ثم بين سبحانه أن الحق لا يتبع الهوى ، بل الواجب على المكلف أن يطرح الهوى ويتبع الحق فبين سبحانه أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم فقال : { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن } وفي تفسيره وجوه . الأول : أن القوم كانوا يرون أن الحق في اتخاذ آلهة مع الله تعالى ، لكن لو صح ذلك لوقع الفساد في السماوات والأرض على ما قررناه في دليل التمانع في قوله : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } . والثاني : أن أهواءهم في عبادة الأوثان وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وهما منشأ المفسدة ، والحق هو الإسلام . فلو اتبع الإسلام قولهم لعلم الله حصول المفاسد عند بقاء هذا العالم ، وذلك يقتضي تخريب العالم وإفناءه . والثالث : أن آراءهم كانت متناقضة فلو اتبع الحق أهواءهم لوقع التناقض ولاختل نظام العالم عن القفال .
أما قوله : { بل أتيناهم بذكرهم } فقيل إنه القرآن والأدلة وقيل بل شرفهم وفخرهم بالرسول وكلا القولين متقارب لأن في مجيء الرسول بيان الأدلة وفي مجيء الأدلة بيان الرسول فأحدهما مقرون بالآخر ، وقيل الذكر هو الوعظ والتحذير ، وقيل هو الذي كانوا يتمنونه ويقولون : { لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين } وقرئ بذكراهم .
71 - وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ . . .
الذكر : القرآن الذي هو فخرهم .
لقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن وهو وحي السماء ، معلنا توحيد الله نابذا للشرك ، داعيا إلى مكارم الأخلاق محذرا من الفحشاء والمنكر ، لقد كان القرآن حربا على الشرك والوثنية ، والبغي والعدوان ، ورسم الطريق القويم ، ودعا إلى مكارم الأخلاق ، وحذر من الجنوح والرذيلة ، والزنا والربا وأكل مال اليتيم ، والبغي والعدوان .
إن القرآن حق ، والحق لا يتبع الهوى ، بل الواجب على الإنسان ترك الهوى واتباع الحق ، فإن اتباع الهوى يؤدي إلى استباحة الأموال والأعراض ، والشرك بالله . . . ولو اتبع القرآن أهواء الناس فأباح الشرك بالله ، والزنا والربا ، وأقر السلب والنهب والسرقة ، وأهمل القيم الخلقية ، لاختل نظام العالم ، ووقع التناقض وانتشرت الفوضى والفساد ، واختلطت الأنساب وتهدمت الأسر .
وقال القرطبي : إن الحق هنا هو الله سبحانه وتعالى ، وتقديره في العربية : ولو اتبع صاحب الحق أهواءهم .
وقيل : المعنى : ولو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى ، لتنافست الآلهة وأراد بعضهم ما لا يريده بعض ، فاضطرب التدبير وفسدت السماوات والأرض ، وإذا فسدتا فسد من فيهما .
إشارة إلى من يعقل من ملائكة السماوات وإنس الأرض وجنها ، وأما ما لا يعقل فهو تابع لما يعقلxxii .
ثم شنع القرآن عليهم ، لإعراضهم عن معالم الحق والخير والهدى فقال :
بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ .
لقد جاء القرآن عظة وهداية ، ومجدا وشرفا لهم ، وكان الأولى أن يهتدوا به ويلتفوا حوله . قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ . ( الزخرف : 44 ) . أي : القرآن شرف لك يا محمد ولقومك ؛ لأنه وحد العرب وجمعهم وعلمهم وطهرهم ، ولم يكن للعرب في الجاهلية كبير شأن ، فكانوا بالإسلام خير أمة أخرجت للناس ، وكان القرآن روحا وحياة لأمة العرب ، ولما دخلوا في الإسلام زلزلوا عروش الأكاسرة والقياصرة ، وفتح الله بهم البلاد ونصرهم على العباد ، وكلما اقترب المسلمون من القرآن ، وعملوا بأحكام الإسلام ؛ ارتفع شأنهم وعلا أمرهم ، وكلما بعدوا عن هدى القرآن ؛ ضعف شأنهم .
بل جئناهم بالقرآن الذي هو عزهم وشرفهم ، وفخرهم وإعلاء سمعتهم ، ولكنهم معرضون عن هذا الذكر الذي سطر لهم الخلود والمجد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.