مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا} (165)

ثم قال تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في انتصاب قوله { رسلا } وجوه : الأول : قال صاحب الكشاف : الأوجه أن ينتصب على المدح . والثاني : أنه انتصب على البدل من قوله { ورسلا } الثالث : أن يكون التقدير : أوحينا إليهم رسلا فيكون منصوبا على الحال والله أعلم .

المسألة الثانية : اعلم أن هذا الكلام أيضا جواب عن شبهة اليهود ، وتقريره أن المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية الله ، وأن ينذروهم على الإعراض عن العبودية ، فهذا هو المقصود الأصلي من البعثة ، فإذا حصل هذا المقصود فقد كمل الغرض وتم المطلوب ، وهذا المقصود الأصلي حاصل بإنزال الكتاب المشتمل على بيان هذا المطلوب ، ومن المعلوم أنه لا يختلف حال هذا المطلوب بأن يكون ذلك الكتاب مكتوبا في الألواح أو لم يكن ، وبأن يكون نازلا دفعة واحدة أو منجما مفرقا ، بل لو قيل : إن إنزال الكتاب منجما مفرقا أقرب إلى المصلحة لكان أولى لأن الكتاب إذا نزل دفعة واحدة كثرت التكاليف وتوجهت بأسرها على المكلفين فيثقل عليهم قبولها ، ولهذا السبب أصر قوم موسى عليه السلام على التمرد ولم يقبلوا تلك التكاليف ، أما إذا نزل الكتاب منجما مفرقا لم يكن كذلك ، بل ينزل التكاليف شيئا فشيئا وجزءا فجزءا ، فحينئذ يحصل الإنقياد والطاعة من القوم وحاصل هذا الجواب أن المقصود من بعثة الرسل وإنزال الكتب هو الإعذار والإنذار ، وهذا المقصود حاصل سواء نزل الكتاب دفعة واحدة أو لم يكن كذلك ، فكان اقتراح اليهود في أنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحا فاسدا . وهذا أيضا جواب عن تلك الشبهة في غاية الحسن ، ثم ختم الآية بقوله { وكان الله عزيزا حكيما } يعني هذا الذي يطلبونه من الرسول أمر هين في القدرة ، ولكنكم طلبتموه على سبيل اللجاج وهو تعالى عزيز ، وعزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه فكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع لعلمه تعالى بأنه لو فعل ذلك لبقوا مصرين على لجاجهم ، وذلك لأنه تعالى أعطى موسى عليه السلام هذا التشريف ومع ذلك فقومه بقوا معه على المكابرة والإصرار واللجاج ، والله أعلم .

المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى لا يثبت إلا بالسمع قالوا لأن قوله { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } يدل على أن قبل البعثة يكون للناس حجة في ترك الطاعات والعبادات ، ونظيره قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقوله { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك من قبل أن نذل ونخزى } .

المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : دلت هذه الآية على أن العبد قد يحتج على الرب ، وأن الذي يقوله أهل السنة من أنه تعالى لا اعتراض عليه في شيء ، وأن له أن يفعل ما يشاء كما يشاء ليس بشيء قالوا : لأن قوله { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } يقتضي أن لهم على الله حجة قبل الرسل ، وذلك يبطل قول أهل السنة .

والجواب : المراد لئلا يكون للناس على الله حجة أي ما يشبه الحجة فيما بينكم . قالت المعتزلة : وتدل هذه الآية أيضا على أن تكليف ما لا يطاق غير جائز لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذرا فبأن يكون عدم المكنة والقدرة صالحا لأن يكون عذرا كان أولى ، وجوابه المعارضة بالعلم ، والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا} (165)

المفردات :

حجة : معذرة يعتذر بها .

التفسير :

165- رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ .

المقصود من هذه لآية بيان مهمة الرسل ، فهم يبشرون بالجنة من أطاع ، وينذرون بالنار من عصى . وقد خلق الله هذا الكون وأبدع نظامه حتى صار شاهدا للعاقل على وجود الله وتفرده وقدرته .

ومع ذلك فقد اقتضت رحمته بعباده أن يرسل الرسل ضمانا لهداية الله الناس ؛ لان العقل قد يعجز عن إذراك حقائق الأمور ونتائجها .

والرسل عليهم الصلاة والسلام : إنما جاءوا لينبهوا إلى النظر في عجائب الكون وما فيه من دلائل ويبينوها ، وهم الذين يبلغون رسالات ربهم إلى الناس ، ويبينون لهم أحكامه وشرائعه .

وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا . أي : وكان الله ولم يزل عزيزا . وهو القادر الغالب على كل شيء ، حكيما . أي : بالغ الحكمة في كل ما يدير من شئون الكون .

ومن ذلك تدبير أمر النبوة ، وتخصيص كل نبي بنوع من الوحي والإعجاز ، على النحو الذي اقتضت حكمته ، مراعاة للزمان والمكان الذي بعث فيه كل رسول .

تذييل :

جاء في رسالة التوحيد- للشيخ محمد عبده- كلام نفيس عن حاجة البشر إلى إرسال الرسل وعن وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام . حيث قال :

الرسل يرشدون العقل إلى معرفة الله وما يجب أن يعرف من صفاته ، ويبينون الحد الذي يجب أن يقف عنده في طلب ذلك العرفان ، على وجه لا يشق عليه الاطمئنان إليه ، ولا يرفع ثقته بما آتاه الله من القوة .

الرسل يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم ، وتنازعته مصالحهم ولذاتهم ، فيفضلون في تلك المخاصمات بأمر الله الصادع . ويؤدون بما يبلغون عنه ما تقوم به المصالح العامة ، ولا يفوت به المصالح الخاصة .

الرسل يضعون لهم بأمر الله حدودا عامة ، يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم ، كاحترام الدماء البشرية إلا بحق . مع بيان الحق الذي تهدر له ، وحظر تناول شيء مما كسبه الغير إلا بحق ، مع بيان الحق الذي يبيح تناوله ، واحترام الأعراض ، مع بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع

يحملونه على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية إلى طلب الرغائب السامية آخذين في ذلك كله بطرق من الترغيب والترهيب ، والإنذار والتبشير حسبما أمرهم الله- جل شأنه- .

يفصلون في جميع ذلك ما يؤهلهم لرضا الله عنهم وما يعرضهم لسخطه عليهم ، ثم يحيطون بيانهم بنبإ الدار الآخرة وما أعد الله فيها من الثواب وحسن العقبى ، لمن وقف عند حدوده وأخذ بأوامره . . .

وبهذا تطمئن النفوس ، وتثلج الصدور ، ويعتصم المرزوء بالصبر ، انتظارا لجزيل الأجر أو إرضاء لمن بيده الأمر ، وبهذا ينحل أعظم مشكل في الاجتماع الإنساني ، لا يزال العقلاء يجتهدون أنفسهم في حله إلى اليوم {[157]} .


[157]:رسالة التوحيد لأستاذ الإمام عبده ص117 وما بعدها نقلا عن تفسير سورة النساء للدكتور محمد سيد طنطاوي ص521.