ثم قال تعالى : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } اتفق أكثر المفسرين على أن المراد من الكتاب القرآن وعلى هذا فالذين اصطفيناهم الذين أخذوا بالكتاب وهم المؤمنون والظالم والمقتصد والسابق كلهم منهم ويدل عليه قوله تعالى : { جنات عدن يدخلونها } أخبر بدخولهم الجنة وكلمة { ثم أورثنا } أيضا تدل عليه لأن الإيراث إذا كان بعد الإيحاء ولا كتاب بعد القرآن فهو الموروث والإيراث المراد منه الإعطاء بعد ذهاب من كان بيده المعطى ، ويحتمل أن يقال المراد من الكتاب هو جنس الكتاب كما في قوله تعالى : { جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير } والمعنى على هذا : إنا أعطينا الكتاب الذين اصطفينا وهم الأنبياء ويدل عليه أن لفظ المصطفى على الأنبياء إطلاقه كثير ولا كذلك على غيرهم ولأن قوله : { من عبادنا } دل على أن العباد أكابر مكرمون بالإضافة إليه ، ثم إن المصطفين منهم أشرف منهم ولا يليق بمن يكون أشرف من الشرفاء أن يكون ظالما مع أن لفظ الظالم أطلقه الله في كثير من المواضع على الكافر وسمي الشرك ظلما ، وعلى الوجه الأول الظاهر بين معناه آتينا القرآن لمن آمن بمحمد وأخذوه منه وافترقوا { فمنهم ظالم } وهو المسيء { ومنهم مقتصد } وهو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا { ومنهم سابق بالخيرات } وهو الذي أخلص العمل لله وجرده عن السيئات ، فإن قال قائل كيف قال في حق من ذكر في حقه أنه من عباده وأنه مصطفى إنه ظالم ؟ مع أن الظالم يطلق على الكافر في كثير من المواضع ، فنقول المؤمن عند المعصية يضع نفسه في غير موضعها فهو ظالم لنفسه حال المعصية وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » ويصحح هذا قول عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : « ظالمنا مغفور له » وقال آدم عليه السلام مع كونه مصطفى : { ربنا ظلمنا أنفسنا } وأما الكافر فيضع قلبه الذي به اعتبار الجسد في غير موضعه فهو ظالم على الإطلاق ، وأما قلب المؤمن فمطمئن بالإيمان لا يضعه في غير التفكر في آلاء الله ولا يضع فيه غير محبة الله ، وفي المراتب الثلاث أقوال كثيرة : أحدها : الظالم هو الراجح السيئات والمقتصد هو الذي تساوت سيئاته وحسناته والسابق هو الذي ترجحت حسناته ثانيها : الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه ، والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه ، والسابق من باطنه خير ثالثها : الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه ، والمقتصد هو الموحد الذي يمنع جوارحه من المخالفة بالتكليف ، والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد عن التوحيد ورابعها : الظالم صاحب الكبيرة ، والمقتصد صاحب الصغيرة ، والسابق المعصوم خامسها : الظالم التالي للقرآن غير العالم به والعامل بموجبه ، والمقتصد التالي العالم ، والسابق التالي العالم العامل سادسها : الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم سابعها : الظالم أصحاب المشأمة ، والمقتصد أصحاب الميمنة ، والسابق السابقون المقربون ثامنها : الظالم الذي يحاسب فيدخل النار ، والمقتصد الذي يحاسب فيدخل الجنة ، والسابق الذي يدخل الجنة من غير حساب تاسعها : الظالم المصر على المعصية ، والمقتصد هو النادم والتائب ، والسابق هو المقبول التوبة عاشرها : الظالم الذين أخذ القرآن ولم يعمل به والمقتصد الذي عمل به ، والسابق الذي أخذه وعمل به وبين للناس العمل به فعملوا به بقوله فهو كامل ومكمل ، والمقتصد كامل والظالم ناقص ، والمختار هو أن الظالم من خالف فترك أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للشيء في غير موضعه ، والمقتصد هو المجتهد في ترك المخالفة وإن لم يوفق لذلك وندر منه ذنب وصدر عنه إثم فإنه اقتصد واجتهد وقصد الحق والسابق هو الذي لم يخالف بتوفيق الله ويدل عليه قوله تعالى : { بإذن الله } أي اجتهد ووفق لما اجتهد فيه وفيما اجتهد فهو سابق بالخير يقع في قلبه فيسبق إليه قبل تسويل النفس والمقتصد يقع في قلبه فتردده النفس ، والظالم تغلبه النفس ، ونقول بعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم ومن جاهد نفسه فغلب تارة وغلب أخرى فهو المقصد ومن قهر نفسه فهو السابق وقوله : { ذلك هو الفضل الكبير } يحتمل وجوها أحدها : التوفيق المدلول عليه بقوله : { بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير } ، ثانيها : السبق بالخيرات هو الفضل الكبير ثالثها : الإيراث فضل كبير هذا على الوجه المشهور من التفسير ، أما الوجه الآخر وهو أن يقال : { ثم أورثنا الكتاب } أي جنس الكتاب ، كما قال تعالى :
{ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير } يرد عليه أسئلة أحدهما : ثم للتراخي وإيتاء الكتاب بعد الإيحاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن فما المراد بكلمة ثم ؟ نقول معناه إن الله خبير بصير خبرهم وأبصرهم ثم أورثهم الكتاب كأنه قال تعالى إنا علمنا البواطن وأبصرنا الظواهر فاصطفينا عبادا ثم أورثنا الكتاب ، ثانيها : كيف يكون من الأنبياء ظالم لنفسه ؟ نقول منهم غير راجع إلى الأنبياء المصطفين ، بل المعنى إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلا وآتيناهم كتبا ، ومنهم أي من قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك ومقتصد آمن بك ولم يأت بجميع ما أمرته به وسابق آمن وعمل صالحا وثالثها : قوله : { جنات عدن يدخلونها } الداخلون هم المذكورون وعلى ما ذكرتم لا يكون الظالم داخلا ، نقول الداخلون هم السابقون ، وأما المقتصد فأمره موقوف أو هو يدخل النار أو لا ثم يدخل الجنة والبيان لأول الأمر لا لما بعده ، ويدل عليه قوله : { يحلون فيها من أساور من ذهب } وقوله : { أذهب عنا الحزن } .
{ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير }
ثم أورثنا الكتاب : أعطيناه بلا تعب ولا مشقة كما يعطى الميراث .
اصطفيناه : اخترنا واشتقاقه من الصفو وهو الخلوص من شوائب الكدر .
ظالم لنفسه : الظلم تجاوز الحد أو من رجحت سيئاته على حسناته .
مقتصد : متوسط أو هو من تساوت حسناته مع سيئاته .
سابق بالخيرات : سبق غيره بعمل الخير أو هو من رجحت حسناته على سيئاته .
جمهور المفسرين على أن هذه الفئات الثلاث من المؤمنين من هذه الأمة وبعضهم فسر الظالم لنفسه بالكافر وقد سئل أبو يوسف رحمه الله عن هذه الآية فقال : كلهم مؤمنون وأما الكافرون فصفتهم بعد هذا وهو قوله تعالى : والذين كفروا لهم نار جهنم . . . ( فاطر : 36 ) .
ومعنى الآية مع ما قبلها : الذي أوحيناه إليك من القرآن الكريم هو الحق وقد أورثنا هذا الكتاب أصحابك من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن يسير سيرتهم إلى يوم القيامة .
اصطفينا أمة محمد صلى الله عليه وسلم وجعلناها أمة وسطا وزودناها بميراث عظيم هو هذا القرآن الكريم المشتمل على العبادات والمعاملات والآداب والأخبار عن الأمم السابقة والبيان الجميل والإعجاز في عرض أدلة القدرة وبيان جمال الكون وإبداع الخلق ومظاهر البعث والقيامة .
وقد ورث القرآن طوائف ثلاث : طائفة ظلمت نفسها بارتكاب المعاصي أو التقصير في حق هذا الكتاب وطائفة مقتصدة متوسطة ، تعمل بالقرآن حينا وتهمل حينا آخر وطائفة سباقة للخير بإذن الله وتوفيقه فهي حريصة على الكتاب والعمل بما فيه والمسابقة إلى تلاوته وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه بإذن ربها وعنايته وهدايته .
روى عن عمر رضي الله عنه قال – وهو على المنبر- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له " . xii
وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرة أفراده وأن المقتصدين قليل بالنظر إليهم والسابقين أقل من القليل وقيل : قدم الظالم لئلا ييأس من رحمة الله وآخر السابق لئلا يعجب بعمله فتعين توسيط المقتصد .
ونلاحظ أن القران الكريم في سورة الواقعة بدأ بالسابقين فقال تعالى : ثلة من الأولين وقليل من الآخرين . ( الواقعة : 13-14 ) .
وثنى بأصحاب اليمين وقال عنهم : ثلة من الأولين* وثلة من الآخرين . ( الواقعة : 39-40 ) .
ثم تكلم عن أصحاب الشمال وذكر أنهم في جهنم .
كما ذكر القرآن الكريم أن السابقين قلة ، حين قال : وقليل من عبادي الشكور . ( سبأ : 13 ) .
وقال عز شأنه : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله . ( الأنعام : 116 ) .
ولعل من المناسب أن نقول إن القرآن الكريم يبدأ في كل حالة بما يناسبها ففي سورة البقرة مثلا بدأ بالمؤمنين وثنى بالكافرين ثم تحدث طويلا عن المنافقين وعن شياطينهم وضرب أمثلة توضح حالهم فكل سياق حكمته وطريقته ومناسبته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.