روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا} (52)

{ وَيَوْمَ يَقُولُ } أي الله تعالى للكفار توبيخاً وتعجيزاً بواسطة أو بدونها . وقرأ الأعمش . وطلحة ويحيى . وابن أبي ليلى . وحمزة . وابن مقسم { نَّقُولُ } بنون العظمة ، والكلام على معنى اذكر أيضاً أي واذكر يوم يقول : { نَادُواْ } للشفاعة لكم { شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ } أي زعمتموهم شفعاء ، والإضافة باعتبار ما كانوا يزعمون أيضاً فإنهم كانوا يزعمون أنهم شركاء كما يزعمون أنهم شفعاء ، وقد جوز غير واحد هنا أن يكون فعل عبدتهم المطيعين لهم فيما وسوسوا به أو كل ما عبد من دون الله تعالى .

وقرأ ابن كثير { شركاى } مقصوراً مضافاً إلى الياء { زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ } أي نادوهم للإغاثة ، وفيه بيان بكمال اعتنائهم بإغاثتهم على طريق الشفاعة إذ معلوم أن لا طريق إلى المدافعة { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } فلم يغيثوهم إذ لا إمكان لذلك ؛ قيل وفي إيراده مع ظهوره تهكم بهم وإيذان بأنهم في الحماقة بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح به .

{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم } أي بين الداعين والمدعوين { مَّوْبِقاً } اسم مكان من وبق وبوقا كوثب وثوباً أو وبق وبقا كفرح فرحاً إذا هلك أي مهلكاً يشتركون فيه وهو النار ، وجاء عن ابن عمر . وأنس . ومجاهد أنه واد في جهنم يجري بدم وصديد ، وعن عكرمة أنه نهر في النار يسيل ناراً على حافتيه حيات أمثال البغال الدهم فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها ، وتفسير الموبق بالمهلك مروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن مجاهد وغيرهما ، وعن الحسن تفسيره بالعداوة فهو مصدر أطلق على سبب الهلاك وهو العداوة كما أطلق التلف على البغض المؤدي إليه في قول عمر رضي الله تعالى عنه : لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً .

وعن الربيع بن أنس تفسيره بالمحبس ، ومعنى كون الموبق على سائر تفاسيره بينهم شموله لهم وكونهم مشتركين فيه كما يقال جعلت المال بين زيد وعمرو فكأنه ضمن { جَعَلْنَا } معنى قسمنا وحينئذٍ لا يمكن إدخال عيسى . وعزير . والملائكة عليهم السلام ونحوهم في الشركاء على القول الثاني .

وقال بعضهم : معنى كون الموبق أي المهلك أو المحبس بينهم أنه حاجز واقع في البين ، وجعل ذلك بينهم حسماً لأطماع الكفرة في أن يصل إليهم ممن دعوه للشفاعة . وجاء عن بعض من فسره بالوادي أنه يفرق الله تعالى به بين أهل الهدى وأهل الضلالة ، وعلى هذا لا مانع من شمول المعنى الثاني للشركاء لأولئك الأجلة .

وقال الثعالبي في فقه اللغة : الموبق بمعنى البرزخ البعيد على أن وبق بمعنى هلك أيضاً أي جعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه الأشواط لفرط بعده ، وعليه أيضاً يجوز الشمول المذكور لأن أولئك الكرام عليهم السلام في أعلى الجنان وهؤلاء اللئام في قعر النيران ، ولا يخفي على من له أدنى تأمل الحال فيما إذا أريد بالموبق العداوة .

و { بَيْنَهُمْ } على جميع ما ذكر طرف وهو مفعول ثان لجعل إن جعل بمعنى صير و { مَّوْبِقاً } مفعوله الأول ، وإن جعل بمعنى خلق كان الظرف متعلقاً به أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله قدم عليه لرعاية الفواصل فتحول حالاً .

وقال الفراء . والسيرافي : البين هنا بمعنى الوصل فإنه يكون بمعناه كما يكون بمعنى الفراق وهو مفعول أول لجعلنا و { مَّوْبِقاً } بمعنى هلاكاً مفعوله الثاني ، والمعنى جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا} (52)

قوله تعالى : { ويوم يقول نادوا شركائي الذي زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ( 52 ) ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ( 53 ) } يوم ، منصوب بفعل محذوف وتقديره : واذكروا يوم يقول نادوا شركائي . وهذه صورة من صور الهوان والخسران الذي يحيط بالمجرمين من مشركين وجاحدين ومضلين يوم القيامة ؛ إذ يناديهم الله على رؤوس الخلائق والأشهاد زيادة في التوبيخ والتقريع والإهانة ؛ إذ يقول لهم : أين الذين أشركتموهم بي فليمنعوكم من عذابي وليردوا عنكم ما حاق بكم الآن من هول وبلاء ( فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ) أي فعلوا ما أمرهم الله من مناداتهم الأصنام وما كانوا يعبدون ( فلم يستجيبوا لهم ) لم يستجيبوا لندائهم ولم يدفعوا عنهم عذابا ولم يكفوا عنهم شيئا .

قوله : ( وجعلنا بينهم موبقا ) الموبق ، المهلك ، من الوبوق . وبق يبق وبوقا ؛ أي هلك . أوبقه بمعنى أهلكه{[2834]} . والمراد به ههنا : حاجز بين المشركين ، وما كانوا يعبدون أصنام . فقد قيل : كل شيء حاجز بين شيئين فهو موبق . وقيل : الموبق واد في جهنم بين المؤمنين والكافرين .


[2834]:- المصباح المنير جـ2 ص 320 ومختار الصحاح ص 707.