مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (90)

قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون }

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع ، ووجه اتصاله بما قبله أنه تعالى قال فيما تقدم { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } إلى قوله { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر لا جرم أنه تعالى بين أنهما غير داخلين في المحللات ، بل في المحرمات .

واعلم أنا قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وذكرنا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله { وما ذبح على النصب وأن تستقيموا بالأزلام } فمن أراد الاستقصاء فعليه بهذه المواضع .

وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان : الأول : سميت الخمر خمرا لأنها خامرت العقل ، أي خالطته فسترته ، والثاني : قال ابن الأعرابي : تركت فاختمرت ، أي تغير ريحها ، والميسر هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر .

واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين : الأول : قوله { رجس } والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل . يقال : رجس الرجل رجسا ورجس إذا عمل عملا قبيحا ، وأصله من الرجس بفتح الراء ، وهو شدة الصوت . يقال : سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد فكان الرجس هو العمل الذي يكون قوي الدرجة كامل الرتبة في القبح .

الوصف الثاني : قوله { من عمل الشيطان } وهذا أيضا مكمل لكونه رجسا لأن الشيطان نجس خبيث لأنه كافر والكافر نجس لقوله { إنما المشركون نجس } والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث لقوله { الخبيثات للخبيثين } وأيضا كل ما أضيف إلى الشيطان فالمراد من تلك الإضافة المبالغة في كمال قبحه . قال تعالى : { فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان } ثم إنه تعالى لما وصف هذه الأربعة بهذين الوصفين قال { فاجتنبوه } أي كونوا جانبا منه ، والهاء عائدة إلى ماذا فيه وجهان : الأول : أنها عائدة إلى الرجس ، والرجس واقع على الأربعة المذكورة ، فكان الأمر بالاجتناب متناولا للكل . الثاني : أنها عائدة إلى المضاف المحذوف ، كأنه قيل : إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك ، ولذلك قال : { رجس من عمل الشيطان } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (90)

المفردات :

الخمر : هي كل ما خامر العقل وغيبه .

الميسر : القمار .

الأنصاب : الأصنام المنصوبة جمع نصب .

والأزلام : هي قداح أي قطع رقيقة من الخشب على هيئة السهام ، كانوا يستقسمون بها في الجاهلية لأجل التفائل أو التشائم .

رجس : قذر .

90

التفسير :

90- يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون .

أكد الله سبحانه وتعالى تحريم الخمر بأساليب متعددة نظرا لأن مدمن الخمر يصعب عليه التخلص منها لما تتركه من آثار كميائية ولها تأثر على الأعصاب والمخ والدم ، كما أنها سبب في كثير من الأمراض والمدمن إما أن يفقد منزلته أو يفقد اتزانه .

قال الزمخشري في تفسير الكشاف : ( أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من التأكيد ، منها : تصدير الجملة ، بإنما ، ومنها : أنه قرنهما بعبادة الأصنام . ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( شارب الخمر كعابد الوثن ) ومنها : أنه جعلهما رجسا ، كما قال : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) ومنها : أنه جعلهما من عمل الشيطان ، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت ، ومنها : أنه أمر بالاجتناب ومنها : أنه جعل الاجتناب من الفلاح ، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة ومعصية ، ومنها : أنه ذكر ما ينتج منهما عن الوبال ، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمار ، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة . انتهى .

وهذه الآية الكريمة بينت مضار الخمر ، ( والميسر ) وهو القمار ( والأنصاب ) وهي الأصنام المنصوبة للعبادة ( والأزلام ) وهي الأقداح التي كانت عند سدنة البيت وخدام الأصنام .

قال ابن عباس ومجاهد : الأنصاب حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها ، والأزلام : قداح كانوا يستقسمون بها .

ذكر سبحانه أن هذه الأربعة – الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ( رجس من عمل الشيطان ) أي قذر ونجس تعافه العقول وخبيث مستقذر من تزيين الشيطان . ( فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) .

أي ابتعدوا عنه وكونوا في جانب آخر بعيدين عن هذه القاذورات لتفوزوا بالثواب العظيم .