قوله تعالى : { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون } .
اعلم أنه سبحانه لما قال : { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } ذكر أحوال ذلك اليوم فقال { فإذا نفخ في الصور } وفيه ثلاثة أقوال . أحدها : أن الصور آلة إذا نفخ فيها يظهر صوت عظيم ، جعله الله تعالى علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرن ينفخ فيه . وثانيها : أن المراد من الصور مجموع الصور ، والمعنى فإذا نفخ في الصور أرواحها وهو قول الحسن فكان يقرأ بفتح الواو والفتح والكسر عن أبي رزين وهو حجة لمن فسر الصور بجمع صورة . وثالثها : أن النفخ في الصور استعارة والمراد منه البعث والحشر ، والأول أولى للخبر وفي قوله : { ثم نفخ فيه أخرى } دلالة على أنه ليس المراد نفخ الروح والإحياء لأن ذلك لا يتكرر .
أما قوله : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } فمن المعلوم أنه سبحانه إذا أعادهم فالأنساب ثابتة لأن المعاد هو الولد والوالد ، فلا يجوز أن يكون المراد نفي النسب في الحقيقة بل المراد نفي حكمه . وذلك من وجوه . أحدها : أن من حق النسب أن يقع به التعاطف والتراحم كما يقال في الدنيا : أسألك بالله والرحم أن تفعل كذا . فنفى سبحانه ذلك من حيث إن كل أحد من أهل النار يكون مشغولا بنفسه وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب ، وهكذا الحال في الدنيا لأن الرجل متى وقع في الأمر العظيم من الآلام ينسى ولده ووالده . وثانيها : أن من حق النسب أن يحصل به التفاخر في الدنيا ، وأن يسأل بعضهم عن كيفية نسب البعض ، وفي الآخرة لا يتفرغون لذلك . وثالثها : أن يجعل ذلك استعارة عن الخوف الشديد فكل امرئ مشغول بنفسه عن بنيه وأخيه وفصيلته التي تؤويه فكيف بسائر الأمور ، قال ابن مسعود رضي الله عنه يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وينادي مناد ألا إن هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة حينئذ أن يثبت لها حق على أمها أو أختها أو أبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } وعن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء ثم تلا { يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه } وعن الشعبي قال : قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله ، أما نتعارف يوم القيامة ، أسمع الله تعالى يقول : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } فقال عليه الصلاة والسلام : «ثلاث مواطن تذهل فيها كل نفس ؛ حين يرمي إلى كل إنسان كتابه ، وعند الموازين ، وعلى جسر جهنم » . وطعن بعض الملحدة فقال قوله : { ولا يتساءلون } وقوله : { ولا يسأل حميم حميما } يناقض قوله : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } وقوله : { يتعارفون بينهم } الجواب عنه من وجوه . أحدها : أن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة ففيه أزمنة وأحوال مختلفة فيتعارفون ويتساءلون في بعضها ، ويتحيرون في بعضها لشدة الفزع . وثانيها : أنه إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شغلوا بأنفسهم عن التساؤل ، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا : { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمان } . وثالثها : المراد لا يتساءلون بحقوق النسب . ورابعها : أن قوله : { لا يتساءلون } صفة للكفار وذلك لشدة خوفهم .
أما قوله : { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها ، واعلم أنه سبحانه قد بين أن بعد النفخ في الصور تكون المحاسبة ، وشرح أحوال السعداء والأشقياء ، وقيل لما بين سبحانه أنه ليس في الآخرة إلا ثقل الموازين وخفتها ، وجب أن يكون كل مكلف لابد وأن يكون من أهل الجنة وأهل الفلاح أو من أهل النار فيبطل بذلك القول بأن فيهم من لا يستحق الثواب والعقاب أو من يتساوى له الثواب والعقاب .
{ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ ( 101 ) فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ( 103 ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ( 104 ) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ( 105 ) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ( 106 ) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ( 107 ) قَالَ اخْسَأُُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 109 ) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ( 110 ) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ( 111 ) } .
101 - فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ .
الصور : يطلق على البوق فيكون مفردا ، ويطلق على الصور ( بفتح الواو ) فيكون جمعا لصورة ، مثل : بسر وبسرة .
فلا أنساب بينهم : فلا تنفعهم الأنساب ، وهي القرابات .
ولا يتساءلون : ولا يسأل بعضهم بعضا عن حاله .
إذا نفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية ؛ قام الناس للحساب ، وقد اشتد الهول ، وعظم الخطب ، وانشغل كل إنسان بنفسه ، ولم يعد هناك مجال للتفاخر بالأحساب والأنساب التي كان يفتخر بها في الدنيا ، لأن الفخر حينئذ بالعمل الصالح وهو معيار التفاضل في ذلك اليوم .
لا يسأل بعضهم بعضا عن أحوالهم لشدة الهول ، ولانشغال كل إنسان بنفسه ، حتى الرسل وهم صفوة الله من خلقه يقول كل واحد منهم : نفسي نفسي ، حين يطلب منهم الشفاعة لإراحة الناس من هول الموقف .
فإن قيل : قد ورد في القرآن أن الناس توقف للسؤال في آيات أخرى ، مثل قوله تعالى : وقفوهم إنهم مسئولون . ( الصافات : 24 ) .
وقوله سبحانه : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون . ( الطور : 25 ) .
فالجواب : أن يوم القيامة فيه مواقف متعددة ، في بعضها يسمح للإنسان بالكلام والسؤال والتساؤل ، وفي بعضها لا يسمح له بالكلام ولا بالتساؤل .
وذلك شبيه بإنسان في ساحة القضاء في الدنيا ، يسمح له من يحقق معه بإبداء رأيه ودفاعه عن نفسه فإذا حجزت القضية للنطق بالحكم ؛ لم يعد يسمح له بالكلام .
قرأ ابن عباس : فإذا نفخ في الصور . بواو مفتوحة ، وهي جمع صورة ، والمراد بها : إطلاق الأرواح من البرزخ لتلحق بأجسادها .
قال الآلوسي : ولا تنافي بين النفخ في الصور بمعنى القرن ، الذي جاء به الخبر ودلت عليه آيات أخر ، وبين النفخ في الصور جمع صورة ، فقد جاء أن هذا النفخ عند ذاك .
إذا نفخ في الصور وعادت الأرواح إلى أجسادها ، وقام الناس من قبورهم للبعث والحشر والحساب ؛ فلا تنفعهم قراباتهم وأحسابهم كما كانت تنفعهم في الدنيا ، إذ لا ينفع الإنسان حينئذ إلا عمله .
ومن جهة أخرى فكل إنسان مشغول بنفسه عن الآخرين قال تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ . ( عبس : 34 – 37 ) .
أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن مسعود قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ؛ ثم نادى مناد : ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه ، قال : فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا ، ومصداق ذلك في كتاب الله ، قال الله تعالى : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَxxx .
وروى الإمام أحمد ، عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( فاطمة بضعة مني ، يغيظني ما يغيظها ، وينشطني ما ينشطها ، وإن الأنساب تتقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري ) .
قال ابن كثير في التفسير : وهذا الحديث له أصل في الصحيحين : فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها ويؤذيني ما آذاها )xxxi .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.