معاني القرآن للفراء - الفراء  
{لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (236)

قوله : { وَمَتِّعُوهُنَّ على الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعلى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ . . . }

بالرفع . ولو نُصب كان صوابا على تكرير الفعل على النيَّة ، أي ليعط الموسع قدره ، والمقتر قدره . وهو مِثل قول العربِ : أخذت صدقاتِهم ، لكل أربعين شاةً شاةُ ؛ ولو نصبت الشاة الآخِرة كان صوابا .

وقوله { مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ } منصوب خارجا من القَدَر ؛ لأنه نكرة والقدر معرفة . وإن شئت كان خارجا من قوله " وَمَتِّعُوهُنَّ " مَتَاعاً ومُتْعة .

فأما { حَقّاً } فإنه نَصْب من نيّة الخبر لا أنه من نعت المتاع . وهو كقولك في الكلام : عبد الله في الدار حقاً . إنما نصب الحق من نيَّة كلام المخبِر ؛ كأنه قال : أخبركم خبرا حقا ، وبذلك حقا ؛ وقبيح أن تجعله تابعا للمعرفات أو للنكرات ؛ لأن الحق والباطل لا يكونان في أنفُس الأسماء ؛ إنما يأتي بالأخبار . من ذلك أن تقول : لي عليك المال حقّا ، وقبيح أن تقول : لي عليك المال الحق ، أو : لي عليك مال حقّ ، إلا أن تذهب به إلى أنه حقّ لي عليك ، فتخرجَه مُخرج المال لا على مذهب الخبر .

وكل ما كان في القرآن مما فيه من نكرات الحق أو معرفته أو ما كان في معنى الحق فوجهُ الكلام فيه النصب ؛ مثل قوله " وَعْدَ الحقِ " و " وعد الصدق " ومثل قوله { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُم جَمِيعا وَعْدَ اللّهِ حقاً } هذا على تفسير الأوّل . وأما قوله { هنالِك الوَلاية لِلّه الحقِّ } فالنصب في الحقّ جائز ؛ يريد حقّا ، أي أخبركم أن ذلك حقّ . وإن شئت خفضت الحقّ ، تجعله من صفة الله تبارك وتعالى . وإن شئت رفعته فتجعلُه من صفة الوَلاية . وكذلك قوله { ورُدُّوا إلى اللّهِ مَوْلاَهُم الحقّ } تجعله من صفة الله عز وجلَّ . ولو نصبت كان صوابا ، ولو رُفع على نيَّة الاستئناف كان صوابا ؛ كما قال { الْحَقُّ مِن ربَّك فَلاَ تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِين } وأنت قائل إذا سمعت رجلا يحدث : [ حقّا أي ] قلت حقا ، والحقُّ ، أي ذلك الحقُّ . وأما قوله في ص { قَالَ فالْحقُّ والحقَّ أقول } فإن الفرّاء قد رفعتِ الأوّل ونصبته . وروى عن مجاهد وابن عباس أنهما رفعا الأوّل وقالا تفسيره : الحقُّ منى ، وأقول الحق ؛ فينصبان الثانى ب " أقول " . ونصبهما جميعا كثير منهم ؛ فجعلوا الأوّل على معنى : والحقِّ " لأملأَنَّ جَهَنَّمَ " وينصب الثاني بوقوع القول عليه . وقوله { ذلِكَ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحقّ } رفعه حمزة والكسائي ، وجعلا الحق هو الله تبارك وتعالى ، لأنها في حرف عبد الله " ذَلِكَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ قالَ اللّهِ " كقولك : كلمةَ الله ، فيجعلون ( قال ) بمنزلة القول ؛ كما قالوا : العاب والعَيْب . وقد نصبه قوم يريدون : ذلك عيسى بن مريم قولا حقّا .