قوله تعالى : { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور } .
القراءة قرأ الحسن { من البعث } بالتحريك ونظيره الحلب والطرد في الحلب وفي الطرد و{ مخلقة وغير مخلقة } بجر التاء والراء ، وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما القراءة المعروفة بالنون في قوله : { لنبين } وفي قوله : { ونقر } وفي قوله : { ثم نخرجكم طفلا } ابن أبي عبلة بالياء في هذه الثلاثة ، أما القراءة بالنون ففيها وجوه : أحدها : القراءة المشهورة وثانيها : روى السيرافي عن داود عن يعقوب ونقر بفتح النون وضم القاف والراء وهو من قر الماء إذا صبه ، وفي رواية أخرى عنه كذلك إلا أنه بنصب الراء وثالثها : ونقر ونخرجكم بنصب الراء والجيم أما القراءة بالياء ففيها وجوه : أحدها : يقر ويخرجكم بفتح القاف والراء والجيم وثانيها : يقر ويخرجكم بضم القاف والراء والجيم وثالثها : بفتح الياء وكسر القاف وضم الراء أبو حاتم { ومنكم من يتوفي } بفتح الياء أي يتوفاه الله تعالى ابن عمرة والأعمش { العمر } بإسكان الميم القراءة المعروفة { ومنكم من يتوفي ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } وفي حرف عبد الله ومنكم من يتوفي ومنكم من يكون شيوخا بغير القراءة المعروفة وربت أبو جعفر وربأت أي ارتفعت ، وروى العمري عنه بتليين الهمزة وقرئ وأنه باعث .
المعاني : اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم في إثبات الحشر والنشر وذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين : أحدهما : الاستدلال بخلقة الحيوان أولا وهو موافق لما أجمله في قوله : { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } وقوله : { فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة } فكأنه سبحانه وتعالى قال : إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث ، فتذكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولا قادر على خلقكم ثانيا ، ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أمورا سبعة : المرتبة الأولى : قوله : { فإنا خلقناكم من تراب } وفيه وجهان : أحدهما : إنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه السلام من تراب ، لقوله : { كمثل آدم خلقه من تراب } وقوله : { منها خلقناكم } ، والثاني : أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية ، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ينتهي قطعا للتسلسل إلى النبات ، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء ، فصح قوله : { إنا خلقناكم من تراب } المرتبة الثانية : قوله : { ثم من نطفة } والنطفة اسم للماء القليل أي ماء كان ، وهو ههنا ماء الفحل فكأنه سبحانه يقول : أنا الذي قلبت ذلك التراب اليابس ماء لطيفا ، مع أنه لا مناسبة بينهما البتة . المرتبة الثالثة : قوله : { ثم من علقة } العلقة قطعة الدم الجامدة ، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة . المرتبة الرابعة : قوله : { ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء } فالمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ ، والمخلقة المسواة الملساء السالمة من النقصان والعيب ، يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه ، من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء . ثم للمفسرين فيه أقوال : أحدها : أن يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق ومن لم تتم ، كأنه سبحانه قسم المضغة إلى قسمين : أحدهما : تامة الصور والحواس والتخاطيط . وثانيهما : الناقصة في هذه الأمور فبين أن بعد أن صيره مضغة منها ما خلقه إنسانا تاما بلا نقص ومنها ما ليس كذلك وهذا قول قتادة والضحاك ، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فتبع ذلك التفاوت ، تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم . وثانيها : المخلقة الولد الذي يخرج حيا وغير المخلقة السقط وهو قول مجاهد . وثالثها : المخلقة المصورة وغير المخلقة أي غير المصورة وهو الذي يبقى لحما من غير تخطيط وتشكيل واحتجوا بما روى علقمة عن عبد الله قال : «إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكا وقال يا رب مخلقة أو غير مخلقة ، فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دما ، وإن قال مخلقة ، قال يا رب فما صفتها ، أذكر أم أنثى ، ما رزقها ، ما أجلها ، أشقى ، أم سعيد ؟ فيقول الله سبحانه انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة ، فينطلق الملك فينسخها ، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها » ورابعها : قال القفال : التخليق مأخوذ من الخلق فما تتابع عليه الأطوار وتوارد عليه الخلق بعد الخلق فذاك هو المخلق لتتابع الخلق عليه ، قالوا فما تم فهو المخلق وما لم يتم فهو غير المخلق ، لأنه لم يتوارد عليه التخليقات . والقول الأول أقرب لأنه تعالى قال في أول الآية : { فإنا خلقناكم } وأشار إلى الناس فيجب أن تحمل مخلقة وغير مخلقة على من سيصير إنسانا وذلك يبعد في السقط لأنه قد يكون سقطا ولم يتكامل فيه الخلقة فإن قيل هلا حملتم ذلك على السقط لأجل قوله : { ونقر في الأرحام ما نشاء } وذلك كالدلالة على أن فيه مالا يقره في الرحم وهو السقط ، قلنا إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا في كون المضغة مخلقة وغير مخلقة ، لأنه بعد أن تمم خلقة البعض ونقص خلقة البعض لا يجب أن يتكامل ذلك بل فيه ما يقره الله في الرحم وفيه مالا يقره وإن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط .
أما قوله تعالى : { لنبين لكم } ففيه وجهان : أحدهما : لنبين لكم أن تغيير المضغة إلى المخلقة هو باختيار الفاعل المختار ، ولولاه لما صار بعضه مخلقا وبعضه غير مخلق . وثانيهما : التقدير إن كنتم في ريب من البعث فإنا أخبرناكم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب في أمر بعثكم ، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزا عن الإعادة .
أما قوله تعالى : { ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى } فالمراد منه من يبلغه الله تعالى حد الولادة ، والأجل المسمى هو الوقت المضروب للولادة وهو آخر ستة أشهر ، أو تسعة ، أو أربع سنين أو كما شاء وقدر الله تعالى فإن كتب ذلك صار أجلا مسمى . المرتبة الخامسة : قوله : { ثم نخرجكم طفلا } وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس ويحتمل أن يخرج كل واحد منكم طفلا كقوله : { والملائكة بعد ذلك ظهير } . المرتبة السادسة : قوله : { ثم لتبلغوا أشدكم } والأشد كمال القوة والعقل والتمييز وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد وكأنها شدة في غير شيء واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع ، والمراد والله أعلم ثم سهل في تربيتكم وأغذيتكم أمورا لتبلغوا أشدكم فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد ويكون بين الحالتين وسائط ، وذكر بعضهم أنه ليس بين حال الطفولية وبين ابتداء حال بلوغ الأشد واسطة حتى جوز أن يبلغ في السن ويكون طفلا كما يكون غلاما ثم يدخل في الأشد . المرتبة السابعة : قوله : { ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } والمعنى أن منكم من يتوف على قوته وكماله ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم والخرف ، فيصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية ، سخيف العقل ، قليل الفهم . فإن قيل كيف قال : { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل ؟ قلنا المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئا لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي لأجل المبالغة ، ومن الناس من قال هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى : { ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وهو ضعيف . لأن معنى قوله : { ثم رددناه أسفل سافلين } هو دلالة على الذم فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة ولذلك قال : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } فهذا تمام الاستدلال بحال خلقة الحيوان على صحة البعث . الوجه الثاني : الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك وهو قوله سبحانه وتعالى : { وترى الأرض هامدة } وهمودها يبسها وخلوها عن النبات والخضرة { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } والاهتزاز الحركة على سرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع فقوله : { اهتزت وربت } أي تحركت بالنبات وانتفخت .
أما قوله : { وأنبتت من كل زوج بهيج } فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها والله تعالى هو المنبت لذلك ، لكنه يضاف إليها توسعا ، ومعنى { من كل زوج بهيج } من كل نوع من أنواع النبات من زرع وغرس ، والبهجة حسن الشيء ونضارته ، والبهيج بمعنى المبهج قال المبرد وهو الشيء المشرق الجميل .
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 5 ) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ ( 7 ) } .
5 - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ . . .
النطفة : أصل النطفة الماء العذب ، ويراد بها هنا : ماء الرجل .
العلقة : القطعة الجامدة من الدم .
المضغة : القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ .
هامدة : ميتة يابسة ، من قولهم : همدت الأرض ، إذا يبست ودرست ، وهمد الثوب : بلى .
ربت : ازدادت وانتفخت ، لما يتداخلها من الماء والنبات .
تأتي هذه الآية ، لترد على المشركين في إنكارهم للبعث ، فتضرب أمامهم مثالين ، هما حياة الإنسان وحياة الزرع ، ووراء كل ذلك يد القدرة ، ومعنى الآية : يا أيها الناس إن كنتم في شك من بعثنا لكم بعد الموت ، ففي خلقنا لكم الدليل على قدرتنا على البعث ، فلقد خلقنا أصلكم من تراب ، وهو آدم عليه السلام ، ثم جعلنا منه نطفة هي ماء الرجل ، الذي ينطلق إلى الرحم ، وبه ملايين الحيوانات المنوية ، ثم يتم الإخصاب بين حيوان واحد من الرجل ، وحيوان واحد من المرأة ، حيث يتم تلقيح الخلية ، فتصبح بعده قطعة جامدة ، تعلق بجدار الرحم ، وتسمى علقة ، لشدة تعلقها وتشبثها بجدار الرحم ، ثم تتحول العلقة إلى قطعة من اللحم ، مصورة فيها معالم الإنسان ، وكل صفاته من اللون بدرجاته ، والطول أو القصر ، والذكاء ونسبته ، وسائر الأجهزة الهضمية ، والعصبية ، واللمفاوية ، والحسية ، والإدراكية ، أو غير مصورة وهي السقط الذي لم تنفخ فيه الروح .
ويحتمل أن المعنى : ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ .
المخلقة : التامة الخلقة السالمة من العيوب .
غير المخلقة : الناقصة في العقل أو الذكاء أو الجوارح .
وقيل مخلقة : نفخت فيها الروح .
وغير مخلقة : لم تنفخ فيها الروح .
لنبين لكم . قدرتنا القادرة ، وأن وراء خلق الإنسان ، قدرة كاملة ، حيث تجعل أصغر الحيوانات المنوية ، يحمل خصائص كاملة من الوراثة .
أو لنبين لكم قدرتنا على الإبداع ، والتدرج في التكوين .
وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا .
ونسقط من الأرحام ما نشاء ، ونبقى فيها ما نشاء ، حتى تكمل مدة الحمل ، ثم نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا ، ثم نرعاكم لتبلغوا تمام العقل والقوة ، ومنكم بعد ذلك من يتوفاه الله ، ومنكم من يمد له عمره حتى يصير إلى الهرم والخرف ، فيتوقف علمه وإدراكه للأشياء ، ومن بدأ خلقكم بهذه الصورة البديعة المتكاملة ، لا تعجزه إعادتكم .
وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ .
وأمر آخر يدلكم على قدرتنا ، هو أنك ترى الأرض قاحلة يابسة ، فإذا أنزلنا عليها الماء ، دبت فيها الحياة ، وتحركت وزادت ، وارتفع سطحها بما تخلله من الماء والهواء ، وأظهرت من أصناف النباتات ما يروق منظره ، ويبهر حسنه ، وتبتهج لمرآه ، والآية تأخذ بأيدينا إلى إبداع القدرة الإلهية ، في تكوين الجنين في بطن أمه ، ومراحل حياته ، ووجوده في هذه الدنيا ، ونهايته وموته ، وكذلك الأرض وخصوبتها ، وحياتها بالمطر والنبات ، فإن الذي أحيا الإنسان ، وأحيا الأرض ، قادر على البعث والحشر والجزاء والثواب والعقاب ، قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . ( الروم : 27 ) .
أشارت الآية إلى سبع مراحل يمر بها الإنسان :
1 . أصلنا من التراب ، والمنى متولد من الماء والتراب والغذاء .
2 . النطفة وهي الحيوان المنوي من الذكر الذي يلقح البويضة ، عند الأنثى ، ثم يستقر بعد ذلك في الرحم .
3 . العلقة التي تعلق بجدار الرحم .
4 . المضغة المخلقة التامة الحواس ، فتصير تامة الصورة لمعالم الجسم ، أو ناقصة التصوير والمعالم .
جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( يجمع خلق أحدكم في بطن أمه ، أربعين يوما نطفة ، ثم أربعين يوما علقة ، ثم أربعين يوما مضغة ، ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح )vi .
وقد اتفق العلماء على أن نفخ الروح الحركية في الجنين ، يكون بعد مائة وعشرين يوما ، أي بعد تمام أربعة أشهر .
وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح ، فذلك عدة المتوفى عنها زوجها ، أربعة أشهر وعشرة أيام .
5 - ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا . حيث ينزل الجنين طفلا مكتمل الحواس ، صالحا للنمو شيئا فشيئا .
6 - ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ . تتكامل القوة البدنية والعقلية ، حتى يصل الإنسان إلى حد الكمال في عنفوان الشباب ، مرورا بمرحلة الطفولة والناشئة والفتوة ثم الشباب .
7- مرحلة الشيخوخة والوصول إلى أرذل العمر والضعف ، ومن الناس من يموت قبل هذه المرحلة ، أوقبل المراحل السابقة عليها .
قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ . ( الروم : 54 ) .
فالله سبحانه القادر على تكوين الجنين ، وتطوير خلقته في بطن أمه ، وتطوير حياته من الضعف إلى القوة ثم الضعف ، هو سبحانه القادر على إعادة خلقه وإحيائه بعد موته ، كما يحي الأرض بعد موتها وهو على كل شيء قدير .
وقريب من هذا المعنى ما ورد في صدر سورة المؤمنون قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ . ( المؤمنون : 12 ، 16 ) .