قوله تعالى { لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا }
المسألة الأولى : اعلم أن قوله { لكن } لا يبتدأ به لأنه استدراك على ما سبق ، وفي ذلك المستدرك قولان : الأول : أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قوله { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء } وهذا الكلام يتضمن أن هذا القرآن ليس كتابا نازلا عليهم من السماء فكأنه قيل : إنهم وإن شهدوا بأن القرآن لم ينزل عليه من السماء لكن الله يشهد بأنه نازل عليه من السماء . الثاني : أنه تعالى لما قال { إنا أوحينا إليك } قال القوم : نحن لا نشهد لك بذلك ، فنزل { لكن الله يشهد } .
المسألة الثانية : شهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل عليه هذا القرآن البالغ في الفصاحة في اللفظ والشرف في المعنى إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته ، فكان ذلك معجزا وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي صادقا ، ولما كانت شهادته إنما عرفت بواسطة إنزال القرآن لا جرم قال { لكن الله يشهد بما أنزل إليك } أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك .
ثم قال تعالى : { أنزله بعلمه } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال : { يشهد بما أنزل إليك } بين صفة ذلك الإنزال وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة ، فصار قوله { أنزله بعلمه } جاريا مجرى قول القائل : كتبت بالقلم وقطعت بالسكين ، والمراد من قوله { أنزله بعلمه } وصف القرآن بغاية الحسن ونهاية الكمال ، وهذا مثل ما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل والعلم إذا صنف كتابا واستقصى في تحريره : إنه إنما صنف هذا بكمال علمه وفضله ، يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف هذا الكتاب . فيدل ذلك على وصف ذلك التصنيف بغاية الجودة ونهاية الحسن ، فكذا هاهنا والله أعلم .
المسألة الثانية : قال أصحابنا : دلت الآية على أن لله تعالى علما ، وذلك لأنها تدل على إثبات علم الله تعالى ، ولو كان علمه نفس ذاته لزم إضافة الشيء إلى نفسه وهو محال .
ثم قال : { والملائكة يشهدون } وإنما تعرف شهادة الملائكة له بذلك لأن ظهور المعجز على يده يدل على أنه تعالى شهد له بالنبوة ، وإذا شهد الله له بذلك فقد شهدت الملائكة لا محالة بذلك لما ثبت في القرآن أنهم لا يسبقونه بالقول ، والمقصود كأنه قيل : يا محمد إن كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فإن الله تعالى وهو إله العالمين يصدقك في ذلك ، وملائكة السموات السبع يصدقونك في ذلك ، ومن صدقه رب العالمين وملائكة العرش والكرسي والسماوات السبع أجمعون لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس ، وهم هؤلاء اليهود .
ثم قال تعالى : { وكفى بالله شهيدا } والمعنى وكفى الله شهيدا ، وقد سبق الكلام في مثل هذا .
166-لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا . ترد هذه الآية ردا على جحود اليهود لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد أنكروا رسالته وجحدوا نبوته .
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم : إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله ، فقالوا : ما نعلم ذلك ، فأنزل الله قوله : لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ {[158]} .
أي : إذا تعنت اليهود ولم يشهدوا لك بالرسالة فإن الله عز وجل يشهد بأن القرآن الكريم الذي أنزله إليك بوساطة جبريل الأمين ، قد أنزله بعلمه ومعرفته محتويا على علم الله وتشريعاته من الحلال والحرام والآداب والأحكام ، والملائكة تشهد بصدق محمد وبأن ما أنزل عليه حق ، وبأنه من عند الله وكفى بالله شهيدا على صدقك حيث أيدك بالمعجزات الباهرة ، والبراهين الساطعة ، المغنية عن شهادة هؤلاء المعاندين ، وقد عرفت شهادة الملائكة بشهادة الله ؛ فإن من شهد الله له شهدت له ملائكته .
جاء في تفسير ابن كثير لقوله تعالى : لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ . أي : فيه علمه الذي أراد أ يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان ، وما يحبه الله ويرضاه ، وما يكرهه ويأباه ، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل ، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به . كما قال تعالى وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء . ( البقرة : 255 ) ، وقال : وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا . ( طه : 110 ) .
وقال ابن أبي حاتم عن عطاء بن السائب قال : أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن ، وكان إذا أقرا عليه أحدنا القرآن قال : قد أخذت علم الله ، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل ، ثم يقرأ قوله : أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.