مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا} (83)

قوله تعالى : { وإذا جاءهم أمر من الأمن او الخوف به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا }

اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعا آخر من الأعمال الفاسدة ، وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوه وأفشوه ، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه : الأول : أن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير . والثاني : أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة ، فإذا لم توجد تلك الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام ، لأن المنافقين كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول ، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين ، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب ، فكانت تلك الارجافات سببا للفتنة من هذا الوجه .

الوجه الثالث : وهو أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام ، وذلك سبب لظهور الأسرار ، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة . الرابع : أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفار ، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب وفي انتهاز الفرصة فيه ، فكل ما كان آمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني ، فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار ، فأخذوا في التحصن من المسلمين ، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم ، وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك ، وزادوا فيه وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين ، فظهر من هذا أن ذلك الارجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه ، ولما كان الأمر كذلك ذم الله تلك الإذاعة وذلك التشهير ، ومنعهم منه .

واعلم أن قوله : أذاع به لغتان .

ثم قال تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } .

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في { أولى الأمر } قولان : أحدهما : إلى ذوي العلم والرأي منهم . والثاني : إلى أمراء السرايا ، وهؤلاء رجحوا هذا القول على الأول ، قالوا لأن أولي الأمر الذين لهم أمر على الناس ، وأهل العلم ليسوا كذلك ، إنما الأمراء هم الموصوفون بأن لهم أمرا على الناس .

وأجيب عنه : بأن العلماء إذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه ، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه ، والذي يدل عليه قوله تعالى : { ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } فأوجب الحذر بإنذارهم وألزم المنذرين قبول قولهم ، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم .

المسألة الثانية : الاستنباط في اللغة الاستخراج ؛ يقال : استنبط الفقيه إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه ، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر ، والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم الماء من الأرض .

المسألة الثالثة : في قوله : { الذين يستنبطونه منهم } قولان : الأول : أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون ، والتقدير : ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر ، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، وهم هؤلاء المنافقون المذيعون منهم ، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر .

القول الثاني : أنهم طائفة من أولي الأمر ، والتقدير : ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر ، وذلك لأن أولي الأمر فريقان ، بعضهم من يكون مستنبطا ، وبعضهم من لا يكون كذلك ، فقوله : { منهم } يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر .

فإن قيل : إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون ، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله : { وإلى أولى الأمر منهم } .

قلنا : إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر ، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون ، ونظيره قوله تعالى : { وإن منكم لمن ليبطئن } وقوله : { ما فعلوه إلا قليل منهم } والله أعلم .

المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على أن القياس حجة في الشرع ، وذلك لأن قوله : { الذين يستنبطونه منهم } صفة لأولي الأمر ، وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم ، ولا يخافوا أن يرجعوا إليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها ، أولا مع حصول النص فيها ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط لأن من روى النص في واقعة لا يقال : إنه استنبط الحكم ، فثبت أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها ، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك ، فثبت أن الاستنباط حجة ، والقياس إما استنباط أو داخل فيه ، فوجب أن يكون حجة . إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على أمور : أحدها : أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط . وثانيها : أن الاستنباط حجة : وثالثها : أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث . ورابعها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفا باستنباط الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر .

ثم قال تعالى : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ولم يخصص أولي الأمر بذلك دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط .

فإن قيل : لا نسلم أن المراد بقوله : { الذين يستنبطونه منهم } هم أولوا الأمر ، بل المراد منهم المنافقون المذيعون على ما رويتم هذا القول في تفسير الآية ، سلمنا أن المراد بالذين يستنبطونه منهم أولو الأمر لكن هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد ، فهب أن الرجوع إلى الاستنباط جائز فيها ، فلم قلتم إنه يلزم جوازه في الوقائع الشرعية ؟ فإن قيس أحد البابين على الآخر كان ذلك إثباتا للقياس الشرعي بالقياس الشرعي وإنه لا يجوز ، سلمنا أن الاستنباط في الأحكام الشرعية داخل تحت الآية . فلم قلتم : إنه يلزم أن يكون القياس حجة ؟ بيانه أنه يمكن أن يكون المراد من الاستنباط استخراج الأحكام من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص ، أو المراد من استخراج الأحكام من البراءة الأصلية ، أو مما ثبت بحكم العقل كما يقول الأكثرون : إن الأصل في المنافع الإباحة ، وفي المضار الحرمة ، سلمنا أن القياس من الشرعي داخل في الآية ، لكن بشرط أن يكون ذلك القياس مفيدا للعلم بدليل قوله تعالى : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } فأخبر تعالى في هذه الآية أنه يحصل العلم من هذا الاستنباط ، ولا نزاع في مثل هذا القياس ، إنما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في الشرع أم لا ؟ والجواب :

أما في السؤال الأول : فمدفوع لأنه لو كان المراد بالذين يستنبطونه المنافقين لكان الأولى أن يقال : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه ، لأن عطف المظهر على المضمر ، وهو قوله : { ولو ردوه } قبيح مستكره .

وأما السؤال الثاني : فمدفوع لوجهين : الأول : أن قوله : { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف } عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما يتعلق بسائر الوقائع الشرعية ، لأن الأمن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف ، فثبت أنه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب . الثاني : هب أن الأمر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي ، ولما ثبت جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل بالفرق ، ألا ترى أن من قال : القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه ، فكذا ههنا .

وأما السؤال الثالث : وهو حمل الاستنباط على النصوص الخفية أو على تركيبات النصوص فجوابه : أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصا ، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطا . قوله : لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الأصلية ؟ قلنا ليس هذا استنباطا بل هو إبقاء لما كان على ما كان ، ومثل هذا لا يسمى استنباطا البتة .

وأما السؤال الرابع : وهو قوله إن هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم ، والقياس الشرعي لا يفيد العلم .

قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم ، وذلك لأن بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع ، فههنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الأصل ، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن ، فالحاصل أن الظن واقع في طريق الحكم ، وأما الحكم فمقطوع به ، وهو يجري مجرى ما إذا قال الله : مهما غلب على ظنك كذا فاعلم ان في الواقعة الفلانية حكمي كذا فإذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم . والثاني : وهوأن العلم قد يطلق ويراد به الظن ، قال عليه الصلاة والسلام :

« إذا علمت مثل الشمس فاشهد » شرط العلم في جواز الشهادة ، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة ، فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم والله أعلم .

ثم قال تعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أن ظاهر هذا الاستنثاء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته ومعلوم أن ذلك محال . فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا وجوها ، قال بعضهم : هذا الاستثناء راجع إلى قوله : { أذاعوا } وقال قوم : راجع إلى قوله : { لعلمه الذين يستنبطونه } وقال آخرون : إنه راجع إلى قوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } .

واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة للأخبار عن هذه الأحكام الثلاثة ، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها ، فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل .

أما القول الأول : فالتقدير : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله : { بيت طائفة منهم غير الذى تقول } .

والقول الثاني : الاستنثاء عائد إلى قوله : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل : قال الفراء والمبرد : القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه ، والأكثر يجهله ، وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك . قال الزجاج : هذا غلط لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض ، إنما هو استنباط خبر ، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ، إنما البالغ في البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال : كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف الأخبار والأراجيف ، أما إذا حملناه على الاستنباط في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد .

القول الثالث : أنه متعلق بقوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه .

واعلم أن هذا القول لا يتمشى الا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص ، وفيه وجهان : الأول : وهو قول جماعة من المفسرين ، أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية إنزال القرآن وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، والتقدير : ولولا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله إلا قليلا منكم ، فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان ، وما كان يكفر بالله ، وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وهم الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم .

الوجه الثاني : ما ذكره أبو مسلم ، وهو أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم : { فأفوز فوزا عظيما } فبين تعالى أنه لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين إلا القليل منكم ، وهم أهل البصائر الناقدة والنيات القوية والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقا حصول الدولة في الدنيا ، فلأجل تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقا ، ولأجل تواتر الانهزام والانكسار يدل على كونه باطلا ، بل الأمر في كونه حقا وباطلا على الدليل ، وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق .

المسألة الثانية : دلت الآية على أن الذين اتبعوا الشيطان فقد منعهم الله فضله ورحمته ، وألا ما كان يتبع ، وهذا يدل على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على الله رعاية الأصلح في الدين . أجاب الكعبي عنه بأن فضل الله ورحمته عامان في حق الكل ، لكن المؤمنين انتفعوا به ، والكافرين لم ينتفعوا به ، فصح على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافر من الله فضل ورحمة في الدين .

والجواب : أن حمل اللفظ على المجاز خلاف الاصل .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا} (83)

المفردات :

أمر : خبر عن سرايا الرسول صلى الله عليه وسلم .

الأمن : النصر .

الخوف : الهزيمة .

أذاعوا به : نشروه وأفشوه .

يستنبطونه : يستخرجون حقائقه المستورة الخفية ، ومقاصده البعيدة .

التفسير :

83- وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ . . . الآية .

تقدم هذه السورة ألوانا من التربية الإسلامية وآدابها ، ومن هذه الآداب : التثبت في القول ، وألا يحدث الإنسان بكل ما يسمع ، وألا ينقل الأخبار إلا بعد التيقن من صدقها . روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع " {[27]} .

وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة '' أن رسول الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال'' {[28]} أي : الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين .

وفي الصحيح '' من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو من الكذابين'' {[29]} وقد نقل ابن كثير في تفسيره طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة ، تدعو المسلمين إلى التثبت في القول ، وعدم نشر الإشاعات ، والأراجيف ، والرجوع إلى الثقات ، وإلى أولي الأمر ؛ للتثبت من الأخبار ، والتيقن من الأمور ، قبل المشاركة في إذاعتها وترويجها .

و نلمح أن بعض المنافقين ، أو بعض ضعاف النفوس ممن شهوتهم الكلام ، كانوا يرجون أخبار النصر و الأمن ، وأخبار الهزيمة و الخوف ، وهذه الأمور تسهل للعدو مهمة التجسس ، ومعرفة مواطن الضعف و القوة لدى المسلمين .

وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ .

فواجب على كل مسلم أن يرد هذه الأخبار إلى أولي الحل والعقد من المسلمين ؛ فإنهم هم الذين يستطيعون تقييم هذه الأخبار ، وتقدير ما إذا كان من المصلحة العامة للدولة إذاعتها أو كتمانها ، كذلك هم- باطلاعهم على خفايا الأمور- أعرف بصحة تلك الأخبار أو فسادها .

قال ابن كثير :

ونذكر هنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته {[30]} ، حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه ، فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستفهمه : أطلقت نساءك ؟ فقال لا ، قال عمر : فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه ، ونزلت هذه الآية : وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ . فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر .

ومعنى يستنبطونه : يستخرجونه من معادنه ، يقال : استنبط الرجل العين إذا حفرها واستخرجها من قعورها {[31]}

والذين يستنبطون الحقائق هم الذين يطلعون على خفايا الأمور أو المراد بهم الذين رجعوا بهذه الأخبار- حينما سمعوها- إلى الرسول وأصحابه ، فإنهم يعرفون- عن طريقهم- ما خفي عليهم أمره من هذه الأخبار . وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً .

ولولا حفظ الله لكم ، وتثبيته لقلوبكم ؛ لوقعتم فيما وقع فيه المنافقون ، وضعفاء الإيمان وذوو الغفلة ، ولولا رحمة الله بهذه الأمة ؛ لضل الكثير من أبنائها ، بإتباع سبيل الشيطان ، ولكان مصيرها الضياع والانهزام ، وضعف الثقة في النفوس .

لكن من عناية الله بهده الأمة ، أن جعل فيها قلة ممتازة ، تتميز بقوة العزيمة ، وثبات الإيمان ، وعدم تصديق الأراجيف أو إذاعتها ، وهذه القلة بمثابة الأساس المتين الذي يقوم عليه البناء ويعتمد عليه ، ويصح أن يكون المراد بقوله : لا تبعتم الشيطان إلا قليلا . إلا في قليل من أعمالكم .

وبالتأمل فيما تضمنته الآية الكريمة من إرشادات حكيمة ، يتضح أن القرآن الكريم ، قد سبق جميع النظم الحربية ، في وضع أقوى الوسائل لمواجهة ما يسمى الآن : الحرب النفسية ، أو حرب الأعصاب . وهي التي تدير الحرب العسكرية .


[27]:كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع: رواه مسلم في المقدمة (5) وأبو داود في الأدب (4992) من حديث حفص بن عاصم- عن أبي هريرة- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع: قال أبو داود ولم يذكر حفص أبا هريرة قال أبو داود ولم يسنده إلا هذا الشيخ يعني على بن حفص المدائني. ورواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع. ورواه أيضا من حديث أبي الأحوص عن عبد الله قال: بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع.
[28]:)إن الله كره لكم قيل وقال: رواه البخاري في كتاب الزكاة (1477) في الاستقراض (2408) وفي الأدب (5975) وفي الوفاق (6473) وفي الاعتصام (7292) ومسلم في كتاب الأقضية (1715) من حديث المغيرة بن شعبة.
[29]:من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب: رواه أحمد (17776،17746،17719) من حديث المغيرة بن شعبة. ورواه مسلم في المقدمة، والترمذي في العلم (2662) من حديث المغيرة بن شعبة أيضا إلا أنه بلفظ: من حدث عني. ورواه مسلم في المقدمة، وأحمد (19650،19712) من حديث سمرة بن جندب. ورواه ابن ماجع في المقدمة (40) من حديث علي، ثم أسنده من حديث سمرة. قال الترمذي: هذا حديث صحيح وروى شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث وروى الأعمش وابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم وكأن حديث عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن سمرة عند أهل الحديث أصح قال: سألت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين، قلت له: من روى حديثا وهو يعلم ان إسناده خطأ أيخاف أن يكون قد دخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو إذا روى الناس حديثا مرسلا فأسنده بعضهم أو قلب إسناده يكون قد دخل في هذا الحديث فقال:لا إنما معنى هذا الحديث إذا روى الرجل حديث ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أصل فحدث به فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث.
[30]:لا حينما سأله عمر: أطلقت نساءك؟ حديث الإيلاء: هذا اللفظ جزء من حديث الإيلاء:رواه البخاري في العلم (89) وفي المظالم ح (2468، 2469) وفي التفسير ح (4913، 4914، 4915) وفي النكاح ح (5203،5191) وفي الطلاق ح (5267) وفي اللباس ح (5843) وفي الأدب (6218) وفي أخبار الآحاد ح 6721 ومسلم في الطلاق ح (1479) والترمذي في التفسير ح (3318) والنسائي في الطلاق ح (3455) وأبو داود في الأدب ح 4525 وأحمد في مسنده ح 341.
[31]:تفسير ابن كثير 1/530.