وأتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ } أي اجعلوهما تامين إذا تصديتم لأدائهما لوجه الله تعالى فلا دلالة في الآية على أكثر من وجوب الإتمام بعد الشروع فيهما وهو متفق عليه بين الحنفية والشافعية رضي الله تعالى عنهم ، فإن إفساد الحج والعمرة مطلقاً يوجب المضيّ في بقية الأفعال والقضاء ، ولا تدل على وجوب الأصل ، والقول بالدلالة بناءاً على أن الأمر بالإتمام مطلقاً يستلزم الأمر/ بالأداء لما تقرر من أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب ليس بشيء لأن الأمر بالإتمام يقتضي سابقية الشروع الأمر بالإتمام مقيداً بالشروع ، وادعاء أن المعنى ائتوا بهما حال كونهما تامين مستجمعي الشرائط والأركان ، وهذا يدل على وجوبهما لأن الأمر ظاهر فيه ، ويؤيده قراءة ( وأقيموا الحج والعمرة ) ليس بسديد . أما أولاً : فلأنه خلاف الظاهر وبتقدير قبوله في مقام الاستدلال يمكن أن يجعل الوجوب المستفاد من الأمر فيه متوجهاً إلى القيد أعني تامين لا إلى أصل الإتيان كما في قوله صلى الله عليه وسلم : " بيعوا سواء بسواء " وأما ثانياً : فلأن الأمر في القراءة محمول على المعنى المجازي المشترك بين الواجب والمندوب أعني طلب الفعل والقرينة على ذلك الأحاديث الدالة على استحباب العمرة ، فقد أخرج الشافعي في «الأم » وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " الحج جهاد والعمرة تطوع " وأخرج الترمذي وصححه عن جابر أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة ، أواجبة هي ؟ قال : " لا ، وأن تعتمروا خير لكم " ويؤيد ذلك أن ابن مسعود صاحب هذه القراءة قال فيما أخرجه عند ابن أبي شيبة وعبد بن حميد : " الحج فريضة والعمرة تطوع " وأخرج ابن أبي داود في «المصاحف » عنه أيضاً أنه كان يقرأ ذلك ثم يقول : والله لولا التحرج أني لم أسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لقلت : إن العمرة واجبة مثل الحج ، وهذا يدل على أنه رضي الله تعالى عنه لم يجعل الأمر بالنسبة إليها للوجوب لأنه لم يسمع شيئاً فيه ولعله سمع ما يخالفه ولهذا جزم في الرواية الأولى عنه بفرضية الحج واستحباب العمرة ، وكأنه لذلك حمل الأمر في قراءته على القدر المشترك الذي قلناه لا غير بناء على امتناع استعمال المشترك في معنييه ؛ وعدم جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز والميل إلى عدم تقدير فعل موافق للمذكور يراد به الندب ، نعم لا يعد ما ذكر صارفاً إلا إذا ثبت كونه قبل الآية ، أما إذا ثبت كونه بعدها فلا لأنه يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد لما أن الأمر ظاهر في الوجوب ، وليس مجملاً في معانيه على الصحيح حتى يحمل الخبر على تأخير البيان على ما وهم والقول بأن أحاديث الندب سابقة ولا تصرف الأمر عن ظاهره بل يكون ذلك ناسخاً لها سهو ظاهر لأن الأحاديث نص في الاستحباب ، والقرآن ظاهر في الوجوب فكيف يكون الظاهر ناسخاً للنص ، والحال أن النص مقدم على الظاهر عن التعارض .
ثم إن هذا الذي ذكرناه وإن لم يكن مبطلاً لأصل التأييد إلا أنه يضعفه جداً ، وادعى بعضهم أن الأحاديث الدالة على استحباب العمرة معارضة بما يدل على وجوبها منها ، فقد أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت » وأخرج أبو داود ، والنسائي أن رجلاً قال لعمر : إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً فقال : هديت لسنة نبيك ، فإن هذا يدل على أن الإهلال بهما طريقة النبي صلى الله عليه وسلم لأن الاستدلال بما حكاه الصحابي من سنته عليه الصلاة والسلام يكون استدلالاً بالحديث الفعلي الذي رواه الصحابي ، والقول بأن أهللت بهما جملة مفسرة لقوله وجدت فيجوز أن يكون الوجوب بسبب الإهلال بهما فلا يدل الحديث على الوجوب ابتداءاً ليس بشيء لأن الجملة مستأنفة كأنه قيل : فما فعلت ؟ فقال : أهللت فيدل على أن الوجدان سبب الإهلال دون العكس لأن مقصود السائل السؤال عن صحة إهلاله بهما فكيف يقول وجدتهما مكتوبين لأني أهللت بهما فإنه إنما يصح على تقدير علمه بصحة إهلاله بهما ، وجواب عمر رضي الله تعالى عنه بمعزل عن وجوب الإتمام لأن كون الشروع/ في الشيء موجباً لإتمامه ، لا يقال فيه أنه طريقة النبي صلى الله عليه وسلم بل يقال في أداء المناسك والعبادات ، ويؤيد ذلك ما وقع في بعض الروايات فأهللت بالفاء الدالة على الترتب ، وما ذكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه معارض بما روي عنه من القول بالوجوب وبذلك قال علي كرم الله تعالى وجهه وكان يقرأ : ( وأقيموا ) أيضاً كما رواه عنه ابن جرير وغيره ، وكذا ابن عباس ، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم انتهى ، والإنصاف تسليم تعارض الأخبار ، وقد أخذ كل من الأئمة بما صح عنده والمسألة من الفروع ، والاختلاف في أمثالها رحمة وإن الحق أن الآية لا تصلح دليلاً للشافعية ومن وافقهم كالإمامية علينا ، وليس فيها عند التحقيق أكثر من بيان وجوب إتمام أفعالهما عند التصدي لأدائهما وإرشاد الناس إلى تدارك ما عسى يعتريهم من العوارض المخلة بذلك من الاحصار ونحوه من غير تعرض لحالهما من الوجوب وعدمه ، ووجوب الحج مستفاد من قوله تعالى :
{ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } [ آل عمران : 7 9 ] ومن ادعى من المخالفين أنها دليل له فقد ركب شططاً وقال غلطاً كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد ، وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، والبيهقي ، وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه : إتمام الحج والعمرة لله أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، ومثله عن أبي هريرة مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخرج عبد الرزاق ، وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما عن الآخر وأن يعتمر في غير أشهر الحج ، وقيل : إتمامهما أن تكون النفقة حلالاً ، وقيل : أن تحدث لكل منهما سفراً ، وقيل : أن تخرج قاصداً لهما لا لتجارة ونحوها ، وقرئ ( إلى البيت ) ، و( للبيت ) والأول : مروي عن ابن مسعود ، والثاني : عن عليّ كرم الله تعالى وجهه .
{ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } مقابل لمحذوف أي هذا إن قدرتم على إتمامهما والإحصار والحصر كلاهما في أصل اللغة بمعنى المنع مطلقاً ، وليس الحصر مختصاً بما يكون من العدو ، والإحصار بما يكون من المرض ، والخوف كما توهم الزجاج من كثرة استعمالهما كذلك فإنه قد يشيع استعمال اللفظ الموضوع للمعنى العام في بعض أفراده ، والدليل على ذلك أنه يقال : حصره العدو وأحصره كصده وأصده فلو كانت النسبة إلى العدو معتبرة في مفهوم الحصر لكان التصريح بالإسناد إليه تكراراً ولو كانت النسبة إلى المرض ونحوه معتبرة في مفهوم الإحصار لكان إسناده إلى العدو مجازاً وكلاهما خلاف الأصل ، والمراد من الإحصار هنا حصر العدو عند مالك ، والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله تعالى : { فَإِذَا أَمِنتُمْ } فإن الأمن لغة في مقابلة الخوف ولنزوله عام الحديبية ، ولقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا حصر إلا حصر العدو فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بمواقع التنزيل . وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن المراد به ما يعم كل منع من عدو ومرض وغيرهما ، فقد أخرج أبو داود ، والترمذي وحسنه ، والنسائي ، وابن ماجه ، والحاكم من حديث الحجاج بن عمرو «من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل » وروى الطحاوي من حديث عبد الرحمن بن زيد قال : «أهلّ رجل بعمرة يقال له عمر بن سعيد فلسع فبينا هو صريع في الطريق إذ طلع عليه ركب فيهم ابن مسعود فسألوه فقال : ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أمارة فإذا كان ذلك فليحل » وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس ، وروى البخاري مثله عنه ، وقال عروة : كل شيء حبس المحرم فهو إحصار ، وما استدل به الخصم مجاب عنه ، أما الأول : فستعلم ما فيه ، وأما الثاني : فإنه لا عبرة بخصوص السبب ، والحمل على أنه للتأييد يأبى عنه ذكره باللام استقلالاً ، والقول بأن أحصرتم ليس عاماً إذ الفعل المثبت لا عموم له فلا يراد إلا ما ورد فيه وهو حبس العدو بالاتفاق ليس بشيء لأنه إن لم يكن عاماً لكنه مطلق فيجري على إطلاقه .
وأما الثالث : فلأنه بعد تسليم حجية قول ابن عباس/ رضي الله تعالى عنه في أمثال ذلك معارض بما أخرجه ابن جرير ، وابن المنذر عنه في تفسير الآية أنه قال : يقول : «من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي » فكما خصص في الرواية الأولى : عمم في هذه وهو أعلم بمواقع التنزيل والقول بأن حديث الحجاج ضعيف ضعيف ؛ إذ له طرق مختلفة في السنن وقد روى أبو داود أن عكرمة سأل العباس وأبا هريرة رضي الله تعالى عنهما عن ذلك فقالا : صدق ، وحمله على ما إذا اشترط المحرم الإحلال عند عروض المانع من المرض له وقت النية لقوله صلى الله عليه وسلم لضباعة : " حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني " لا يتمشى على ما تقرر في أصول الحنفية من أن المطلق يجري على إطلاقه إلا إذا اتحد الحادثة والحكم وكان الإطلاق والتقييد في الحكم إذ ما نحن فيه ليس كذلك كما لا يخفى .
{ فَمَا استيسر مِنَ الهدى } أي فعليكم أو فالواجب أو فاهدوا ما استيسر أي تيسر فهو كصعب واستصعب ، وليست السين للطلب ، والهدي مصدر بمعنى المفعول أي المهدي ولذلك يطلق على المفرد والجمع أو جمع هدية كجدي وجدية وقرئ ( هدي ) بالتشديد جمع هدية كمطي ومطية وهو في موضع الحال من الضمير المستكن ، والمعنى أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل تحلل بذبح هدي تيسر عليه من بدنة أو بقرة أو شاة ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : وما عظم فهو أفضل ، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه خص الهدي ببقرة أو جزور فقيل له : أو ما يكفيه شاة ؟ فقال : لا ويذبحه حيث أحصر عند الأكثر لأنه صلى الله عليه وسلم ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل ، وعندنا يبعث من أحصر به ويجعل للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليوم وغلب على ظنه أنه ذبح تحلل لقوله تعالى : { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ } فإن حلق الرأس كناية عن الحل الذي يحصل بالتقصير بالنسبة للنساء ، والخطاب للمحصرين لأنه أقرب مذكور ، والهدي الثاني عين الأول كما هو الظاهر أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه وهو الحرم لقوله تعالى :
{ ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق } [ الحج : 33 ] { هَدْياً بالغ الكعبة } [ المائدة : 5 9 ] وما روي من ذبحه صلى الله عليه وسلم في الحديبية مسلم لكن كونه ذبح في الحل غير مسلم ، والحنفية يقولون : إن محصر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في طريق الحديبية أسفل مكة ، والحديبية متصلة بالحرم ، والذبح وقع في الطرف المتصل الذي نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه يجمع بين ما قاله مالك وبين ما روى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر في الحرم وكون الرواية عنه ليس بثبت في حيز المنع ، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلاً كان أو حرماً وهو خلاف الظاهر إلا أنه لا يحتاج إلى تقدير العلم كما في السابق ، واستدل باقتصاره على الهدي في مقام البيان على عدم وجوب القضاء ، وعندنا يجب القضاء لقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عمرة الحديبية التي أحصروا فيها وكانت تسمى عمرة القضاء ، والمقام مقام بيان طريق خروج المحصر عن الإحرام لا مقام بيان كل ما يجب عليه ولم يعلم من الآية حكم غير المحصر عبارة كما علم حكم المحصر من عدم جواز الحل له قبل بلوغ الهدي ، ويستفاد ذلك بدلالة النص وجعل الخطاب عاماً للمحصر وغيره بناءاً على عطف { وَلاَ تَحْلِقُواْ } على قوله سبحانه : { وَأَتِمُّواْ } لا على { فَمَا استيسر } يقتضي بتر النظم لأن { فَإِذَا أَمِنتُمْ } عطف على { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } كما لا يخفى . والمحل بالكسر من حد ضرب يطلق للمكان كما هو الظاهر في الآية ، وللزمان كما يقال محل الدين لوقت حلوله وانقضاء أجله .
{ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } يحتاج للحلق وهو مخصص لقوله سبحانه { وَلاَ تَحْلِقُواْ } متفرع عليه/ { أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ } من جراحة وقمل وصداع { فَفِدْيَةٌ } أي فعلية فدية إن حلق . { مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } بيان لجنس الفدية . وأما قدرها فقد أخرج في «المصابيح » عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم : " مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم وهو يوقد تحت قدر والقمل يتهافت على وجهه فقال : أيؤذيك هوامك ؟ قال : نعم قال : فاحلق رأسك وأطعم فرقاً بين ستة مساكين والفرق ثلاثة آصع أو صم ثلاثة أيام أو انسك نسيكة " وفي رواية البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة ؟ فقال : لا قال : صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك "
وقد بين في هذه الرواية ما يطعم لكل مسكين ولم يبين محل الفدية ، والظاهر العموم في المواضع كلها كما قاله ابن الفرس وهو مذهب الإمام مالك .
{ فَإِذَا أَمِنتُمْ } من الأمن ضد الخوف ، أو الأمنة زواله فعلى الأول معناه فإذا كنتم في أمن وسعة ولم تكونوا خائفين ، وعلى الثاني فإذا زال عنكم خوف الإحصار ، ويفهم منه حكم من كان آمنا ابتداءاً بطريق الدلالة والفاء للعطف على { أُحْصِرْتُمْ } مفيدة للتعقيب سواء أريد حصر العدو أو كل منع في الوجود ، ويقال للمريض إذا زال مرضه وبرئ : آمن كما روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم من طريق إبراهيم فيضعف استدلال الشافعي ومالك بالآية على ما ذهبا إليه .
{ فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج } الفاء واقعة في جواب ( إذا ) والباء وإلى صلة التمتع ، والمعنى فمن استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله تعالى بالعمرة إلى وقت الحج أي قبل الانتفاع بالحج في أشهره ، وقيل : الباء سببية ومتعلق التمتع محذوف أي بشيء من محذورات الإحرام ولم يعينه لعدم تعلق الغرض بتعيينه ، والمعنى ومن استمتع بسبب أوان العمرة والتحلل منها باستباحة محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج ، وفيه صرف التمتع عن المعنى الشرعي إلى المعنى اللغوي ، والثاني هو الانتفاع مطلقاً ، والأول هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بمناسكها ثم يحرم بالحج من جوف مكة ويأتي بأعماله ويقابله القران وهو أن يحرم بهما معا ويأتي بمناسك الحج فيدخل فيها مناسك العمرة ، والإفراد وهو أن يحرم بالحج وبعد الفراغ منه بالعمرة .
{ فَمَا استيسر مِنَ الهدى } الفاء واقعة في جواب ( مَنْ ) أي فعليه دم استيسر عليه بسبب التمتع فهو دم جبران لأن الواجب عليه أن يحرم الحج من الميقات فلما أحرم لا من الميقات أورث ذلك خللا فيه فجبر بهذا الدم ، ومن ثمّ لا يجب على المكي ومن في حكمه ، ويذبحه إذا أحرم بالحج ولا يجوز قبل الإحرام ولا يتعين له يوم النحر بل يستحب ولا يأكل منه ، وهذا مذهب الشافعي ، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه دم نسك كدم القارن لأنه وجب عليه شكراً للجمع بين النسكين فهو كالأضحية ويذبح يوم النحر .
{ فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي الهدي وهو عطف على { فَإِذَا أَمِنتُمْ } . { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج } أي فعليه صيام وقرئ ( فصيام ) بالنصب أي فليصم ، وظرف الصوم محذوف إذ يمتنع أن يكون شيء من أعمال الحج ظرفاً له ، فقال أبو حنيفة : المراد في وقت الحج مطلقاً لكن بين الإحرامين إحرام الحج وإحرام العمرة وهو كناية عن عدم التحلل عنهما فيشمل ما إذا وقع قبل إحرام الحج سواء تحلل من العمرة أو لا ، وما وقع بعده بدليل أنه إذا قدر على الهدى بعد صوم الثلاثة قبل التحلل وجب عليه الذبح ولو قدر/ عليه بعد التحلل لا يجب عليه لحصول المقصد بالصوم وهو التحلل ، وقال الشافعي : المراد وقت أداء الحج وهو أيام الاشتغال به بعد الإحرام وقبل التحلل ، ولا يجوز الصوم عنده قبل إحرام الحج ، والأحب أن يصوم سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعه لأنه غاية ما يمكن في التأخير لاحتمال القدرة على الأصل وهو الهدي ، ولا يجوز يوم النحر وأيام التشريق لكون الصوم منهياً فيها ، وجوز بعضهم صوم الثلاثة الأخيرة احتجاجاً بما أخرجه ابن جرير .
والدارقطني . والبيهقي عن ابن عمر قال : رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق مكانها ، وأخرج مالك عن الزهري قال : «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق فقال : إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى إلا من كان عليه صوم من هدي » وأخرج الدارقطني مثله من طريق سعيد بن المسيب ، وأخرج البخاري وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : لم يرخص صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق أن يصمن إلا لمتمتع لم يجد هدياً ، وبذلك أحد الإمام مالك ولعل سادتنا الحنفية عولوا على أحاديث النهي وقالوا : إذا فاته الصوم حتى أتى يوم النحر لم يجزه إلا الدم ولا يقضيه بعد أيام التشريق كما ذهب إليه الشافعية لأنه بدل والأبدال لا تنصب إلا شرعاً والنص خصه بوقت الحج وجواز الدم على الأصل ؛ وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أمر في مثله بذبح الشاة .
{ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } أي فرغتم ونفرتم من أعماله ، فذكر الرجوع وأريد سببه ، أو المعنى إذا رجعتم من منى ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه على ما هو الأصح عند معظم أصحابه : إذا رجعتم إلى أهليكم ، ويؤيده ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه : «إذا رجعتم إلى أمصاركم » وأن لفظ الرجوع أظهر في هذا المعنى ، وحكم ناوي الإقامة بمكة توطناً حكم الراجع إلى وطنه لأن الشرع أقام موضع الإقامة مقام الوطن ، وفي «البحر » المراد بالرجوع إلى الأهل الشروع فيه عند بعض والفراغ بالوصول إليهم عند آخرين وفي الكلام التفات ، وحمل على معنى بعد الحمل( {[189]} ) على لفظه في إفراده وغيبته ؛ وقرئ { سَبْعَةُ } بالنصب عطفاً على محل { ثلاثة أَيَّامٍ } لأنه مفعول اتساعاً ، ومن لم يجوزه قدر وصوموا وعليه أبو حيان .
{ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } الإشارة إلى الثلاثة ، والسبعة ومميز العدد محذوف أي أيام وإثبات التاء في العدد مع حذف المميز أحسن الاستعمالين ، وفائدة الفذلكة أن لا يتوهم أن الواو بمعنى أو التخييرية ، وقد نص السيرافي في «شرح الكتاب » على مجيئها لذلك ، وليس تقدم الأمر الصريح شرطاً فيه بل الخبر الذي هو بمعنى الأمر كذلك ، وأن يندفع التوهم البعيد الذي أشرنا إليه في مقدمة «إعجاز القرآن » ، وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً فيحاط به من وجهين فيتأكد العلم ، ومن أمثالهم علمان خير من علم لا سيما وأكثر العرب لا يحسن الحساب ، فاللائق بالخطاب العامي الذي يفهم به الخاص والعام الذين هم من أهل الطبع ، لا أهل الارتياض بالعلم أن يكون بتكرار الكلام وزيادة الإفهام والإيذان بأن المراد بالسبعة العدد دون الكثرة فإنها تستعمل بهذين المعنيين ، فإن قلت : ما الحكمة في كونها كذلك حتى يحتاج إلى تفريقها المستدعي لما ذكر ؟ أجيب بأنها لما كانت بدلاً عن الهدى والبدل يكون في محل المبدل منه غالباً جعل الثلاثة بدلاً عنه في زمن الحج وزيد عليها السبعة علاوة لتعادله من غير نقص في الثواب لأن الفدية مبنية على التيسير ، / ولم يجعل السبعة فيه لمشقة الصوم في الحج ، وللإشارة إلى هذا التعادل وصفت العشرة بأنها كاملة فكأنه قيل : تلك عشرة كاملة في وقوعها بدلا من الهدى وقيل : إنها صفة مؤكدة تفيد زيادة التوصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها كأنه قيل تلك عشرة كاملة فراعوا كمالها ولا تنقصوها ، وقيل : إنها صفة مبينة كمال العشرة فإنها عدد كمل فيه خواص الأعداد ، فإن الواحد مبتدأ العدد ، والاثنين أول العدد ، والثلاثة أول عدد فرد ، والأربعة أول عدد مجذور ، والخمس أول عدد دائر ، والستة أول عدد تام ، والسبعة عدد أول ، والثمانية أول عدد زوج الزوج ، والتسعة أول عدد مثلث ، والعشرة نفسها ينتهي إليها العدد فإن كل عدد بعدها مركب منها ومما قبلها قاله بعض المحققين .
وذكر الإمام لهذه الفذلكة مع الوصف عشرة أوجه لكنها عشرة غير كاملة ولولا مزيد التطويل لذكرتها بما لها وعليها { ذلك } إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله سبحانه : { فَمَن تَمَتَّعَ } عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إذ لا متعة ولا قران لحاضري المسجد لأن شرعهما للترفه باسقاط أحد السفرتين وهذا في حق الآفاقي لا في حق أهل مكة ومن في حكمهم ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : إنها إشارة إلى الأقرب وهو الحكم المذكور أعني لزوم الهدي أو بدله على المتمتع وإنما يلزم ذلك إذا كان المتمتع آفاقياً لأن الواجب أن يحرم عن الحج من الميقات فلما أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فقد حصل هناك الخلل فجعل مجبوراً بالدم ، والمكي لا يجب إحرامه في الميقات فإقدامه على التمتع لا يوقع خللاً في حجه فلا يجب عليه الهدي ولا بدله ، ويرده أنه لو كانت الإشارة للهدي والصوم لأتى بعلى دون اللام في قوله سبحانه :
{ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام } لأن الهدى وبدله واجب على المتمتع والواجب يستعمل بعلى لا باللام ، وكون اللام واقعة موقع على كما قيل به في «اشترطي لهم الولاء » خلاف الظاهر ، والمراد بالموصول من كان من الحرم على مسافة القصر عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ، ومن كان مسكنه وراء الميقات عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وأهل الحل عند طاووس ، وغير أهل مكة عند مالك رضي الله تعالى عنه ، والحاضر على الوجه الأول ضد المسافر ، وعلى الوجوه الأخر بمعنى الشاهد الغير الغائب ، والمراد من حضور الأهل حضور المحرم ، وعبر به لأن الغالب على الرجل كما قيل : أن يسكن حيث أهله ساكنون ، وللمسجد الحرام إطلاقان ، أحدهما : نفس المسجد ، والثاني : الحرم كله ، ومنه قوله سبحانه :
«سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام » [ الإسراء : 1 ] بناءاً على أنه صلى الله عليه وسلم إنما أسري به من الحرم لا من المسجد ، وعلى إرادة المعنى الأخير في الآية هنا أكثر أئمة الدين .
{ واتقوا الله } في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه كما يستفاد من ترك المفعول ويدخل فيه الحج دخولاً أولياً وبه يتم الانتظام { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن لم يتقه أي استحضروا ذلك لتمتنعوا عن العصيان ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة ، وإضافة شديد من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها .
ومن باب الإشارة ) :وأتموا حج توحيد الذات وعمرة توحيد الصفات لله بإتمام جميع المقامات والأحوال { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } بمنع أعداء النفوس أو مرض الفتور فجاهدوا في الله بسوق هدي النفس وذبحها بفناء كعبة القلب ، ولاختلاف النفوس في الاستعداد قال : ( ما استيسر ) { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ } ولا تزيلوا آثار الطبيعة وتختاروا فراغ الخاطر حتى يبلغ هدي النفس محله فحينئذٍ تأمنون من التشويش وتكدر الصفاء { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } ضعيف الاستعداد { أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ } أي مبتلى بالتعلقات ولم يتيسر له السلوك على ما ينبغي فعليه فدية من إمساك عن بعض لذاته وشواغله أو فعل برأ ورياضة تقمع بعض القوى { فَإِذَا أَمِنتُمْ } من المانع المحصر { فَمَن تَمَتَّعَ } بذوق تجلي الصفات متوسلاً به إلى حج تجلي الذات فيجب عليه ما أمكن من الهدي بحسب حاله { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } لضعف نفسه وانقهارها { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج } أي فعليه الإمساك عن أفعال القوى التي هي الأصول القوية في وقت التجلي والاستغراق في الجمع والفناء وهي العقل والوهم والمتخيلة { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } إلى مقام التفصيل والكثرة ، وهي الحواس الخمسة الظاهرة والغضب والشهوة لتكون عند الاستقامة في الأشياء بالله عز وجل { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } موجبة لأفاعيل عجيبة مشتملة على أسرار غريبة { ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام } [ البقرة : 6 19 ] من الكاملين الحاضرين مقام الوحدة لأن أولئك لا يخاطبون ولا يعاتبون ومن وصل فقد استراح .
قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا آمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ) .
إتمام الحج والعمرة أي أداؤهما وإقامتهما على خير وجه من تمام النسك والإخلاص لله .
والعمرة من الاعتمار بمعنى الزيارة . وهي مفرد وتجمع على عمر وعمرات{[265]} .
ومن حيث المعنى الشرعي فهي الحج الأصغر ، وهي ركنها الطواف والسعي وشرطها بينهما وبين الحج في إحرام واحد ، فقد ثبت أن النبي ( ص ) جمع في إحرامه بحج وعمرة{[266]} . وثبت عنه كذلك في الصحيح أنه قال لأصحابه : " من كان معه هدي فليُهل بحج وعمرة " وعنه ( ص ) أنه قال في الصحيح : " دخلت العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة " .
أما العمرة من حيث حكمها الشرعي فهي موضع خلاف . فقد ذهب فريق من أهل العلم وفيهم ابن عباس وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن البصري وابن سيرين وسعيد بن جبير والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنها واجبة . واحتجوا لذلك بحديث مرفوع عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله ( ص ) : " إن الحج والعمرة فريضتان لا يغُرّك بأيهما بدأت " واحتجوا كذلك بظاهر قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) فقد أوجب إتمامها مثلما أوجب إتمام الحج ، وذلك تكليف بالشيء فهو واجب لا سنة .
وذهب آخرون وهم الحنفية ومالك والنخعي إلى أن العمرة سنة وليست واجبا مستدلين لذلك بما ذكر عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل رسول الله ( ص ) عن الصلاة والزكاة والحج : أواجب هو ؟ قال : " نعم " فسأله عن العمرة : أواجبة هي ؟ قال : " لا وأن تعتمر خير لك " .
أما الآية فقد ردوا الاحتجاج بها على فرضية العمرة وقالوا أن الله سبحانه وتعالى إنما قرنها بوجوب الإتمام لا في الابتداء . أي أن الآية جاءت للإلزام بالإتمام لا للإلزام بالابتداء وهذا هو الراجح والله أعلم{[267]} .
وقوله : ( فإن حضرتم فما استيسر من الهدى ) جاء في هذه الآية أنها نزلت عام الحديبية سنة ست عندما حيل بين النبي ( ص ) وبلوغ البيت الحرام لأداء العمرة .
فرخص الله للمسلمين يومئذ أن يذبحوا ما معهم من هدي وكان سبعين بدنة ، وأن يحلقوا رؤوسهم ، وأن يتحللوا من إحرامهم .
والإحصار لغة معناه المنع والحبس . حصره العدو أو المرض ، وأحصره ، بمعنى منعه أو حبسه{[268]} . والمحصر من حيل بينه وبين بلوغ البيت الحرام لسبب من عدو أو جور سلطان أو مرض .
لكن العلماء اختلفوا في تعيين حقيقة المانع الذي تكون به الرخصة للإحصار . وذلك على قولين . أولهما : أنه العدو خاصة وهو قول جماعة فيهم ابن عباس وابن عمر وأنس والشافعي فقد ذهب هؤلاء إلى أن الحصر يختص بالعدو فلا يتحلل من إحرامه إلا من حصره عدو وليس غيره .
وثانيهما : أن الحصر عام فهو يتناول كل سبب يمنع من الوصول إلى البيت سواء في ذلك العدو أو المرض أو الضلال في الطريق أو غير ذلك من أسباب . وهو ما ذهب إليه بعض السلف منهم ابن مسعود وابن الزبير وسعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير ومجاهد وآخرون غيرهم . وهو ما نرجحه استنادا إلى عموم المدلول لمفهوم الإحصار الذي يتناول جملة العوائق أو الأعذار دون تخصيص . ولما روي عن الرسول ( ص ) قوله : " من كُسر أو وُجع أو عرج فقد حلّ وعليه حجة أخرى " .
وعلى العموم فإن المحصر الذي منعه من بلوغ البيت مانع سواء كان عدوا أو غيره- يتحلل من إحرامه حيث أحصر ثم ينحر هديه ويحلق رأسه . وقيل : يبعث بهديه إلى الحرام إن أمكن ذلك . فإذا بلغ الهدي محلّه صار المحصر حلالا . أي تحلل من إحرامه بمجرد بلوغ الهدي محلّه{[269]} .
وثمة خلاف آخر حول وجوب القضاء على من أحصر . فذهب مالك والشافعي إلى أن من أُحصر بعدو فلا قضاء عليه سواء في الحج أو العمرة ، شريطة أن يكون قد حج الفريضة قبلها ، أو اعتمر عند من أوجبها إيجابا ، فإن حج أو اعتمر قبلها فما عليه من قضاء . وذهب أبو حنيفة إلى أن المحصور بمرض أو عدو عليه حج أو عمرة من قابل أو في وقت يزول فيه الإحصار{[270]} .
وقوله : ( فما استيسر من الهدي ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف تقديره عليكم . والجملة الفعلية بعده صلة الموصول لا محل لها من الإعراب . وقيل ما في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره انحروا او اهدوا . والهدْي ما يُهدى إلى بيت الله من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم .
ومعنى الآية : انحروا مما كان في ميسوركم من بهيمة الأنعام سواء كان ذلك من الشياه أو الأبقار أو الإبل . وبذلك فإن الشاة مما استيسر من الهدي وأنها تجزئ . وذلك الذي عليه جمهور العلماء . وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : أهدي النبي ( ص ) مرة غنما .
وفي قول آخر لابن عمر وعائشة وابن الزبير بأنه لا يجزئ في الهدي من الأنعام للمحصر إلا من الإبل والبقر فقط ، ولا يكون الهدي من الشياه . والقول الأول هو الراجح ؛ نظرا للدليل من السنّة الذي ساقه الجمهور واستنادا إلى الظاهر من الآية وهو أن يقدم المحصر ما تيسر له من الأنعام وقد لا يتيسر له غير الشاة في هذه الحال{[271]} .
قوله : ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) المخاطب بذلك من كان حاجا أو معتمرا سواء كان محصرا أو غير محصر فليس له أن يحلق إلا بعد أن يبلغ هديه موضعه ، وموضع الهدي بالنسبة للمحصر هو موضع إحصاره الذي لا يستطيع مجاوزته إلى البيت العتيق ، كالذي فعله النبي ( ص ) وأصحابه بعد أن صدتهم قريش عن بلوغ البيت عام الحديبية فنحروا ثم حلقوا . وهكذا الحاج أو المعتمر إذا كان في حالة من الإحصار فإنه لا يتحلل من إحرامه بالحلق إلا بعد أني نحر الهدْي في محلّه الذي وقع عليه فيه الإحصار .
وأما موضع الهدْي بالنسبة لغير المحصر فهو البيت العتيق ، فليس له أن يتحلل من إحرامه بالحلق إلا بعد نحره للهدي في محل وهو البيت ؛ لقوله تعالى : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) وذلك في حق الآمن غير المحصر{[272]} .
وقوله : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية ما روي عن كعب بن عجرة أنه كان مع رسول الله ( ص ) فآذاه القمل في رأسه ، فأمره رسول الله ( ص ) أن يحلق رأسه وقال : " صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين مدّين مدّين لكل إنسان ، أو انسك شاة ، أي ذلك فعلت أجزأ عنك " . يستفاد من هذا أن الحاج أو المعتمر في حال الإحرام إذا أصابه في رأسه سوء أو مرض ونحوه مما يؤذيه ويسبب له المضايقة والحرج جاز له أن يحلق رأسه فيُذهب الشعر حيث المرض أو التفث أو الأذى على أن يفتدي بأي الأشياء الثلاثة المذكورة في الآية . وهي إما صيام أيام ثلاثة ، أو إطعام ستة مساكين لكل واحد منهم مدّان ، او تقديم نسك وهو شاة . ولا يشترط في هذه الأشياء الثلاثة الترتيب ، بل للمعذور الرخصة في اختيار منها ما يشاء فورودها في الآية لا يفهم منه الترتيب ، بل التخيير ويعزز ذلك الحديث الذي ذكرناه " أي ذلك فعلت أجزأ عنك " .
وقوله : ( فإذا آمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) إذا ذهب الخوف وزال الإحصار وأصبحتم آمنين ثم فرغتم من القران أو التمتع فعليكم أن تذبحوا ما أمكنكم من الهدي وأقّله شاة . ويؤخذ من هذه الآية تشريع الإحرام بأقسامه الثلاثة : الإفراد والقِران والتمتع . فمن أحرم بالحج وحده كان مفردا ، ومن احرم بالعمرة والحج معا كان قارنا ، ومن أحرم بالعمرة فتحلل منها بعد أدائها ثم أحرم بعد ذلك بالحج في موعده من نفس العام والشهر كان متمتعا . وذلك جائز كله بالإجماع . وأخرج مسلم في صحيحه عن السيدة عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله ( ص ) فقال : " من أراد منكم أن يهلّ بحج وعمرة فليفعل ، ومن أراد أن يُهل بحج فليهلّ ، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليهلّ " قالت عائشة : فأهلّ رسول الله ( ص ) بحج ، وأهلّ به ناس معه ، وأهلّ ناس بالعمرة والحج . وأهلّ ناس بعمرة وكنت فيمن أهلّ بالعمرة .
أما التمتع بالعمرة إلى الحج الوارد في الآية فهو على وجهين :
أولهما : التمتع المعلوم الذي أجمع عليه العلماء ، وهو المراد بقوله سبحانه : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) وكيفيته أن يحرم المسلم بعمرة في أشهر الحج على ألا يكون من أهل مكة ، فإذا قدم مكة واعتمر تحلل من إحرامه وظل مقيما حلالا بمكة حتى موعد الحج فيؤدي مناسكه قبل خروجه إلى بلده كما سنبينه .
ثانيهما : القِران : وكيفيته أن يجمع بين العمرة والحج في إحرام واحد فيهلّ بهما جميعا ويقول حين التلبية : لبيك اللهم بحجة وعمرة معا ، فإذا قدم مكة طاف بالحجة والعمرة طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا . وذلك الذي ذهب إليه مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور ، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين . واستدلوا على ذلك بما أخرجه البخاري من حديث النبي ( ص ) لعائشة : " يسعك طوافك لحجك وعمرتك " وفي رواية أخرى : " يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك " .
وذهب آخرون وفيهم أبو حنيفة والثوري والأوزاعي إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين . واستدلوا لذلك بحديث عن علي كرم الله وجهه أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين ، وسعى لهما سعيين ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله ( ص ) فعل .
أما أن يسمى القران تمتعا ؛ فذلك لأن القارن يتمتع بترك السفر وما يتخلله من تعب مرتين . واحدة للعمرة وأخرى للحج فهو إذا متمتع ببحبوحة الاختصار في السفر من مرتين إلى واحدة ويجمعهما معا في إحرام واحد . هذا وجه من التمتع يستفاد من قوله سبحانه : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) {[273]} .
وقوله : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) . المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يجد هديا لعدم المال أو لعدم البهيمة نفسها ، فإن عليه صيام عشرة أيام . الثلاثة الأولى منها في الحج ، والسبعة الأخرى إذا رجع إلى أهله وبلده ، واختلفوا في موعد الأيام الثلاثة الأولى . فقد ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المتمتع الذي لا يجد هديا يصوم اليوم الذي قبل يوم التروية ثم يوم التروية نفسه ثم يوم عرفة فتلك أيام ثلاثة ، وذهب الشافعي وأحمد بن حنبل إلى صيامهن ما بين الإهلال بالحج إلى يوم عرفة . وقال الثوري والأوزاعي : له صيامهن من أول أيام العشر من ذي الحجة . وقيل : يصومها مادام بمكة في أيام منى وقيل غير ذلك .
ويبقى في ذمته صيام أيام سبعة أخرى . وقد رخص الله له في الآية أن يصومها إذا رجع إلى وطنه ، فقال سبحانه في ذلك : ( وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) ذلك تأكيد على اكتمال الأيام لتكون عشرة . وهو كقول تعالى : ( ولا طائر يطير بجناحيه ) .
وقوله : ( ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام ) اسم الإشارة عائد على وجوب الدم على التمتع . ويراد به الغريب الذي ليس من أهل مكة . أما أهل مكة فإنهم لا متعة لهم وهو ما يفهم ظاهرا من الآية . فقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول : يا أهل مكة ، لا متعة لكم أحلّت لأهل الآفاق وحرمت عليكم ، وإنما يقطع أحدكم واديا أو قال : يجعل بينه وبين الحرم واديا ثم يهل " بعمرة . على أنه يمكن تحديد مكان يكون ما دونه داخلا في الحرم ( مكة ) وما كان بعده خارجا من نطاق الحرم . وتحديد ذلك بالمواقيت التي جعلت للحجاج والمعتمرين ليبدأوا منها إحرامهم . وعلى هذا فمن كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة ليس له أن يتمتع . ومن كان أهله وراء المواقيت كان غريبا عن مكة فله أن يتمتع{[274]} .