مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ} (12)

قوله تعالى : { إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين }

في الترتيب وجوه أحدها : أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمنا مسلما ذكر أصلا آخر وهو الحشر وثانيها : وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله : { فبشره بمغفرة } ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال : إن لم ير في الدنيا فالله يحيي الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين وثالثها : أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى وفي التفسير مسائل :

المسألة الأولى : { إنا نحن } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون مبتدأ وخبرا كقول القائل :

أنا أبو النجم وشعري شعري . . .

ومثل هذا يقال عند الشهرة العظيمة ، وذلك لأن من لا يعرف يقال له من أنت ؟ فيقول : أنا ابن فلان فيعرف ومن يكون مشهورا إذا قيل له من أنت يقول أنا أي لا معرف لي أظهر من نفسي فقال : إنا نحن معروفون بأوصاف الكمال ، وإذا عرفنا بأنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى وثانيهما : أن يكون الخبر { نحى } كأنه قال إنا نحيي الموتى ، و { نحن } يكون تأكيدا والأول أولى .

المسألة الثانية : { إنا نحن } فيه إشارة إلى التوحيد لأن الاشتراك يوجب التمييز بغير النفس فإن زيدا إذا شاركه غيره في الاسم ، فلو قال أنا زيد لم يحصل التعريف التام ، لأن للسامع أن يقول : أيما زيد ؟ فيقول ابن عمرو ولو كان هناك زيد آخر أبوه عمرو لا يكفي قوله ابن عمرو ، فلما قال الله : { إنا نحن } أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى تقول أنا كذا فنمتاز ، وحينئذ تصير الأصول الثلاثة مذكورة ؛ الرسالة والتوحيد والحشر .

المسألة الثالثة : قوله : { ونكتب ما قدموا } فيه وجوه أحدها : المراد ما قدموا وأخروا فاكتفى بذكر أحدهما كما في قوله تعالى : { سرابيل تقيكم الحر } والمراد والبرد أيضا وثانيها : المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة وهو كما قال تعالى : { بما قدمت أيديهم } أي بما قدمت في الوجود على غيره وأوجدته وثالثها : نكتب نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم على هذا الوجه .

المسألة الرابعة : وآثارهم فيه وجوه الأول : آثارهم أقدامهم فإن جماعة من أصحابه بعدت دورهم عن المساجد فأرادوا النقلة فقال صلى الله عليه وسلم : « إن الله يكتب خطواتكم ويثيبكم عليه فالزموا بيوتكم » والثاني : هي السنن الحسنة ، كالكتب المصنفة والقناطر المبنية ، والحبائس الدارة ، والسنن السيئة كالظلمات المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة ، وآلات الملاهي وأدوات المناهي المعمولة الباقية ، وهو في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجر العامل شيء ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها »

فما قدموا هو أفعالهم وآثارهم أفعال الشاكرين فبشرهم حيث يؤاخذون بها ويؤجرون عليها والثالث : ما ذكرنا أن الآثار الأعمال وما قدموا النيات فإن النية قبل العمل .

المسألة الخامسة : الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال : نحيي ونكتب ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم نقول الكتابة معظمة لأمر الإحياء لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلا فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره ، فلهذا قدم الإحياء ولأنه تعالى لما قال : { إنا نحن } وذلك يفيد العظمة والجبروت ، والإحياء عظيم يختص بالله والكتابة دونه فقرن بالتعريف الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم وقوله : { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } يحتمل وجوها أحدها : أن يكون ذلك بيانا لكون ما قدموا وآثارهم أمرا مكتوبا عليهم لا يبدل ، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال : { ونكتب ما قدموا } بين أن قبل ذلك كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ثم إذا فعلوه كتب عليهم أنهم فعلوه وثانيها : أن يكون ذلك مؤكدا لمعنى قوله : { ونكتب } لأن من يكتب شيئا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال : نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهذا كقوله تعالى : { علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } وثالثها : أن يكون ذلك تعميما بعد التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه ، بل كل شيء محصي في إمام مبين ، وهذا يفيد أن شيئا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله ولا يفوته ، وهذا كقوله تعالى : { وكل شيء فعلوه في الزبر * وكل صغير وكبير مستطر } يعني ليس ما في الزبر منحصرا فيما فعلوه بل كل شيء فعلوه مكتوب ، وقوله : { أحصيناه } أبلغ من كتبناه لأن من كتب شيئا مفرقا يحتاج إلى جمع عدده فقال : هو محصي فيه وسمي الكتاب إماما لأن الملائكة يتبعونه فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه وقيل هو اللوح المحفوظ ، وإمام جاء جمعا في قوله تعالى : { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } أي بأئمتهم وحينئذ فإمام إذا كان فردا فهو ككتاب وحجاب وإذا كان جمعا فهو كجبال وحبال والمبين هو المظهر للأمور لكونه مظهرا للملائكة ما يفعلون وللناس ما يفعل بهم وهو الفارق يفرق بين أحوال الخلق فيجعل فريقا في الجنة وفريقا في السعير .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ} (12)

1

{ إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين }

المفردات :

إنا نحن نحي الموتى : نبعثهم بعد الموت .

ما قدموا : ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة .

وآثارهم : ما أبقوه من الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد الموت ، كالعلم والكتاب والمسجد والمستشفى والمدرسة أو من السيئات كنشر البدع والمظالم والأضرار والضلالات بين الناس .

إمام مبين : أصل يؤتم به أو اللوح المحفوظ ، أو صحائف الأعمال .

التفسير :

إنا قادرون على إحياء الموتى ، وبعثهم من قبورهم للحساب والجزاء وقد سجلنا لجميع الموتى مؤمنين أو كافرين ما قدموه وأسلفوه من عمل صالح أو سيء وما تركوه من أثر صالح أو خبيث فنجزيهم على كل عمل قدموه في حياتهم أو تركوا أثره بعد وفاتهم نجازيهم بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وقد ضبطنا كل شيء وأحصيناه في سجل مضبوط .

لقد كان كفار مكة ينكرون البعث ويقولون : ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع ، وما يهلكنا إلا الدهر والسور مكية تواجه كفار مكة ، وتخبرهم أن البعث حق وأن الجزاء من جنس العمل ، واتلله سيحصي على كل إنسان ما قدمه وما أخره ما قدمه من عمل صالح كالصلاة والزكاة والصدقة ، وما أخره وما خلفه بعد موته من وصية نافعة أو بناء ملجأ أو مدرسة أو مستشفى ، أو كتاب علم أو تفسير قرآن أو علم تطبيقي يفيد الأمة ويأخذ بيدها إلى التقدم والقوة ، كل ذلك يسجله الله ويحاسب عليه كما يسجل على الكافرين والفاسقين والعابثين ما قدموا من ضلالات ورذائل وما أخروا من عمل على نشر الرذيلة والسوء في الملاهي أو الكتب الخليعة أو الأفكار الضالة .

{ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين . . . } وكل عمل كائنا ما كان قليلا أو كبيرا عظيما أو صغيرا نافعا أو ضارا بيناه وحفظناه في إمام مبين وأصل عظيم الشأن مظهرا لما كان وما سيكون وهو اللوح المحفوظ الذي يؤتم به ويقتدى ويتبع ولا يخالف .

قال تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا أقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . ( الإسراء : 13-14 ) .

وقال عز شأنه : علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى . ( طه : 52 ) .

وقال سبحانه : وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر . ( القمر : 52-53 ) .

وقال سبحانه : إنا كنا نستنتج ما كنتم تعملون . ( الجاثية : 39 ) .

وقال تعالى : أحصاه الله ونسوه . . . ( المجادلة : 6 ) .

وذهب بعض المفسرين إلى أنه يمكن تفسير هذه الآية بأن الله تعالى يحيي قلوب الكافرين ويهديهم إلى الإيمان كما صنع يوم فتح مكة ، حين دخل الناس في دين الله أفواجا وحين اتسع صدر الإسلام فعفا عن كفار مكة وتحول كفار الأمس إلى مؤمنين مجاهدين يفتحون فارس والروم ومصر وشمال أفريقيا حتى دانت ثلاثة أرباع المعمور بالإسلام خلال مائة عام من الرسالة المحمدية ونطق باللغة العربية كثيرون ممن دخلوا في الإسلام وكانت الثقافة الإسلامية واللغة العربية والقرآن الكريم وعلومه التي نشأت حوله موردا صافيا للأمم التي دخلت في الإسلام وساعد على ذلك أن الإسلام رسالة عامة للعرب والعجم ، والإنس والجن والناس أجمعين .

قال تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين . ( الأنبياء : 107 ) .

من تفسير ابن كثير :

{ إنا نحن نحيي الموتى . . . } أي : يوم القيامة ، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة ، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق كما قال الله تعالى بعد ذكر قسوة القلوب : اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون . ( الحديد : 17 ) .

وقوله تعالى : { ونكتب ما قدموا } أي : من الأعمال .

وفي قوله تعالى : { وءاثارهم } : قولان : أحدهما : نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم وآثارهم التي أثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضا إن خيرا فخير وإن شرا فشر .

وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : فيما أخرجه مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها واجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا " . 6

وهكذا الحديث الآخر الذي أخرجه مسلم عن أبيس هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده " . 7

وقال مجاهد في قوله تعالى : ونكتب ما قدموا وءاثارهم . ما أورثوا من الضلالة .

وقال سعيد بن جبير وءاثارهم يعني : ما أثروا .

يقول : ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم وهذا القول هو اختيار البغوي .

والقول الثاني : أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية قال مجاهد : ما قدموا أعمالهم وءاثارهم قال : خطاهم بأرجلهم .

وقال قتادة : لو كان الله عز وجل مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفى الرياح من هذه الآثار ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى أو من معصيته فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى فليفعل .

وقد وردت في هذا المعنى أحاديث منها ما أخرجه الإمام أحمد ، والإمام مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : " إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد " قالوا نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال صلى الله عليه وسلم " يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم " . 8

أي : ألزموا دياركم حتى تكتب آثار خطواتكم إلى المسجد .

{ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } أي وجميع الكائنات مكتوبة في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ .

{ إمام مبين } ههنا هو أم الكتاب : قاله مجاهد وقتادة وكذا في قوله تعالى : يوم ندعوا كل أناس بإمامهم . ( الإسراء : 71 ) .

أي : بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو شر كما قال عز وجل : ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء . . ( الزمر : 69 ) .

وقال تعالى : ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا . ( الكهف : 49 ) 9

***