{ بسم الله الرحمان الرحيم } { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } .
اعلم أنه تعالى أمر الناس بالتقوى فدخل فيه أن يتقي كل محرم ويتقي ترك كل واجب وإنما دخل فيه الأمران ، لأن المتقي إنما يتقي ما يخافه من عذاب الله تعالى فيدع لأجله المحرم ويفعل لأجله الواجب ، ولا يكاد يدخل فيه النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب ، وإنما يرجو بفعلها الثواب فإذا قال : { اتقوا ربكم } فالمراد اتقوا عذاب ربكم .
أما قوله : { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الزلزلة شدة حركة الشيء ، قال صاحب الكشاف ولا تخلو الساعة من أن تكون على تقدير الفاعلة لها كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي فتكون الزلزلة مصدرا مضافا إلى فاعله أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى : { بل مكر الليل والنهار } وهي الزلزلة المذكورة في قوله : { إذا زلزلت الأرض زلزالها } .
المسألة الثانية : اختلفوا في وقتها فعن علقمة والشعبي أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا وهي التي يكون معها طلوع الشمس من مغربها . وقيل هي التي تكون معها الساعة . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الصور : «إنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، ونفخة الصعقة ، ونفخة القيام لرب العالمين ، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال وترجف الراجفة ، تتبعها الرادفة ، قلوب يومئذ واجفة ، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح » وقال مقاتل وابن زيد هذا في أول يوم من أيام الآخرة . واعلم أنه ليس في اللفظ دلالة على شيء من هذه الأقسام ، لأن هذه الإضافة تصح وإن كانت الزلزلة قبلها ، وتكون من أماراتها وأشراطها ، وتصح إذا كانت فيها ومعها ، كقولنا آيات الساعة وأمارات الساعة .
المسألة الثالثة : روي «أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل والناس يسيرون فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم ، فلم ير باكيا أكثر من تلك الليلة ، فلما أصبحوا لم يحطوا السرج ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور ، والناس بين باك وجالس حزين متفكر . فقال عليه السلام : «أتدرون أي ذلك اليوم هو ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذلك يوم يقول الله لآدم عليه السلام قم فابعث بعث النار من ولدك ، فيقول آدم وما بعث النار ؟ يعني من كم كم ؟ فيقول الله عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ، فعند ذلك يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى ، فكبر ذلك على المؤمنين وبكوا ، وقالوا فمن ينجو يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة ، إن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون منها أمتي وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ، ثم قال ويدخل من أمتي سبعون ألفا إلى الجنة بغير حساب ، فقال عمر سبعون ألفا ؟ قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفا ، فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال أنت منهم ، فقام رجل من الأنصار فقال مثل قوله ، فقال سبقك بها عكاشة » فخاض الناس في السبعين ألفا فقال بعضهم هم الذين ولدوا على الإسلام ، وقال بعضهم هم الذين آمنوا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا فقال : «هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون » .
المسألة الرابعة : أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة ، والمعنى أن التقوى تقتضي دفع مثل هذا الضرر العظيم عن النفس ، ودفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب ، فيلزم أن تكون التقوى واجبة .
المسألة الخامسة : احتجت المعتزلة بقوله تعالى : { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة ، واحتجوا أيضا بقوله تعالى : { إن الله على كل شيء قدير } فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن يكون موجودا أو معدوما ، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادرا على إيجاد الموجود ، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم فالمعدوم شيء . واحتجوا أيضا بقوله تعالى : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا } أطلق اسم الشيء في الحال على ما يصير مفعولا غدا ، والذي يصير مفعولا غدا يكون معدوما في الحال ، فالمعدوم شيء والله أعلم ( والجواب ) عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة وهي جواهر قامت بها أعراض وتحقق ذلك في المعدوم محال ، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئا حال عدمها ، فلابد من التأويل بالاتفاق . ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئا ، وهذا هو الجواب عن البواقي .
المسألة السادسة : وصف الله تعالى الزلزلة بالعظيم ولا عظيم أعظم مما عظمه الله تعالى .
سورة الحج مدنية نزلت بعد سورة النور
وقيل : إن سورة الحج من السور المكية ، وقد استثنى من ذهب إلى هذا الرأي الآيات من : ( 19 – 24 )i .
وكان الأولى أن يستثنى من قال إنها مكية آيات الإذن بالقتال من : ( 38 – 41 ) ، ومنها قوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . ( الحج : 39 ) .
وعند التأمل في سورة الحج نجد أن أسلوبها وموضوعاتها وطريقتها أقرب إلى السور المكية .
فموضوعات التوحيد والتخويف من الساعة وإثبات البعث وإنكار الشرك ومشاهد القيامة وآيات الله المبثوثة في صفحات الكون . . بارزة في السورة .
ويمكن أن يقال إن هذه السورة مشتركة بين مكة والمدينة كما يبدو من دلالة آياتها وعلى الأخص آيات الإذن بالقتال وآيات العقاب بالمثل في قوله تعالى : ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ . ( الحج : 60 ) .
فهذه الآيات مدنية لأن المسلمين لم يؤذن لهم في القتال والقصاص إلا بعد الهجرة وبعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة ، أما قبل ذلك فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – حين بايعه أهل يثرب وعرضوا عليه أن يميلوا على أهل منى من الكفار فيقتلوهم : ( إني لم أومر بهذا ) . حتى إذا صارت المدينة دار إسلام ، شرع الله القتال لرد أذى المشركين عن المسلمين ، والدفاع عن حرية العقيدة ، وحرية العبادة للمؤمنين .
ومن الموضوعات المدنية في سورة الحج : حماية الشعائر ، والوعد بنصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد العدوان ، والأمر بالجهاد في سبيل الله .
وفي السورة موضوعات أخرى عولجت بطريقة القرآن المكي وتغلب عليها السمات المكية وهذه السمات تجعل سورة الحج مما يشبه المكي وهو مدني .
تتضح في سورة الحج سمات القوة والعنف ، وأساليب الرهبة والتحذير ، واستجاشة مشاعر التقوى والوجل والخوف من بأس الله .
وتبدو هذه المعاني في المشاهد والأمثال :
فمشهد البعث مزلزل عنيف رهيب ، تذهل فيه الأم عن وليدها وهو بين يديها ، وكذلك مشهد العذاب :
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رءوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ*كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ . ( الحج : 19 – 22 ) .
فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ . ( الحج : 45 ) .
تجتمع هذه المشاهد العنيفة المرهوبة إلى قوة الأوامر والتكاليف ، وتبرير الدفع بالقوة ، وتأكيد الوعد بالنصر والتمكين . إلى عرض الحديث عن قوة الله وضعف الشركاء المزعومين .
ووراء كل ذلك الدعوة إلى التقوى والوجل واستجاشة مشاهد الرهبة والامتثال لأمر الله ، تبدأ بها السورة وتتناثر في ثناياها : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . ( الحج : 1 ) .
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ . ( الحج : 32 ) .
فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . . . ( الحج : 34 ، 35 ) .
لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ . ( الحج : 37 ) .
ذلكلل إلى استعراض مشاهد الكون ، ومشاهد القيامة ، ومصارع الغابرين ، والأمثلة والعبر ، والصور والتأملات ؛ لاستجاشة مشاعر الإيمان والتقوى والإخبات والاستسلام ، وهذه هي الروح السارية في جو السورة كلها والتي تطبعها وتميزها .
تشتمل سورة الحج على أربع مجموعات أو أقسام رئيسية يجري السياق فيها كالآتي :
يبدأ القسم الأول بالنداء العام : نداء الناس جميعا إلى تقوى الله ، وتخويفهم من زلزلة الساعة ووصف الهول المصاحب لها وهو هول عنيف مرهوب . في ظل هذا الهول باستنكار الجدل في الله بغير علم ، واتباع كل شيطان محتوم على من يتبعه الضلال ، ثم يعرض دلائل البعث من أطوار الحياة في حياة الإنسان وحياة النبات ، مسجلا تلك القربى بين أبناء الحياة ، ويربط بين تلك الأطوار المطردة الثابتة ، وبين أن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى ، وأنه على كل شيء قدير ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور . وكلها سنن مطردة ، وحقائق ثابتة متصلة بناموس الوجود ثم يعود إلى استنكار الجدل في الله بغير علم ، ولا هدى ولا كتاب منير .
بعد هذه الدلائل المستقرة في صلب الكون وفي نظام الوجود ، وإلى استنكار بناء العقيدة على حساب الربح والخسارة ، والانحراف عن الاتجاه إلى الله عند وقوع الضراء ، والالتجاء إلى غير حماه ، واليأس من نصرة الله وعقباه ، وينتهي هذا الشوط بتقرير أن الهدى والضلال بيد الله ، وأنه سيحكم بين أصحاب العقائد المختلفة يوم الحساب وهنا يعرض ذلك المشهد العنيف من مشاهد العذاب للكافرين ، وإلى جواره مشهد النعيم للمؤمنين . ويستغرق هذا القسم من أول السورة إلى الآية 24 .
يبدأ القسم الثاني بالحديث عن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ، ويستنكر هذا الصد عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس جميعا . يستوي في ذلك المقيمون به والطارئون عليه ، وبهذه المناسبة يذكر طرفا من قصة بناء البيت ، وتكليف إبراهيم – عليه السلام – أن يقيمه على التوحيد ، وأن يطهره من رجس الشرك ، ويستطرد إلى بعض شعائر الحج وما وراءها من استجاشة مشاعر التقوى في القلوب وهو الهدف المقصود ، وينتهي هذا القسم بالإذن للمؤمنين في القتال ؛ لحماية الشعائر والعبادات من العدوان الذي يقع على المؤمنين ولا جريرة لهم إلا أن يقولوا ربنا الله .
ويستغرق هذا القسم الآيات : ( 25 – 41 ) .
يبدأ القسم الثالث بعرض نماذج من تكذيب المكذبين من قبل ، ومن مصارع المكذبين ومشاهد القرى المدمرة على الظالمين ، وذلك لبيان سنة الله في الدعوات ، وتسلية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عما يلقاه من صد وإعراض وتطمين المسلمين بالعاقبة التي لا بد أن تكون ، كذلك يتضمن عرض طرف من كيد الشيطان للرسل والنبيين في دعوتهم ، وتثبيت الله لدعوته ، وإحكامه لآياته ، حتى يستقين بها المؤمنون ، ويفتن بها الضعاف والمستكبرون . ويستغرق هذا القسم الآيات : ( 42 – 59 ) .
يتضمن القسم الرابع وعد الله بنصرة من وقع عليه البغي ؛ فقام يدفع عن نفسه العدوان ، ويتبع هذا الوعد بعرض دلائل القدرة في صفحات الكون ، وإلى جوارها يعرض صورة زرية لضعف الآلهة التي يركن إليها المشركون ، وينتهي هذا القسم وتنتهي السورة معه بنداء الذين آمنوا ليعبدوا ربهم ، ويجاهدوا في الله حق جهاده ، ويعتصموا بالله وحده ، وهم ينهضون بتكاليف عقيدتهم العريقة منذ أيام إبراهيم الخليل . ويستغرق هذا القسم الآيات : ( 60 – 78 ) .
ومن هذا العرض نجد تعاقب موضوعات السورة وتناسقها في حلقات متساوقة تسلم كل حلقة للتي تليها لتكون في مجموعها سورة كاملة هي سورة الحج .
سميت هذه السورة بسورة الحج لأنها اشتملت على الدعوة إلى الحج على لسان إبراهيم الخليل ، وفي الحج منافع دينية وعلمية وتجارية وسياحية .
وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ . ( الحج : 27 ، 28 ) .
في الحج يتجمع المسلمون من كل بلد ، للتعارف والتآلف والتشاور والتعاون ، وبذلك يصبحون يدا واحدة وقوة متآلفة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .
في الحج يشاهد الإنسان الأماكن المقدسة ، التي شهدت ميلاد الإسلام وولادة الرسول ورسالته وجهاده وهديه .
في الحج يتعرف المسلمون من كل قطر على إخوانهم ، ويتدارسون شئونهم ويعرفون آلامهم وآمالهم . وربما تعاقدوا على شراء ما يلزمهم أو عمل ما ينفعهم .
في الحج سياحة في أرض الله وأداء لمناسك مقدسة في موطن إبراهيم الخليل وهاجر وإسماعيل ، ورؤية الكعبة المقدسة وزمزم والصفا والمروة ومنى وعرفات ، وبعد الحج زيارة للمسجد النبوي وصلاة بالروضة ووقوف أمام قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزيارته ، وزيارة قبور الصحابة والشهداء ، ورؤية أمجاد الإسلام ومواقع المعارك ، وبذلك يستقر الإيمان في القلب والشعور ويصبح الحج عبادة ذات منافع متعددة ، إذا فهم المسلمون حكمته ورسالته .
إذا أردنا التعرف على الأفكار المنثورة في سورة الحج فسنجدها تدور حول الأمور الآتية :
الوصية بالتقوى والطاعة ، وبيان هول الساعة وزلزلة القيامة ، والدليل على إثبات الحشر والنشر ، وجدال أهل الباطل مع أهل الحق . وذم أهل النفاق وعبادة الأوثان ، ومدح المؤمنين ، وبيان رعاية الله لرسوله ، ونصره رغم أنف الكافرين ، وسجود الكائنات لله . وقيام إبراهيم بالدعوة إلى الحج وبيان تعظيم الحرمات والشعائر ، والمنة على العباد بدفع فساد أهل الفساد ، وإهلاك القرى بسبب ظلم أهلها وذكر نسيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسهوه حال تلاوة القرآن ، وتثبيت المؤمنين ، وشقاق الكافرين حتى تفاجئهم الساعة ، وبيان قدرة الله سبحانه ، وعجز الأصنام وعبادها ، واصطفاء الرسل من الملائكة كجبريل ، ومن الإنس كمحمد ، وتكليف المؤمنين بأنواع من العبادة كالصلاة والجهاد والإحسان ، وترغيبهم في الوحدة والجماعة والتمسك بحبل الله في قوله : وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ . ( الحج : 78 ) .
هذه سورة اختلف العلماء بين كونها مكية أو مدنية ، ومن رأى أنها مدنية ، استشهد بآيات الدعوة إلى القتال والإذن به ، ولم يؤذن بالقتال إلا في المدينة ، ومن رأى أنها مكية استشهد بقوة آياتها وشدة أسلوبها .
حتى قال العلماء : هي مما يشبه المكي وهو مدني .
وهي من أعاجيب السور ، نزلت : ليلا ونهارا ، سفرا وحضرا ، مكيا ومدنيا ، سلميا وحربيا ، محكما ومتشابها ، وآياتها 78 آية .
وقال الشيخ أحمد المراغي في تفسير المراغي :
وهي بحسب موضوعاتها أقسام ثلاثة :
1 – البعث والدليل عليه وما يتبع ذلك .
3 - أمور عامة كالقتال ، وهلاك الظالمين ، والاستدلال بنظام الدنيا على وجود الخالق ، وضرب المثل بعجز الأصنام ، وعدم استطاعتها خلق الذباب .
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 ) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ( 2 ) } .
1 - يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ .
التقوى : مراقبة الله تعالى ، والبعد عن كل ما يكسب الإثم من فعل أو ترك .
الزلزلة : الحركة الشديدة بحيث تزيل الأشياء من أماكنها .
افتتاح يدعو إلى التقوى ويحث عليها ، وتقوى الله مراقبته وامتثال أمره ، واجتناب نواهيه ، وقد تكرر الأمر بالتقوى في القرآن الكريم ، ففي أول سورة النساء : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ . ( النساء : 1 ) .
وفي أوائل سورة البقرة : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . ( البقرة : 21 ) .
وقال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ . ( لقمان : 33 ، 34 ) .
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ .
أي : إن الزلزلة التي تكون حين قيام الساعة ، قبل قيام الناس من قبورهم ، أمر عظيم هائل كما قال تعالى : إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا . ( الزلزلة : 1 ، 2 ) .
وقال تعالى : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ . ( الحاقة : 13 – 17 ) .
وقال تعالى : إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا . ( الواقعة : 1 ، 6 ) .
وإذا كانت الزلزلة وحدها لا تحتمل ، فما بالك بما يحدث في ذلك اليوم من الحشر والجزاء ، والحساب على الأعمال ، لدى من لا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .