{ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } لا تبعة من مهر وهو الظاهر ، وقيل : من وزر ؛ لأنه لا بدعة في الطلاق قبل المسيس ولو كان في الحيض ، وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما ينهى عن الطلاق فظن أن فيه جناحاً فنفى ذلك { إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } أي غير ماسين لهن أو مدة عدم المس وهو كناية عن الجماع ، وقرأ حمزة والكسائي ( تماسوهن ) والأعمش ( من قبل أن تمسوهن ) وعبد الله ( من قبل أن تجامعوهن ) { أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } أي : حتى تفرضوا أو إلا أن تفرضوا على ما في «شروح الكتاب » ، و( فريضة ) فعيلة بمعنى مفعول نصب على المفعول به ، والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية ، فصار بمعنى المهر فلا تجوز ، وجوز أن يكون نصباً على المصدرية ، وليس بالجيد ، والمعنى إنه لا تبعة على المطلق بمطالبة المهر أصلاً إذا كان الطلاق قبل المسيس على كل حال إلا في حال الفرض فإن عليه حينئذ نصف المسمى كما سيصرح به ، وفي حال عدم تسميته عليه المتعة لا نصف مهر المثل ، وأما إذا كان/ بعد المساس فعليه في صورة التسمية تمام المسمى ، وفي صورة عدمها تمام مهر المثل ، هذه أربع صور للمطلقة نفت الآية بمنطوقها الوجوب في بعضها ، واقتضى مفهومها الوجوب في الجملة في البعض الآخر ، قيل : وههنا إشكال قوي ، وهو أن ما بعد ( أو ) التي بمعنى حتى التي بمعنى إلى نهاية للمعطوف عليه فقولك : لألزمنك أو تقضيني حقي ، معناه أن اللزوم ينتهي إلى الإعطاء ، فعلى قياسه يكون فرض الفريضة نهاية عدم المساس لا عدم الجناح ، وليس المعنى عليه ، وأجيب بأن ما بعدها عطف على الفعل وهو مرتبط بما قبله ، فهو معنى مقيد به فكأنه قيل : أنتم ما لم تمسوهن بغير جناح وتبعة إلا إذا فرضت الفريضة فيكون الجناح لأن المقيد في المعنى ينتهي برفع قيده فتأمل ، ومن الناس من جعل كلمة ( أو ) عاطفة لمدخولها على ما قبلها من الفعل المجزوم ، ولم حينئذ لنفي أحد الأمرين لا بعينه ، وهو نكرة في سياق النفي فيفيد العموم أي ما لم يكن منكم مسيس ، ولا فرض على حد { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } [ الإنسان : 42 ] واعترضه القطب بأنه يوهم تقدير حرف النفي فيصير ما لم تمسوهن وما لم تفرضوا فيكون الشرط حينئذ أحد النفيين لا نفي أحد الأمرين فيلزم أن لا يجب المهر إذا عدم المسيس ووجد الفرض أو عدم الفرض ووجد المسيس ، ولا يخفى أنه غير وارد ، ولا حاجة إلى القول بأن ( أو ) بمعنى الواو كما في قوله تعالى : { أَوْ يَزِيدُونَ } [ الصافات : 7 14 ] على رأي { وَمَتّعُوهُنَّ } أي ملكوهن ما يتمتعن به وذلك الشيء يسمى متعة وهو عطف على ما هو جزاء في المعنى كأنه قيل : إن طلقتم النساء فلا جناح ومتعوهن ، وعطف الطلبي على الخبري على ما في «الكشف » لأن الجزاء جامع جعلهما كالمفردين أي الحكم هذا وذاك ، أو لأن المعنى فلا جناح وواجب هذا ، أو فلا تعزموا ذلك ومتعوهن ، وجوزَ أن يكون عطفاً على الجملة الخبرية عطف القصة على القصة وأن يكون اعتراضاً بالواو وارداً لبيان ما يجب للمطلقات المذكورات على أزواجهن بعد التطليق ، والعطف على محذوف ينسحب عليه الكلام ، أي فطلقوهن ومتعوهن يأباه الذوق السليم إذ لا معنى لقولنا إذا طلقتم النساء فطلقوهن إلا أن يكون المقصود المعطوف ، والحكمة في إعطاء المتعة جبر إيحاش الطلاق ، والظاهر فيها عدم التقدير لقوله تعالى :
{ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ } أي على كل منهما مقدار ما يطيقه ويليق به كائناً ما كان ، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما متعة الطلاق أعلاها الخادم ودون ذلك الورق ودون ذلك الكسوة ، وعن ابن عمر أدنى ما يكون من المتعة ثلاثون درهماً ، وقال الإمام أبو حنيفة : هي درع وخمار وملحفة على حسب الحال إلا أن يقل مهر مثلها من ذلك فلها الأقل من نصف مهر المثل ، ومن المتعة ولا ينتقص من خمسة دراهم ، والموسع من يكون ذا سعة وغنى من أوسع الرجل إذا أكثر ماله واتسعت حاله ، والمقتر من يكون ضيق الحال من أقتر إذا افتقر وقلّ ما في يده وأصل الباب الإقلال ، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مبينة لمقدار حال المتعة بالنظر إلى حال المطلق إيساراً وإقراراً والجمهور على أنها في موضع الحال من فاعل { متعوهن } ، والرابط محذوف أي منكم ، ومن جعل الألف واللام عوضاً عن المضاف إليه أي على موسعكم الخ استغنى عن القول بالحذف .
وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة إلا أبا بكر . وابن ذكوان { حَقَّ قَدْرِهِ } بفتح الدال ، والباقون بإسكانها وهما لغتان فيه ، وقيل : القدر بالتسكين الطاقة وبالتحريك المقدار ، وقرئ { قَدْره } بالنصب ، ووجه بأنه مفعول على المعنى لأن معنى { متعوهنّ } الخ ليؤد كل منكم قدر وسعه قال أبو البقاء : وأجود من هذا أن يكون التقدير فأوجبوا على الموسع قدره .
{ لأزواجهم متاعا } اسم مصدر أجري مجراه أي تمتيعاً { بالمعروف } أي متلبساً بالوجه الذي يستحسن وهو في محل الصفة / لمتاعاً . و{ حَقّاً } أي ثابتاً صفة ثانية له ويجوز أن يكون مصدراً مؤكداً أي حق ذلك حقا { عَلَى المحسنين } متعلق بالناصب للمصدر أوبه أو بمحذوف وقع صفة ، والمراد بالمحسنين من شأنهم الإحسان أو الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال أو إلى المطلقات بالتمتيع ، وإنما سموا بذلك اعتباراً للمشارفة ترغيباً وتحريضاً .
وقال الإمام مالك : المحسنون المتطوعون ، وبذلك استدل على استحباب المتعة وجعله قرينة صارفة للأمر إلى الندب ، وعندنا هي واجبة للمطلقات في الآية مستحبة لسائر المطلقات ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه في أحد قوليه هي واجبة لكل زوجة مطلقة إذا كان الفراق من قبل الزوج إلا التي سمي لها وطلقت قبل الدخول ، ولما لم يساعده مفهوم الآية ولم يعتبر العموم في قوله تعالى : { وللمطلقات متاع بالمعروف } [ البقرة : 1 24 ] لأنه يحمل المطلق على المقيد قال بالقياس ، وجعله مقدماً على المفهوم لأنه من الحجج القطعية دونه ، وأجيب عما قاله مالك بمنع قصر المحسن على المتطوع بل هو أعم منه ومن القائم بالواجبات فلا ينافي الوجوب فلا يكون صارفاً للأمر عنه مع ما انضم إليه من لفظ ( حقاً ) .
قوله تعالى : ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ) .
تتضمن هذه الآية جملة أحكام فقهية تتعلق بالمطلقات وما لهن من حق الفريضة ( المهر ) والمتعة . ويتحدد ذلك كله في ضوء الحال التي عليها المرأة من الطلاق قبل المسيس أو بعده ، ومن فرض المهر لها أو عدمه .
ويمكن القول إن المطلقات في هذا الشأن أربع :
الأولى : مطلقة مدخول بها ومفروض لها المهر ، فهذه لها المهر كله بغير خلاف ، وليس للزوج المطلق أن يسترد من مهرها المسمى شيئا حتى وإن كان الدخول لأدنى فترة من الزمن .
الثانية : مطلقة غير مفروض لها المهر ، ولا مدخول بها ، فإن لها المتعة وهي تعويض المرأة بشيء من المال تعطاه بحسب الحال من اليسار أو الإعسار الذي عليه الرجل .
الثالثة : مطلقة مفروض لها المهر ، لكنها غير مدخول بها ، فإن لها نصف ما سمّي لها من صداق . وذلك جاء قوله في الآية : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) .
الرابعة : مطلقة مدخول بها لكنها غير مفروض لها المهر ، فإن لها مهر مثلما كاملا ؛ لقوله تعالى في آية أخرى : ( فما استمتعم به منهن فآتوهن أجورهن ) . حتى إن الأئمة الثلاثة أبا حنيفة ومالك ابن حنبل ذهبوا إلى وجوب الصداق لها كاملا بمجردة الخلوة وإن لم يقع مسيس ( جماع ) .
وقوله : ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ) أي لا حرج عليكم في طلاق نسائكم ما لم تمسوهن أي تجامعوهن . وما ، هنا شرطية ، أي إن لم تمسوهن أو تماسوهن ، وقيل : مصدرية ظرفية ، أي مدة عدم مسيسكم ، وقيل : اسم موصول ومعناه اللواتي ، فيكون المعنى : لا حرج ولا إثم عليكم إن طلّقتم النساء اللواتي لم تمسّوهن ( تجامعوهن ) ولم تسمّوا لهن صداقا ، وعليكم في هذه الحالة أن تعطوهن متاعا أو متعة ، وقد قدّرها بعضهم بالخادم يستأجره الرجل ، وقيل : أدنى المتعة ما كانت ثلاثة أثواب وأوسطها ما كان خمارا وجلبابا وثوبا ، وقيل غير ذلك . والمقصود بالمتعة أن يكون فيها التطيب لنفس المرأة المطلقة غير الممسوسة والتي لم يذكر لها صداق ، وأن يكون فيها كذلك التعويض عما أصابها من صدمة الفراق بما تستعين به على العيش بحسب الوضع الذي عليه الرجل ، وذلك هو المعنى لقوله تعالى : ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) والموسع هو ذو اليسار والسعة . وقدره أي وسعه . والمقتر هو المقلّ أو قليل المال . فكل منهما يؤتي المطلّقة غير المفروض لها الصداق وغير الممسوسة متاعا بحسب حاله من اليسار أو الإعسار كما ذكرنا آنفا .
أما المتعة من حيث الحكم الشرعي فهي موضع خلاف . فقد هب فريق من أهل العلم وفيهم عبد الله بن عمر ، وعلي بن أبي طالب ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم إلى أنها واجبة استنادا إلى ظاهر قوله تعالى : ( ومتعوهن ) وهو أمر يفيد الوجوب .
وذهب آخرون من العلماء إلى أن الأمر هنا للندب لا للوجوب استنادا إلى قوله : ( حقا على المحسنين ) ولم يقل على الجميع . والراجح عندي القول الأول ؛ لما بينّا من استناد إلى مقتضى الأمر في الآية .
وأما المراد بالنساء في قوله : ( ومتعوهن ) فقد قيل : إنهن المطلّقات قبل الدخول وقبل فرض الصداق لها ، فالمتعة لهن في هذه الحالة واجبة ، أما في حق غيرهن فهي مندوبة . وهو ما ذهب إليه ابن عباس وابن عمر والحسن البصري والشافعي وأحمد والحنفية .
وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أن المتعة مندوب إليها في كل مطلقة سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول ، باستثناء المطلقة غير الممسوسة والتي فرض لها الصداق ، فإن لها نصفه ولا متعة لها ، وأما المطلقة غير المدخول بها والتي لم يفرض لها صداق ، فإنها لا شيء لها غير المتعة وهو ما أجمع عليه العلماء .
وقوله : ( متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) ( متاعا ) مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره متّعوهن . والمعروف أي ما تعورف عليه وكان وسطا وهو الأمر يوافق ما عليه الشرع من دعوة للاقتصاد .
وقوله : ( حقا ) صفة للمفعول المطلق ( متاعا ) وهو ما استدل به العلماء على وجوب المتعة . نقول : حققت عليه الأمر أو أحققته أي أوجبته عليه إيجابا .
وثمة مسألة . وهي إذا مات الرجل قبل أن يفرض لزوجته صداقا أو يدخل بها . فهي بذلك متوفى عنها زوجها دون مسيس أو مهر مسمّى . فقد ذهب العلماء من أصحاب الرسول ( ص ) إلى أن هذه المرأة لها مهر المثل وعليها العدة ولها الميراث . وهو ما ذهب إليه أحمد وإسحاق والثوري . والدليل على ذلك عندهم ما ذكره الترمذي عن ابن مسعود : أنه سئل عن رجل تزوج امرأة لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات . فقال ابن مسعود : لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث ، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول الله ( ص ) في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت ، ففرح بها ابن مسعود .
وذهب آخرون من أصحاب رسول الله ( ص ) منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر إلى أنه إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات ، فإن لها الميراث وعليها العدّة ولا صداق لها . وهو ما ذهب إليه الشافعي أيضا ، على أن مدار الاستدلال في هذه المسألة ينبغي أن يكون موقوفا على صحة خبر بروع وعلى تثبيته ، فهو إن صح فلا مساغ عندئذ إلا الأخذ بالقياس كالذي ذهب إليه الآخرون .