعندما أحياهم يمتنع أن يقال : إنهم نسوا تلك الأهوال ونسوا ما عرفوا به ربهم بضرورة العقل ، لأن الأحوال العظيمة لا يجوز نسيانها مع كمال العقل ، فكان يجب أن تبقى تلك المعارف الضرورية معهم بعد الإحياء ، وبقاء تلك المعارف الضرورية يمنع من صحة التكليف ، كما أنه لا يبقى التكليف في الآخرة ، وإما أن يقال : إنهم بقوا بعد الإحياء غير مكلفين ، وليس في الآية ما يمنع منه ، أو يقال : إن الله تعالى حين أماتهم ما أراهم شيئا من الآيات العظيمة التي تصير معارفهم عندها ضرورية ، وما كان ذلك الموت كموت سائر المكلفين الذين يعاينون الأهوال عند القرب من الموت ، والله أعلم بحقائق الأمور .
المسألة الرابعة : قال قتادة : إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم ، وهذا القول فيه كلام كثير وبحث طويل .
أما قوله تعالى : { إن الله لذو فضل على الناس } ففيه وجوه أحدها : أنه تفضل على أولئك الأقوام الذين أماتهم بسبب أنه أحياهم ، وذلك لأنهم خرجوا من الدنيا على المعصية ، فهو تعالى أعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي وثانيها : أن العرب الذين كانوا ينكرون المعاد كانوا متمسكين بقول اليهود في كثير من الأمور ، فلما نبه الله تعالى اليهود على هذه الواقعة التي كانت معلومة لهم ، وهم يذكرونها للعرب المنكرين للمعاد ، فالظاهر أن أولئك المنكرين يرجعون من الدين الباطل الذي هو الإنكار إلى الدين الحق الذي هو الإقرار بالبعث والنشور فيخلصون من العقاب ، ويستحقون الثواب ، فكان ذكر هذه القصة فضلا من الله تعالى وإحسانا في حق هؤلاء المنكرين وثالثها : أن هذه القصة تدل على أن الحذر من الموت لا يفيد ، فهذه القصة تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان ، وتزيل عن قلبه الخوف من الموت ، فكان ذكر هذه القصة سببا لبعد العبد عن المعصية وقربه من الطاعة التي بها يفوز بالثواب العظيم ، فكان ذكر هذه القصة فضلا وإحسانا من الله تعالى على عبده ، ثم قال : { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } وهو كقوله : { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } .
{ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون( 243 ) }
ألم تر : تعجب وتقرير لمن سمع بقصتهم ، وقد يخاطب به من لم ير ولم يسمع فإنه صار مثلا في التعجب .
تنبه أيها النبي إلى القصة العجيبة واعلمها ، وهي حالة القوم الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد ، خشية الموت فيه ، وهو ألوف كثيرة فقضى الله عليهم بالموت والهون من أعدائهم ، حتى إذا استبسلت بقيتهم ، وقامت بالجهاد أحيا الله جماعتهم به ، وإن هذه الحياة العزيزة بعد الذلة المميتة من فضل الله ، الذي يستوجب الشكران ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون .
{ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم . . . }
المعنى : ألم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف وكانوا فوق عشرة لآلاف لأن العشرة فما دونها جمع قلة ، فيقال فيها : آلاف ، ولا يقال ألوف إلا لجمع الكثرة الذي يزيد عن العشرة .
ولذا روى عن ابن عباس : أنهم كانوا أربعين ألفا ، كما في بعض الروايات عنه ، وكان خروجهم بهذه الكثرة ، خوفا من الموت وحذرا منه ، مع أن الحذر لا يمنع من القدر ، فإذا جاء أجلهم معا أو متفرقين لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون .
ويرى بعض المفسرون : أن هذه الآية الكريمة تنبئنا عن قوم من بني إسرائيل دعا إلى الجهاد في سبيل الله ، فخرجوا من ديارهم فرارا منه ، حتى لا يموتوا مع أنهم كانوا ألوفا ، فلا ينبغي لهم أن يفروا لأن من عاداتهم أن يجبنوا عن القتال ، كما حدث عندما أمرهم موسى عليه السلام بقتال الجبارين ، فقالوا له : { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون }( المائدة : 24 ) . فأماتهم الله جميعا عقابا لهم على فرارهم ، ثم أحياهم ليبين لهم قدرة الله عليهم ، وأنه لا ينفعهم الفرار من القتال ، إن كان الموت فيه مكتوبا عليهم ، فقد يموت المرء بدون قتال ، كما حدث لهم .
ويقول صاحب هذا الرأي : إنه تعالى بعد أن أحياهم أمرهم بالقتال فقال لهم : { وقاتلوا في سبيل الله } ( البقرة : 244 ) لعلهم يعتبرون بذلك فيخلصون في الجهاد .
وقال ابن عطية منكرا لهذا وأمثاله من القصص : وهذا القصص كله لين الأسانيد ، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف ، عن قوم من البشر ، خرجوا من ديارهم فرارا من الموت ، فأماتهم الله ثم أحياهم ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره ، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر . وقد جعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد . هذا قول الطبري . وهو ظاهر معنى الآية .
ويرى الشيخ محمد عبده : أن هذا مثل لا قصة واقعية ، وأن الموت هنا مجازي .
وخلاصة رأيه : أن هؤلاء القوم فروا أمام أعدائهم دون قتال ، وتركوا أوطانهم غنيمة للأعداء ، فعاشوا أذلاء مشردين ، في حياة أشبه بالموت ، فلما عرفوا جنايتهم على أنفسهم عادوا إلى جهاد أعدائهم وتحرير أوطانهم ، فاستردوا كرامتهم وعاشوا حياة كريمة جديرة بالمجاهدين الأبطال .
ويرى آخرون : أنها تتحدث عن قوم نزل ببلادهم وباء الطاعون ، فعمها بأسباب الموت فظنوا أن فرارهم من هذا الوباء سيكفل لهم النجاة من الموت ، فأماتهم الله عقابا لهم ، فلكل أجل عند الله كتاب وقدر ، وقد فاتهم أنهم سينقلون معهم وباء الطاعون ، إلى بلاد خالية منه وتلك جريمة أخرى . وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن هذا السقم ، عذب به الأمم قبلكم ، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه ، أخرجه الإمام عن عمر . وللشيوخ نحوه .
وهذا الإرشاد منه صلى الله عليه وسلم مطابق لأحدث النظم الصحية وهو ما يعرف اليوم بالحجر الصحي .
والتعبير بقوله تعالى : { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } . إما على ظاهره ، وإما مجاز عن تعلق إرادة الله تعالى بموتهم دفعة واحدة .
وقيل : هو تمثيل لإماتتهم ميتة نفس واحدة ، في أسرع زمان ، بأمر مطاع لمأمور مطيع .
والله يعلم مقدار المدة التي ظلوا فيها أمواتا . ولكنها لابد متراخية فترة عن إماتتهم ، كما يوحي به العطف ب ثم في قوله تعالى : { ثم أحياهم } : أي ثم أعادهم الله إلى الحياة مرة أخرى . بعد فترة موت ليستوفوا آجالهم ، وليؤمنوا بقضاء الله وقدره ، وليكووا عبرة يعتبرون بها هم وغيرهم ، وليظل فضل الله الذي عبر عنه قوله تعالى : { إن الله لذو فضل على الناس } . بما أنعم عليهم من نعمة الخلق ونعمة البقاء والرزق ، وبما يريهم من الآيات الباهرة ، والحجج القاطعة التي تنفعهم في دينهم .
وبين الأستاذ سيد قطب الحكمة المقصودة بقوله : " إن الحذر من الموت لا يجدي ، وإن الفزع والهلع لا يزيدان الحياة ولا يمدان أجلا ولا يردان قضاء ، وإن الله هو واهب لحياة وهو آخذ الحياة وأنه متفضل في الحالتين حين يهب ، وحين يسترد ، والحكمة الإلهية الكبرى كامنة خلف الهبة وخلف الاسترداد ، وأن مصلحة الناس متحققة في هذا وذك ، وأن فضل الله متحقق في الأخذ والمنح سواء " ( 296 ) .
{ إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون }
أي أن الله تعالى لصاحب تفضل دائم على الناس حيث أوجدهم بهذه الصورة الحسنة ، وخلق لهم عقولا ليهتدوا به إلى طريق الخير ، وسخر لهم الكثير مما في هذا الكون ، فمن الواجب عليهم أن يشكروه وأن يطيعوه ، ولكن الذي حدث منهم أن أكثرهم لا يشكرون اله تعالى على ما منحهم من نعم .
وفي قوله : { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } . إنصاف للقلة الشاكرة منهم ومديح لهم على استقامتهم وقوة إيمانهم .