السؤال الثاني : ما معنى قوله : { لعلي أعمل صالحا } أفيجوز أن يسأل الرجعة مع الشك ؟ الجواب : ليس المراد بلعل الشك فإنه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطى ما سأل ، بل هو مثل من قصر في حق نفسه وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير فيقول مكنوني من التدارك لعلي أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازما بأنه سيتدارك ، ويحتمل أيضا أن الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين ، فقد قال تعالى : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } .
السؤال الثالث : ما المراد بقوله فيما تركت ؟ الجواب : قال بعضهم فيما خلفت من المال ليصير عند الرجعة مؤديا لحق الله تعالى منه ، والمعقول من قوله : { تركت } التركة وقال آخرون بل المراد أعمل صالحا فيما قصرت فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق ، وهذا أقرب كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه ويطيعوا في كل ما عصوا .
السؤال الرابع : ما المراد بقوله كلا ؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أنه كالجواب لهم في المنع مما طلبوا ، كما يقال لطالب الأمر المستبعد هيهات ، روي أنه عليه السلام قال لعائشة رضي الله عنها : « إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان لا بل قدوما على الله ، وأما الكافر فيقال له نرجعك فيقول ارجعون فيقال له إلى أي شيء ترغب إلى جمع المال أو غرس الغراس أو بناء البنيان أو شق الأنهار ؟ فيقول لعلي أعمل صالحا فيما تركت ! فيقول فيقول الجبار كلا » . الثاني : يحتمل أن يكون على وجه الإخبار بأنهم يقولون ذلك وأن هذا الخبر حق فكأنه قال : حقا إنها كلمة هو قائلها ، والأقرب الأول .
أما قوله : { إنها كلمة هو قائلها } ففيه وجهان : الأول : أنه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه . الثاني : أنه قائلها وحده ولا يجاب إليها ولا يسمع منه .
أما قوله تعالى : { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } فالبرزخ هو الحاجز والمانع كقوله في البحرين { بينهما برزخ لا يبغيان } أي فهؤلاء صائرون إلى حالة مانعة من التلاقي حاجزة عن الاجتماع وذلك هو الموت ، وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث ، إنما هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة .
99 ، 100 - حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ . . .
كلا : كلمة تستعمل للردع والزجر عن حصول ما يطلب .
برزخ : حاجز بينهم وبين الرجعة .
يظل الكافر والمؤمن العاصي في عمل السيئات ، وطاعة الشياطين ، حتى إذا نزل الموت بساحته وشاهد ما أعده الله للعصاة ، تحركت فيه الرغبة في أن يعود للدنيا ، ليعمل عملا صالحا ، وتتكرر هذه الرغبة عند الحشر ، وعند معاينة جهنم ، وعند العذاب في نار جهنم ، يطلبون في كل هذه المواقف الرجعة إلى الدنيا لتدارك ما فاتهم من العمل الصالح ، لكن الحق سبحانه لا يجيبهم إلى طلبهم ، بل يخبرهم أن طلبهم هذا مرفوض ، ويستمرون في عذاب القبر ، إلى البعث ، ثم يتم الحشر والحساب ، ثم يتوجهون إلى جهنم لاستكمال العذاب .
وقد كرر القرآن مشاهد القيامة وأهوالها ، ومشاهد النار وعذابها ، وتمنى الكافرين أن يعودوا إلى الدنيا ، ليؤمنوا بالله ويصدقوا برسله ، لكنهم لا يجابون إلى ذلك .
قال تعالى : وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ . ( إبراهيم : 44 ) .
وقال تعالى : وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . ( الأنعام : 27 ) .
وتجد ذلك في الآية 53 من سورة الأعراف ، والآية 12 من سورة السجدة ، والآية 44 من سورة الشورى ، والآية 37 من سورة فاطر ، وهذا كله يدل على أن تمني العودة إلى الدنيا يحدث حال المعاينة للعذاب عند الاحتضار ، وحين النشور وحين الحساب ، وحين العرض على النار ، وبعد دخولهم النار ، ولا يجابون إلى ذلك أبدا قال تعالى :
كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .
أي : لا جواب لهؤلاء ولا كرامة لهم ، إنها كلمة تخرج من أفواههم ، لا تلقى ترحيبا ولا جوابا ، ويستمرون محبوسين تعذب أرواحهم في البرزخ ، ومن أمامهم حاجز يحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا ، فلا رجعة بعد البعث إلا إلى الآخرة ، وقريب من هذا المعنى قوله تعالى : وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون . ( المنافقون : 10 ، 11 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.