مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ} (10)

ثم قال تعالى : { خلق السماوات بغير عمد ترونها }

بين عزته وحكمته بقوله : { خلق السماوات بغير عمد } اختلف قول العلماء في السماوات فمنهم من قال إنها مبسوطة كصفيحة مستوية ، وهو قول أكثر المفسرين ومنهم من قال إنها مستديرة وهو قول جميع المهندسين ، والغزالي رحمه الله قال نحن نوافقهم في ذلك فإن لهم عليها دليلا من المحسوسات ومخالفة الحس لا تجوز ، وإن كان في الباب خبر نؤوله بما يحتمله ، فضلا من أن ليس في القرآن والخبر ما يدل على ذلك صريحا ، بل فيه ما يدل على الاستدارة كما قال تعالى : { كل في فلك يسبحون } والفلك اسم لشيء مستدير ، بل الواجب أن يقال بأن السماوات سواء كانت مستديرة أو مصفحة فهي مخلوقة بقدرة الله لا موجودة بإيجاب وطبع ، وإذا علم هذا فنقول السماء في مكان وهو فضاء والفضاء لا نهاية له وكون السماء في بعضه دون بعض ليس إلا بقدرة مختارة وإليه الإشارة بقوله : { بغير عمد } أي ليس على شيء يمنعها الزوال من موضعها وهي لا تزول إلا بقدرة الله تعالى وقال بعضهم المعنى أن السماوات بأسرها ومجموعها لا مكان لها لأن المكان ما يعتمد عليه ما فيه فيكون متمكنا والحيز ما يشار إلى ما فيه بسببه يقال ههنا وهناك على هذا قالوا إن من يقع من شاهق جبل فهو في الهواء في حيز إذ يقال له هو ههنا وهناك ، وليس في مكان إذ لا يعتمد على شيء ، فإذا حصل على الأرض حصل في مكان ، إذا علم هذا فالسماوات ليست في مكان تعتمد عليه فلا عمد لها وقوله : { ترونها } فيه وجهان : أحدهما : أنه راجع إلى السماوات أي ليست هي بعمد وأنتم ترونها كذلك بغير عمد والثاني : أنه راجع إلى العمد أي بغير عمد مرئية ، وإن كان هناك عمد غير مرئية فهي قدرة الله وإرادته .

ثم قال تعالى : { وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } .

أي جبالا راسية ثابتة { أن تميد } أي كراهية أن تميد وقيل المعنى أن لا تميد ، واعلم أن الأرض ثباتها بسبب ثقلها ، وإلا كانت تزول عن موضعها بسبب المياه والرياح ، ولو خلقها مثل الرمل لما كانت تثبت للزراعة كما نرى الأراضي الرملة ينتقل الرمل الذي فيها من موضع إلى موضع ، ثم قال تعالى : { وبث فيها من كل دابة } أي سكون الأرض فيه مصلحة حركة الدواب فأسكنا الأرض وحركنا الدواب ولو كانت الأرض متزلزلة وبعض الأراضي يناسب بعض الحيوانات لكانت الدابة التي لا تعيش في موضع تقع في ذلك الموضع فيكون فيه هلاك الدواب ، أما إذا كانت الأرض ساكنة والحيوانات متحركة تتحرك في المواضع التي تناسبها وترعى فيها وتعيش فيها ، ثم قال تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء } هذه نعمة أخرى أنعمها الله على عباده ، وتمامها بسكون الأرض لأن البذر إذا لم يثبت إلى أن ينبت لم يكن يحصل الزرع ولو كانت أجزاء الأرض متحركة كالرمل لما حصل الثبات ولما كمل النبات ، والعدول من المغايبة إلى النفس فيه فصاحة وحكمة ، أما الفصاحة فمذكورة في باب الالتفات من أن السامع إذا سمع كلاما طويلا من نمط واحد ، ثم ورد عليه نمط آخر يستطيبه ألا ترى أنك إذا قلت قال زيد كذا وكذا ، وقال خالد كذا وكذا ، وقال عمرو كذا ثم إن بكرا قال قولا حسنا يستطاب لما قد تكرر القول مرارا . وأما الحكمة فمن وجهين أحدهما : أن خلق الأرض ثقيل ، والسماء في غير مكان قد يقع لجاهل أنه بالطبع ، وبث الدواب يقع لبعضهم أنه باختيار الدابة ، لأن لها اختيار ، فنقول الأول طبيعي والآخر اختياري للحيوان ، ولكن لا يشك أحد في أن الماء في الهواء من جهة فوق ليس طبعا فإن الماء لا يكون بطبعه فوق ولا اختيارا ، إذ الماء لا اختيار له فهو بإرادة الله تعالى ، فقال : { وأنزلنا من السماء } الثاني : هو أن إنزال الماء نعمة ظاهرة متكررة في كل زمان ، متكثرة في كل مكان ، فأسنده إلى نفسه صريحا ليتنبه الإنسان لشكر نعمته فيزيد له من رحمته ، وقوله تعالى : { فأنبتنا فيها من كل زوج } أي من كل جنس ، وكل جنس فتحته زوجان ، لأن النبات إما أن يكون شجرا ، وإما أن يكون غير شجر ، والذي هو الشجر إما أن يكون مثمرا ، وإما أن يكون غير مثمر ، والمثمر كذلك ينقسم قسمين ، وقوله تعالى : { كريم } أي ذي كرم ، لأنه يأتي كثيرا من غير حساب أو مكرم مثل بغض للمبغض .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ} (10)

{ خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم( 10 ) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين( 11 ) }

المفردات :

بغير عمد : العمد واحدها عماد ، وهو ما يعمد به أي : يسند به تقول : عمدت الحائط إذا دعمته .

رواسي : جبالا ثوابت .

تميد : تضطرب .

بث فيها : البث : الإثارة والتفريق كما قال الله تعالى : كالفراش المبثوث ( القارعة 4 ) والمراد : الإيجاد والإظهار .

زوج : صنف .

كريم : شريف كثير المنفعة .

التفسير :

{ خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم . }

خلق الله السماوات ورفعها فوق رؤوسنا بدون أعمدة ونحن نشاهدها صباح مساء مرفوعة عالية بدون أعمدة ، مع أن بيوتنا لا ترتفع أسقفها إلا على أعمدة ومن تسبيح المؤمنين : سبحانه الأبدي الأبد سبحان من رفع السماء بلا عمد ، سبحان من قسم الأرزاق فلم ينس أحد سبحان من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد .

فالضمير في ترونها : عائد على السماوات قال الحسن وقتادة : ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية ويجوز أن يعود الضمير على الأعمدة فيكون مخفوضا مثلها .

أي إن الله خلق السماوات بغير أعمدة مشاهدة بالعين وإن كانت لها أعمدة غير مرئية منها الجاذبية أو قوة القدرة الإلهية التي أبدعت كل شيء خلقته قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد : لها عمد لا ترونها .

{ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم . . . . } ووضع الله في الأرض جبالا راسية ، أرست الأرض وثقلتها حتى لا تميد ولا تضطرب بأهلها قال تعالى : والجبال أرساها ( النازعات : 32 ) .

{ وبث فيها من كل دابة . . . } أوجد في الأرض من أصناف الحيوانات ما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها .

{ وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم . }

أنزل الله من السماء ماء ، فأحيا به الأرض بعد موتها وأنبت فيها أصناف النباتات مختلفة الألوان والأشكال كما أنبت فيها أصناف الحيوان والإنسان .

قال الشعبي : والناس أيضا من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم ومن دخل النار فهو لئيم .

وجاء في تفسير روح البيان للشيخ إسماعيل حقي البروسي المتوفى سنة 1137 ه :

واعلم وفقنا الله جميعا للتفكير في عجائب صنعه وغرائب قدرته- أن عقول العقلاء وأفهام الأذكياء قاصرة متحيرة في أمر النباتات والأشجار وعجائبها وخواصها وفوائدها ومضارها ومنافعها وكيف لا وأنت تشاهد اختلاف أشكالها وتباين ألوانها وعجائب صور أوراقها وروائح أزهارها وكل لون من ألوانها ينقسم إلى أقسام كالحمرة مثلا : كوردي وأرجواني وسوسني وشقائقي وخمري وعنابي وعقيقي ودموي وغير ذلك مع اشتراك الكل في الحمرة ثم عجائب روائحها ومخالفة بعضها بعضا واشتراك الكل في طيب الرائحة وعجائب أشكال أثمارها وحبوبها وأوراقها ولكل لون وريح وطعم وورق وثمر وزهر وحب خاصية لا تشبه الأخرى ولا يعلم حقيقة الحكمة فيها إلا اللهو الذي يعرفه الإنسان في ذلك بالنسبة إلى ما لا يعرفه كقطرة من بحر . v أه .

من ألوان البيان :

في الآية بيان قدرة الخالق الذي خلق السماء مرتفعة بغير همد مرئية واحكام بناءها وحفظها من السقوط ، وبسط الأرض وحفظ توازنها بالجبال المرتفعة الشاهقة ، ونثر فيها المخلوقات من الحيوان والإنسان ثم تحدث عن قدرة الرازق بعد أن تحدث عن قدرة الخالق فبين قدرته على إنزال المطر وإنبات صنوف النباتات المتعددة كثيرة المنافع جميلة المنظر .