روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ} (238)

{ حافظوا عَلَى الصلوات } أي داوموا على أدائها لأوقاتها من غير إخلال كما ينبئ عنه صيغة المفاعلة المفيدة للمبالغة ، ولعل الأمر بها عقيب الحض على العفو ، والنهي عن ترك الفضل لأنها تهيئ النفس لفواضل الملكات لكونها الناهية عن الفحشاء والمنكر ، أو ليجمع بين التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة عل خلقه ، وقيل : أمر بها في خلال بيان ما تعلق بالأزواج والأولاد من الأحكام الشرعية المتشابكة إيذاناً بأنها حقيقة بكمال الاعتناء بشأنها والمثابرة عليها من غير اشتغال عنها بشأن أولئك فكأنه قيل : لا يشغلنكم التعلق بالنساء وأحوالهن وتوجهوا إلى مولاكم بالمحافظة على ما هو عماد الدين ومعراج المؤمنين .

{ والصلاة الوسطى } أي المتوسطة بينها أو الفضلى منها ، وعلى الأول استدل بالآية على أن الصلوات خمس/ بلا زيادة دون الثاني ، وفي تعيينها أقوال : أحدها : أنها الظهر لأنها تفعل في وسط النهار ، الثاني : أنها العصر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل ، وهو المروي عن علي والحسن وابن عباس وابن مسعود وخلق كثير وعليه الشافعية والثالث : أنها المغرب ، وعليه قبيصة بن ذؤيب ؛ لأنه وسط في الطول والقصر . والرابع : أنها صلاة العشاء لأنها بين صلاتين لا يقصران . والخامس : أنها الفجر لأنها بين صلاتي الليل والنهار ولأنها صلاة لا تجمع مع غيرها فهي منفردة بين مجتمعين ، وهو المروي عن معاذ وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد ، واختاره الشافعي رضي الله تعالى عنه نفسه ، وقيل : المراد بها صلاة الوتر ، وقيل : الضحى ، وقيل : عيد الفطر ، وقيل : عيد الأضحى ، وقيل : صلاة الليل ، وقيل : صلاة الجمعة ، وقيل : الجماعة ، وقيل : صلاة الخوف ( وقيل ، وقيل . . ) .

والأكثرون صححوا أنها صلاة العصر لما أخرج مسلم من حديث علي كرم الله تعالى وجهه «أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة والوسطى صلاة العصر ملأ الله تعالى بيوتهم ناراً » وخصت بالذكر لأنها تقع في وقت اشتغال الناس لا سيما العرب ، قال بعض المحققين : والذي يقتضيه الدليل من بين هذه الأقوال أنها الظهر ونسب ذلك إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وبيان ذلك أن سائر الأقوال ليس لها مستند يقف له العجلان سوى القول بأنها صلاة العصر ، والأحاديث الواردة بأنها هي قسمان : مرفوعة وموقوفة ، والموقوفة لا يحتج بها ؛ لأنها أقوال صحابة عارضها أقوال صحابة آخرين أنها غيرها ، وقول الصحابي لا يحتج به إذا عارضه قول صحابي آخر قطعاً وإنما جرى الخلاف في الاحتجاج به عند عدم المعارضة ، وأما المرفوعة فغالبها لا يخلو إسناده عن مقال والسالم من المقال قسمان : مختصر بلفظ الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ومطول فيه قصة وقع في ضمنها هذه الجملة ، والمختصر مأخوذ من المطول اختصره بعض الرواة فوهم في اختصاره على ما ستسمع ، والأحاديث المطولة كلها لا تخلو من احتمال فلا يصح الاستدلال بها فقوله من حديث مسلم :

" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " فيه احتمالان ، أحدهما : أن يكون لفظ صلاة العصر ليس مرفوعاً بل مدرج في الحديث أدرجه بعض الرواة تفسيراً منه كما وقع ذلك كثيراً في أحاديث ، ويؤيده ما أخرجه مسلم من وجه آخر عن علي كرم الله تعالى وجهه بلفظ " حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس " يعني العصر ، الثاني : على تقدير أنه ليس بمدرج يحتمل أن يكون عطف نسق على حذف العاطف لا بياناً ولا بدلاً والتقدير شغلونا عن الصلاة والوسطى وصلاة العصر ، ويؤيد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يشغل يوم الأحزاب عن صلاة العصر فقط بل شغل عن الظهر والعصر معا كما ورد من طريق أخرى فكأنه أراد بالصلاة الوسطى الظهر وعطف عليها العصر ، ومع هذين الاحتمالين لا يتأتى الاستدلال بالحديث والاحتمال الأول أقوى للرواية المشار إليها ، ويؤيده من خارج أنه لو ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير أنها العصر لوقف الصحابة عنده ولم يختلفوا ، وقد أخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه ، ثم على تقدير عدم الاحتمالين فالحديث معارض بالحديث المرفوع أنها الظهر ، وإذا تعارض الحديثان ، ولم يكن الجمع طلب الترجيح ، وقد ذكر الأصوليون أن من المرجحات أن يذكر السبب ، والحديث الوارد في أنها الظهر مبين فيه سبب النزول ومساق لذكرها بطريق القصد بخلاف حديث «شغلونا » الخ فوجب الرجوع إليه ، وهو ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند جيد عن زيد بن ثابت قال : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ، ولم تكن صلاة أشد على الصحابة منها فنزلت : { حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى } » وأخرج أحمد من وجه آخر عن زيد أيضاً «أن رسول الله / صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان ، والناس في قائلتهم وتجارتهم فأنزل الله تعالى : { حافظوا عَلَى الصلوات } الخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم " ويؤكد كونها غير العصر ما أخرجه مسلم وغيره من طرق عن أبي يونس مولى عائشة قال : «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً فأملت علي ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ) وقالت : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم » والعطف يقتضي المغايرة ، وأخرج مالك وغيره من طرق أيضاً عن عمرو بن رافع قال : «كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأملت عليّ ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ) وأخرج ابن أبي داود في «المصاحف » عن عبد الله بن رافع أنه كتب لأم سلمة مصحفاً فأملت عليه مثل ما أملت عائشة وحفصة » وأخرج ابن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ كذلك ، وأخرج أيضاً عن أبي رافع مولى حفصة قال : «كتبت مصحفاً لحفصة فقالت : اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ، فلقيت أبيّ بن كعب فقال : هو كما قالت أو ليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في عملنا ونواضحنا » وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من هذه القراءة أنها الظهر هذا ، وعن الربيع بن خيثم وأبي بكر الوراق أنها إحدى الصلوات الخمس ولم يعينها الله تعالى وأخفاها في جملة ( الصلوات ) المكتوبة ليحافظوا على جميعها كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان ، واسمه الأعظم في جميع الأسماء وساعة الإجابة في ساعات الجمعة ؛ وقرأ عبد الله وعلي الصلاة الوسطى وروي عن عائشة ( والصلاة ) بالنصب على المدح والاختصاص ، وقرأ نافع ( الوصطى ) بالصاد .

{ وَقُومُواْ لِلَّهِ } أي في الصلاة { قانتين } أي مطيعين كما هو أصل معنى القنوت عند بعض ، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو ذاكرين له تعالى في القيام بناءاً على أن القنوت هو الذكر فيه ، وقيل : خاشعين ، وقيل : مكملين الطاعة ومتميها على أحسن وجه من غير إخلال بشيء مما ينبغي فيها ، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال : من القنوت طول الركوع وغض البصر والخشوع وأن لا يلتفت وأن لا يقلب الحصى ولا يعبث بشيء ولا يحدث نفسه بأمر من أمور الدنيا ، وفسره البخاري في «صحيحه » بساكتين لما أخرج هو ومسلم وأبو داود وجماعة عن زيد بن أرقم قال : «كنا نتكلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت : { وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ، ولا يخفى أنه ليس بنص في المقصود ، ولعل الأوضح منه ما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد على فلما قضي الصلاة قال : " إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة " وقال ابن المسيب : المراد به القنوت في الصبح وهو رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والجار والمجرور متعلق بما قبله أو بما بعده .

( ومن باب الإشارة : ) إن الصلوات خمس ، صلاة السر بشهوده مقام الغيب ، وصلاة النفس بخمودها عن دواعي الريب ، وصلاة القلب بمراقبته أنوار الكشف ، وصلاة الروح بمشاهدة الوصل ، وصلاة البدن بحفظ الحواس وإقامة الحدود ، فالمعنى حافظوا على هذه الصلوات الخمس ، والصلاة الوسطى التي هي صلاة القلب التي شرطها الطهارة عن الميل إلى السوى وحقيقتها التوجه إلى المولى ، ولهذا تبطل بالخطرات والانحراف عن كعبة الذات { وَقُومُواْ لِلَّهِ } بالتوجه إليه { قانتين } [ البقرة : 8 23 ] أي مطيعين له ظاهراً وباطناً بدفع الخواطر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ} (238)

قوله تعالى : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا آمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) ذلك خطاب من الله لعباده المؤمنين آمرا إياهم أن يحافظوا على الصلوات كلها ، وذلك بإقامتها وأدائها تامة غير منقوصة ، سواء في ذلك شروط الصلاة وأركانها من قيام وقراءة وركوع وسجود وقعود وخشوع .

أما الصلاة الوسطى فهي موضع خلاف العلماء سلفا وخلفا .

فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنها الصبح ؛ وتوجيه هذا القول أن ما قبلها صلاتا ليل يُقرأ فيهما جهرا ، وما بعدها صلاتا نهار يُقرأ فيهما سرا . وكذلك فإن وقت الصبح يأتي والناس نيام فيجد الناس في أداء الصلاة في هذا الوقت مشقة وجهدا ؛ وذلك لشدة البرد في الشتاء وقصر الليل في الصيف .

وقيل : إنها الظهر ؛ لأنها وسط النهار . وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعائشة- رضي الله عنهم أجمعين-

وقيل : إنها المغرب ؛ لأنها متوسطة في عدد الركعات ، فهي ليست بأقل الركعات ولا بأكثر ولا قصر لها في السفر وأنها قبلها صلاتا سر وبعدها صلاتا جهر .

وقيل : إنها صلاة العشاء الآخرة ؛ لأنها تجيء في وقت من النوم يهجع فيه الناس ، فأراد الله أن يؤكد على الاهتمام بها وعدم التفريط فيها .

وقيل : إنها العصر . وهو الذي مال إليه أكثر العلماء من صحابة وتابعين ومذاهب . فهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وحفصة وأم سلمة وابن عمر وابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد ابن جبير وابن سيرين والحسن البصري ، وهو مذهب أحمد بن حنبل والشافعي وأبي حنيفة وبعض المالكية . وقد استدلوا لذلك بجملة نصوص من السنة منها ما أخرجه أصحاب السنن عن علي قال : قال رسول الله ( ص ) يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا " ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء .

وأخرج الإمام أحمد بإسناده عن سمرة بن جندب أن رسول الله ( ص ) قال : " صلاة الوسطى صلاة العصر " .

وروى ابن جرير الطبري بإسناده عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله ( ص ) : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " وأحاديث أخرى من طرق متعددة وكثيرة يمكن الاحتجاج بها على أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر .

وقوله : ( وقوموا لله قانتين ) ( قانتين ) منصوب على الحال . والقنوت معناه الطاعة والخشوع والسكوت والقيام في الصلاة والإمساك عن الكلام{[326]} والدعاء إلى الله في ضراعة وتذلل . وعلى هذا فمقصود الآية أن يدعو الناس ربهم في خشوع وتذلل ، وأن يكونوا له طائعين مستسلمين ولأمرع وشرعه ممتثلين منفذين ، وقيل : إن المراد بالقنوت في الآية السكوت في الصلاة . واستدل القائلون بهذا الرأي بأن هذه الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة ، فقد كان الكلام في الصلاة في صدر الإسلام مباحا ، فقد روي عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نسلم على رسول الله ( ص ) وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه ، فلم يرد علينا ، فقلنا : يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا ؟ فقال : " إن في الصلاة شغلا " .

وروي عن زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ( وقوموا لله قانتين ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .

وجاء في صحيح مسلم أن النبي ( ص ) قال لمعاوية بن الحكم السلمي حسن تكلم في الصلاة : " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وكر الله " .

والذي نرجحه أن تكون الآية شاملة لكل هذه المعاني ، فالمسلم مدعو أن يكون قانتا لله بكل ما يتضمنه القنوت من معنى . وهو مدعو كذلك أن يلتزم بالسكوت في الصلاة . وأيما كلام في الصلاة يفسدها إن كان ذلك عمدا ولغير حاجة ملحّة أو ضرورية .

أما إن كان الكلام في الصلاة لحاجة ملحة كأن يكون ذلك لإحياء نفس توشك أن تهلك فإنه جائز ، فمن قطع صلاته لمثل هذا السبب كالذي يقطعها لينبه ضريرا مارا في الطريق ومن أمامه بئر يوشك أن يقع فيها فإن عليه أن يبني على صلاته ولا يستأنفها . وقيل غير ذلك .

وإن كان الكلام في الصلاة سهوا فإنه لا يفسدها ، وهو ما ذهب إليه المالكية والشافعية خلافا للحنفية الذين ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة سهوا يفسدها .

والراجح ما ذهب إليه المالكية والشافعية استنادا إلى قوله عليه الصلاة والسلام : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " .

ويستفاد من الآية كذلك وجوب القيام في صلاة الفرض إن كان المصلي صحيحا قادرا سواء كان إماما أو منفردا . ي قول الرسول ( ص ) في ذلك : " إنما جُعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما " . وتفصيل ذلك في مظانّه من كتب الفقه .


[326]:- القاموس المحيط جـ 1 ص 161.