مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{جَنَّـٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ} (33)

ثم قال : { جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير }

وفي الداخلين وجوه أحدها : الأقسام الثلاثة وهي على قولنا أن الظالم والمقتصد والسابق أقسام المؤمنين والثاني : الذين يتلون كتاب الله والثالث : هم السابقون وهو أقوى لقرب ذكرهم ولأنه ذكر إكرامهم بقوله : { يحلون } فالمكرم هو السابق وعلى هذا فيه أبحاث :

الأول : تقديم الفاعل على الفعل وتأخير المفعول عنه موافق لترتيب المعنى إذا كان المفعول حقيقيا كقولنا : الله خلق السموات ، وقول القائل : زيد بنى الجدار فإن الله موجود قبل كل شيء ، ثم له فعل هو الخلق ، ثم حصل به المفعول وهو السموات ، وكذلك زيد قبل البناء ثم الجدار من بنائه ، وإذا لم يكن المفعول حقيقيا كقولنا زيد دخل الدار وضرب عمرا فإن الدار في الحقيقة ليس مفعولا للداخل وإنما فعل من أفعاله تحقق بالنسبة إلى الدار ، وكذلك عمرو فعل من أفعال زيد تعلق به فسمي مفعولا لا يحصل هذا الترتيب ، ولكن الأصل تقديم الفاعل على المفعول ولهذا يعاد المفعول المقدم بالضمير تقول عمرا ضربه زيد فتوقعه بعد الفعل بالهاء العائدة إليه وحينئذ يطول الكلام فلا يختاره الحكيم إلا لفائدة ، فما الفائدة في تقديم الجنات على الفعل الذي هو الدخول وإعادة ذكر بالهاء في يدخلونها ، وما الفرق بين هذا وبين قول القائل يدخلون جنات عدن ؟ نقول السامع إذا علم أن له مدخلا من المداخل وله دخول ولم يعلم عين المدخل فإذا قيل له أنت تدخل فإلى أن يسمع الدار أو السوق يبقى متعلق القلب بأنه في أي المداخل يكون ، فإذا قيل له دار زيد تدخلها فبذكر الدار ، يعلم مدخله وبما عنده من العلم السابق بأن له دخولا يعلم الدخول فلا يبقى له توقف ولا سيما الجنة والنار ، فإن بين المدخلين بونا بعيدا الثاني : قوله : { يحلون فيها } إشارة إلى سرعة الدخول فإن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير الدخول فقال : { يدخلونها } وفيها تقع تحليتهم الثالث : قوله : { من أساور } بجمع الجمع فإنه جمع أسورة وهي جمع سوار ، وقوله : { ولباسهم فيها حرير } ليس كذلك لأن الإكثار من اللباس يدل على حاجة من دفع برد أو غيره والإكثار من الزينة لا يدل إلا على الغنى الرابع : ذكر الأساور من بين سائر الحلي في كثير من المواضع منها قوله تعالى : { وحلوا أساور من فضة } وذلك لأن التحلي بمعنيين أحدهما : إظهار كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال لأن التحلي لا يكون حالة الطبخ والغسل وثانيهما : إظهار الاستغناء عن الأشياء وإظهار القدرة على الأشياء وذلك لأن التحلي إما باللآلئ والجواهر وإما بالذهب والفضة والتحلي بالجواهر واللآلئ يدل على أن المتحلي لا يعجز عن الوصول إلى الأشياء الكبيرة عند الحاجة حيث يعجز عن الوصول إلى الأشياء القليلة الوجود لا لحاجة ، والتحلي بالذهب والفضة يدل على أنه غير محتاج حاجة أصلية وإلا لصرف الذهب والفضة إلى دفع الحاجة ، إذا عرفت هذا فنقول الأساور محلها الأيدي وأكثر الأعمال باليد فإنها للبطش ، فإذا حليت بالأساور علم الفراغ والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحلي .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{جَنَّـٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ} (33)

{ جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير }

المفردات :

أساور : جمع سوار وهي حلية تلبس في اليد .

أذهب عنا الحزن : أزال الحزن الشامل لأحزان الدنيا والآخرة .

التفسير :

أي : يدخل هؤلاء الطوائف الثلاث جنات إقامة ، السابقون لسبقهم ومسارعتهم في الخيرات والمقتصدون لترجح حسناتهم أو تعادلها مع سيئاتهم والظالمون لأنفسهم لأنهم عملوا معاصي ثم تابوا منها أو لم يتوبوا فاستحقوا العذاب في جهنم ثم يدخلون الجنة لإيمانهم وإسلامهم وتوحيدهم لله ويحلون في الجنة بأساور من ذهب مرصع باللؤلؤ ويكون لباسهم حريرا خالصا وقد أباحه الله لهم في الآخرة لأنهم امتنعوا عن لبسه في الدنيا استجابة لأمر الله تعالى لهم .

ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " . xiii

وقال " هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " . xiv

وعلى هذا تكون الأمة عامة في جميع الأقسام الثلاثة من هذه الأمة والعلماء أولى الناس بهذه النعمة .

أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة ، عن قيس بن كثير قال قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء رضي الله عنه وهو بدمشق فقال أبو الدرداء : ما أقدمك يا أخي ؟ قال : حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أما قدمت لتجارة ؟ قال : لا ، قال : أما قدمت لحاجة ؟ قال : لا ، قال : أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث ؟ قال نعم ، قال رضي الله عنه : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله تعالى به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء هم ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر " . xv