قوله تعالى{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم } .
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم { وصية } بالرفع ، والباقون بالنصب ، أما الرفع ففيه أقوال الأول : أن قوله : { وصية } مبتدأ وقوله : { لأزواجهم } خبر ، وحسن الابتداء بالنكرة ، لأنها متخصصة بسبب تخصيص الموضع ، كما حسن قوله : سلام عليكم ، وخير بين يديك والثاني : أن يكون قوله : { وصية لأزواجهم } مبتدأ ، ويضمر له خبر ، والتقدير فعليهم وصية لأزواجهم ، ونظيره قوله : { فنصف ما فرضتم ، فدية مسلمة ، فصيام ثلاثة أيام } والثالث : تقدير الآية : الأمر وصية ، أو المفروض ، أو الحكم وصية ، وعلى هذا الوجه أضمرنا المبتدأ والرابع : تقدير الآية : كتب عليكم وصية والخامس : تقديره : ليكون منكم وصية والسادس : تقدير الآية : ووصية الذين يتوفون منكم وصية إلى الحول ، وكل هذه الوجوه جائزة حسنة ، وأما قراءة النصب ففيها وجوه الأول : تقدير الآية فليوصوا وصية والثاني : تقديرها : توصون وصية ، كقولك : إنما أنت سير البريد أي تسير سير البريد الثالث : تقديرها : ألزم الذين يتوفون وصية .
أما قوله تعالى : { متاعا } ففيه وجوه الأول : أن يكون على معنى : متعوهن متاعا ، فيكون التقدير : فليوصوا لهن وصية ، وليمتعوهن متاعا الثاني : أن يكون التقدير : جعل الله لهن ذلك متاعا لأن ما قبل الكلام يدل على هذا الثالث : أنه نصب على الحال .
أما قوله : { غير إخراج } ففيه قولان الأول : أنه نصب بوقوعه موقع الحال كأنه قال : متعوهن مقيمات غير مخرجات والثاني : انتصب بنزع الخافض ، أراد من غير إخراج .
المسألة الثانية : في هذه الآية ثلاثة أقوال الأول : وهو اختيار جمهور المفسرين ، أنها منسوخة ، قالوا : كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة ، وكان الحول عزيمة عليها في الصبر عن التزوج ، ولكنها كانت مخيرة في أن تعتد إن شاءت في بيت الزوج ، وإن شاءت خرجت قبل الحول ، لكنها متى خرجت سقطت نفقتها ، هذا جملة ما في هذه الآية ، لأنا إن قرأنا { وصية } بالرفع ، كان المعنى : فعليهم وصية ، وإن قرأناها بالنصب ، كان المعنى : فليوصوا وصية ، وعلى القراءتين هذه الوصية واجبة ، ثم إن هذه الوصية صارت مفسرة بأمرين أحدهما : المتاع والنفقة إلى الحول والثاني : السكنى إلى الحول ، ثم أنزل تعالى أنهن إن خرجن فلا جناح عليكم في ذلك ، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين أحدهما : وجوب النفقة والسكنى من مال الزوج سنة والثاني : وجوب الاعتداد سنة ، لأن وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنة توجب المنع من التزوج بزوج آخر في هذه السنة ، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين ، أما الوصية بالنفقة والسكنى فلأن القرآن دل على ثبوت الميراث لها ، والسنة دلت على أنه لا وصية لوارث ، فصار مجموع القرآن والسنة ناسخا للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في الحول ، وأما وجوب العدة في الحول فهو منسوخ بقوله : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } فهذا القول هو الذي اتفق عليه أكثر المتقدمين والمتأخرين من المفسرين .
القول الثاني : وهو قول مجاهد : أن الله تعالى أنزل في عدة المتوفى عنها زوجها آيتين أحدهما : ما تقدم وهو قوله : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } والأخرى : هذه الآية ، فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين . فنقول : إنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها ، كانت عدتها أربعة أشهر وعشرا على ما في تلك الآية المتقدمة ، وأما إن اختارت السكنى في دار زوجها ، والأخذ من ماله وتركته ، فعدتها هي الحول ، وتنزيل الآيتين على هذين التقديرين أولى ، حتى يكون كل واحد منهما معمولا به .
القول الثالث : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني : أن معنى الآية : من يتوفى منكم ويذرون أزواجا ، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح ، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة ، قال : والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولا كاملا ، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول ، فبين الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب ، وعلى هذا التقدير فالنسخ زائل ، واحتج على قوله بوجوه أحدها : أن النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه بقدر الإمكان الثاني : أن يكون الناسخ متأخرا عن المنسوخ في النزول ، وإذا كان متأخرا عنه في النزول كان الأحسن أن يكون متأخرا عنه في التلاوة أيضا ، لأن هذا الترتيب أحسن ، فأما تقدم الناسخ على المنسوخ في التلاوة ، فهو وإن كان جائزا في الجملة ، إلا أنه يعد من سوء الترتيب وتنزيه كلام الله تعالى عنه واجب بقدر الإمكان ولما كانت هذه الآية متأخرة عن تلك التلاوة ، كان الأولى أن لا يحكم بكونها منسوخة بتلك .
الوجه الثالث : وهو أنه ثبت في علم أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين النسخ وبين التخصيص ، كان التخصيص أولى ، وههنا إن خصصنا هاتين الآيتين بالحالتين على ما هو قول مجاهد اندفع النسخ فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل ، وأما على قول أبي مسلم فالكلام أظهر ، لأنكم تقولون تقدير الآية : فعليهم وصية لأزواجهم ، أو تقديرها : فليوصوا وصية ، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى ، وأبو مسلم يقول : بل تقدير الآية : والذين يتوفون منكم ولهم وصية لأزواجهم ، أو تقديرها : وقد أوصوا وصية لأزواجهم ، فهو يضيف هذا الكلام إلى الزوج ، وإذا كان لا بد من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضماره ، ثم على تقدير أن يكون الإضمار ما ذكرتم يلزم تطرق النسخ إلى الآية ، وعند هذا يشهد كل عقل سليم بأن إضمار أبي مسلم أولى من إضماركم ، وأن التزام هذا النسخ التزام له من غير دليل ، مع ما في القول بهذا النسخ من سوء الترتيب الذي يجب تنزيه كلام الله تعالى عنه ، وهذا كلام واضح .
وإذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية من أولها إلى آخرها تكون جملة واحدة شرطية ، فالشرط هو قوله : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } فهذا كله شرط ، والجزاء هو قوله : { فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن من معروف } فهذا تقرير قول أبي مسلم ، وهو في غاية الصحة .
المسألة الثالثة : المعتدة عن فرقة الوفاة لا نفقة لها ولا كسوة ، حاملا كانت أو حائلا ، وروي عن علي عليه السلام وابن عمر رضي الله عنهما ، أن لها النفقة إذا كانت حاملا ، وعن جابر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا لا نفقة لها حسبها الميراث ، وهل تستحق السكنى فيه قولان أحدهما : لا تستحق السكنى وهو قول علي عليه السلام وابن عباس وعائشة ، ومذهب أبي حنيفة واختيار المزني والثاني : تستحق وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وأم سلمة رضي الله عنهم وبه قال مالك والثوري وأحمد ، وبناء القولين على خبر فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قتل زوجها قالت : فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما تركني في منزل يملكه فقال عليه السلام : « نعم فانصرفت حين إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله » ، واختلفوا في تنزيل هذا الحديث ، قيل لم يوجب في الابتداء ، ثم أوجب فصار الأول منسوخا ، وقيل : أمرها بالمكث في بيتها أمرا على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب ، واحتج المزني رحمه الله على أنه لا سكنى لها ، فقال : أجمعنا على أنه لا نفقة لها ، لأن الملك انقطع بالموت ، فكذلك السكنى ، بدليل أنهم أجمعوا على أن من وجب له نفقة وسكنى من والد وولد على رجل فمات انقطعت نفقتهم وسكناهم ، لأن ماله صار ميراثا للورثة ، فكذا ههنا .
أجاب الأصحاب فقالوا : لا يمكن قياس السكنى على النفقة لأن المطلقة الثلاث تستحق السكنى بكل حال ولا تستحق النفقة لنفسها عند المزني ولأن النفقة وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع ولا يمكن ههنا ، وأما السكنى فوجبت لتحصين النساء وهو موجود ههنا فافترقا .
إذا عرفت هذا فنقول : القائلون بأن هذه الآية منسوخة لا بد وأن يختلف قولهم بسبب هذه المسألة ، وذلك لأن هذه الآية توجب النفقة والسكنى ، أما وجوب النفقة فقد صار منسوخا ، وأما وجوب السكنى فهل صار منسوخا أم لا ؟ والكلام فيه ما ذكرناه .
المسألة الرابعة : القائلون بأن هذه الوصية كانت واجبة أوردوا على أنفسهم سؤالا فقالوا : الله تعالى ذكر الوفاة ، ثم أمر بالوصية ، فكيف يوصي المتوفي ؟ وأجابوا عنه بأن المعنى : والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها وجواب آخر وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى بمعنى أمره وتكليفه ، كأنه قيل : وصية من الله لأزواجهم ، كقوله : { يوصيكم الله فى أولادكم } وإنما يحسن هذا المعنى على قراءة من قرأ بالرفع .
أما قوله تعالى : { فلا جناح عليكم } فالمعنى : لا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين ، ومن الإقدام على النكاح ، وفي رفع الجناح وجهان أحدهما : لا جناح في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول والثاني : لا جناح عليكم في ترك منعهم من الخروج ، لأن مقامها حولا في بيت زوجها ليس بواجب عليها .
{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزوجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم( 240 ) وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين( 241 ) كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون( 242 ) }
متاعا إلى الحول غير إخراج : أي أن المتوفى يوصي قبل موته أن تتمتع امرأته حولا كاملا بالسكنى والنفقة غير مخرجة من بيت زوجها مدة حول .
{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف }
هذه الأحكام تتمة ما في السورة من أحكام الأزواج ، وقد جاء ذكر الصلاة أثناء الحديث عن أحكام المطلقات ، حقا للمؤمنين على مراقبة الله تعالى وطاعته عند انفصام الحياة الزوجية وانتهائها .
ومعنى الآية : والذين يتوقعون قرب الوفاة منكم أيها المسلمون ويتركون بعدهم زوجات كتب الله عليكم أيها الأزواج قبل الاحتضار ، وصية لهن بأن يمتعن بعدكم بالنفقة والسكنى إلى نهاية عام كامل بعد الوفاة ، غير مخرجات من مساكنهم طيلة الحول أي لا يخرجن منه أولياء الميت .
وجمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة ، فقد راعى القرآن التدرج في التشريع فشرع عدة المتوفى عنها زوجها سنة كاملة ، ولم يكن لها حق في الميراث وإنما لها الحق في السكنى والنفقة في منزل الزوج .
وقد علم أنه كان من عادة العرب إلزام المرأة زوجها المتوفى سنة كاملة .
فبينت هذه الآية أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها سنة ، ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى :
{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا }( البقرة : 234 ) .
والآية التي معنا وإن تأخرت تلاوة ، إلا أنها متقدمة في النزول .
قال المفسرون : إن المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيته حولا وينفق عليها من ماله ما لم تخرج المنزل ، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها ، ثم نسخ الحول بالأربعة أشهر والعشر ، ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة النساء( 291 ) .
قال ذلك ابن عباس وقتادة وغيرهما .
قالوا : " ومما يشهد لذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : " نسخت بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع والثمن ، نسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا " ( 292 ) .
وبعض المفسرين الآخرين ذهب إلى أن هذه الحكمة وليست منسوخة ، وممن ذهب إلى هذا الرأي مجاهد ، فقد قال ما ملخصه دلت الآية الأولى وهي : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } . على أن عدتها المفروضة تعتدها عند أهل زوجها ، ودلت هذه الآية بزيادة سبعة أشهر وعشرين ليلة على العدة السابقة تمام الحول ، وان ذلك من باب الوصية بالزوجات ، أن يمكن بالسكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا ، ولا يمنعن من ذلك لقوله " غير إخراج " فإذا انقضت عدتهم بالأربعة أشهر والعشر أو بوضع الحمل واخترن لخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله تعالى : { فإن خرجن . . . }الآية .
ومن المفسرين الذين أيدوا هذا الرأي الإمام ابن كثير في تفسيره فقال : ورأى مجاهد له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له ، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس ابن تيمية( 293 ) .
كما روى هذا الرأي الطبري عن مجاهد . وقال القرطبي : ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت .
كما أيد أيضا الإمام فخر الرازي في تفسيره ، فقد قال بعد أن ساق بعض الأدلة التي تثبت ضعف قول من قال بالنسخ : " فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزم النسخ من غير دليل " ( 294 ) .
ويتضح لك أن أصحاب الرأي الثاني لا يرون معارضة بين هذه الآية ، وبين آية : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ، لأن الآية التي معنا لا تتحدث عن عدة المتوفى عنها زوجها ، وإنما تتحدث عن حقها في البقاء في منزل الزوجية بعد وفاة زوجها ، وأن هذا الحق ثابت لها فإن شاءت بقيت فيه ، وإن شاءت خرجت منه على حسب ما تراه مصلحة لها ، ولأنها لا يوجد في ألفاظها أو معانيها ما يلزم المرأة بالتربص والامتناع عن الأزواج مدة معينة .
أم الآية الثانية فتراها واضحة في الأمر بالتربص أربعة أشهر وعشرا وهي العدة التي يجب أن تمتنع فيها المرأة التي مات عنها زوجها عن التزين والتعرض للزواج ، إذن فلا تعارض بيت الآيتين ، ومتى انتفى التعارض انتفى النسخ .
فهو سبحانه قوي قادر على أمره ، حكيم فيما شرع لعباده من آداب وأحكام .