مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ} (7)

ثم قال تعالى : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ، يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون } .

أخبر الله تعالى بشنيع مقالتهم فقال : { هم الذين يقولون } كذا وكذا : { وينفضوا } أي يتفرقوا ، وقرئ { ينفضوا } من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم ، قال المفسرون : اقتتل أجير عمر مع أجير عبد الله بن أبي في بعض الغزوات فأسمع أجير عمر عبد الله بن أبي المكروه واشتد عليه لسانه ، فغضب عبد الله وعنده رهط من قومه فقال : أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على قومه فقال : لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء يعني المهاجرين لأوشكوا أن يتحولوا عن دياركم وبلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فنزلت ، وقرئ { ليخرجن } بفتح الياء ، وقرأ الحسن وابن أبي عيلة : { لنخرجن } بالنون ونصب الأعز والأذل ، وقوله تعالى : { ولله خزائن السموات والأرض } قال مقاتل : يعني مفاتيح الرزق والمطر والنبات ، والمعنى أن الله هو الرزاق : { قل من يرزقكم من السماء والأرض } وقال أهل المعاني : خزائن الله تعالى مقدوراته لأن فيها كل ما يشاء مما يريد إخراجه ، وقال الجنيد : خزائن الله تعالى في السموات الغيوب وفي الأرض القلوب وهو علام الغيوب ومقلب القلوب ، وقوله تعالى : { ولكن المنافقين لا يفقهون } أي لا يفقهون أن : { أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ} (7)

5

/خ7

المفردات :

حتى ينفضوا : حتى يتفرقوا .

خزائن السماوات والأرض : خزائن الأرزاق فيهما .

لا يفقهون : لا يعلمون علما صادرا عن إدراك جلال الله وقدرته .

التفسير :

7- { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } .

كان عبد الله بن أُبي قد جلس مع قومه بعد نزاع على الماء بين رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ، حيث قال المهاجريّ : يا للمهاجرين ، وقتل الأنصاري : يا للأنصار ، واجتمع الناس .

وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج جزعا يجرّ رداءه ، وقال : " ذروها فإنها منتنة ، ليس منا من دعا إلى عصبية " .

فكفّ الناس عن الشجار ، وعادوا نادمين ، لكن عبد الله بن سلول ، قال : أوقد فعلوها ، ما مثلنا ومثل أصحاب محمد إلا كما قال القائل : سمّن كلبك يأكلك ، لا تنفقوا على فقراء المهاجرين حتى ينفضوا عن محمد ويتركوه . فأنزل الله تعالى هذه الآية توضح ما فعله عبد الله بن أُبي وأمثاله .

والمعنى :

يقول هؤلاء المنافقون : لا تنفقوا على هؤلاء المهاجرين الذين جُلبوا من مكة إلينا ، حتى يتفرقوا عن محمد ، وتواصَوْا بتضييق الأرزاق وفُرص العمل ، وإغلاق أبواب الكسب في وجوههم .

لكن الله تعالى رد عليهم قائلا : { وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } .

إن الأرزاق بيد الله ، وبيده العزّ والذل ، وهو سبحانه بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض ، وبيده أرزاق العباد .

قال تعالى : { وفي السماء رزقكم وما توعدون* فوربّ السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون } . ( الذاريات : 22-23 ) .

فالله تعالى هو المسبب للأرزاق ، والعبيد سبب ظاهري .

وفي الحديث النبوي الشريف : " واعلم أ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضرّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، جفّت الأقلام وطويت الصحف " vi { وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } .

لا يدركون أن الله هو الرازق ذو القوة المتين ، وهو الرازق لهؤلاء المهاجرين ، فقد أكرمهم الله وسجّل جهودهم .

قال تعالى : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } . ( الحشر : 8 ) .

/خ8