روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ} (239)

{ فَإِنْ خِفْتُمْ } من عدوّ أو غيره { فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } حالان من الضمير في جواب الشرط أي فصلوا راجلين أو راكبين ، والأول جمع راجل ، وهو الماشي على رجليه ورجل بفتح فضم أو بفتح فكسر بمعناه ، وقيل : الراجل الكائن على رجليه واقفاً أو ماشياً ، واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه بظاهر الآية على وجوب الصلاة حال المسايفة/ وإن لم يمكن الوقوف ، وذهب إمامنا إلى أن المشي وكذا القتال يبطلها ، وإذا أدى الأمر إلى ذلك أخرها ثم صلاها آمناً ، فقد أخرج الشافعي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوى من الليل حتى كفينا القتال وذلك قوله تعالى : { وَكَفَى الله المؤمنين القتال } [ الأحزاب : 5 2 ] فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأمر فأقام الظهر فصلاها كما كان يصلي ، ثم أقام العصر فصلاها كذلك ، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك ، وفي لفظ «فصلى كل صلاة ما كان يصليها في وقتها » وقد كانت صلاة الخوف مشروعة قبل ذلك لأنها نزلت في ذات الرقاع وهي قبل الخندق كما قاله ابن إسحق وغيره من أهل السير ، وأجيب بمنع أن صلاة الخوف مطلقاً ولو شديداً شرعت قبل الخندق ليستدل بما وقع فيه من التأخير ، ويجعل ناسخاً لما في الآية كما قيل ، والمشروع في ذات الرقاع قبل صلاة الخوف الغير الشديد وهي التي نزلت فيها : { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة } [ النساء : 2 10 ] لا صلاة شدّة الخوف المبينة بهذه الآية ، والنزاع إنما هو فيها وهي لم تشرع قبل الخندق بل بعده وفيه كان الخوف شديداً فلا يضر التأخير ، وقد أجاب بعض الحنفية بأنا سلمنا جميع ذلك إلا أن هذه الآية ليست نصاً في جواز الصلاة مع المشي أو المسايفة ؛ إذ يحتمل أن يكون الراجل فيها بمعنى الواقف على رجليه لا سيما ، وقد قوبل بالراكب وقد علم من خارج وجوب عدم الإخلال في الصلاة ، وهذا إخلال كلي لا يحتمل فيها لإخراجه لها عن ماهيتها بالكلية ، وأنت تعلم إذا أنصفت أنّ ظاهر الآية صريحة مع الشافعية لسبق «وقوموا والدين يسر لا عسر » والمقامات مختلفة ، والميسور لا يسقط بالمعسور ، وما لا يدرك لا يترك فليفهم . وقرئ ( رجالاً ) بضم الراء مع التخفيف ، وبضمها مع التشديد وقرئ { فرجلا } أيضاً .

{ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ } وزال خوفكم . وعن مجاهد إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة ولعله على سبيل التمثيل { فاذكروا الله } أي فصلوا صلاة الأمن كما قال ابن زيد وعبر عنها بالذكر لأنه معظم أركانها ، وقيل : المراد أشكروه على الأمن وبعضهم أوجب الإعادة ، وفسر هذا بأعيدوا الصلاة ، وهو من البعد بمكان { كَمَا عَلَّمَكُم } أي ذكراً مثل ما علمكم من الشرائع وكيفية الصلاة حالتي الأمن والخوف أو شكراً يوازي ذلك ، و{ مَا } مصدرية وجوّز أن تكون موصولة وفيه بعد .

{ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْمَلُونَ } مفعول علمكم وزاد { تَكُونُواْ } ليفيد النظم ، ووقع في موضع آخر بدونها كقوله تعالى : { عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ } [ العلق : 5 ] فقيل : الفائدة في ذكر المفعول فيه وإن كان الإنسان لا يعلم إلا ما لم يعلم التصريح بذكر حالة الجهل التي انتقل عنها فإنه أوضح في الامتنان ، وفي إيراد الشرطية الأولى بأن المفيد لمشكوكية وقوع الخوف وندرته ، وتصدير الثانية ب ( إذا ) المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى ، والإطناب في جواب الثانية المبنيين على تنزيل مقام وقوع المأمور به فيهما منزلة مقام وقوع الأمر تنزيلاً مستدعياً لإجراء مقتضى المقام الأوّل في كل منهما مجرى مقتضى المقام الثاني من الجزالة والاعتبار كما قيل ما فيه عبرة لذوى الأبصار .

( ومن باب الإشارة : ){ فَإِنْ خِفْتُمْ } صدمات الجلال حال سفركم إلى الله تعالى فصلوا راجلين في بيداء/ المسير سائرين على أقدام الصدق أو راكبين على مطايا العزم ولا يصدنكم الخوف عن ذلك { فَإِذَا أَمِنتُمْ } بعد الرجوع عن ذلك السفر إلى الوطن الأصلي بكشف الحجاب

{ فاذكروا الله } [ البقرة : 9 23 ] أي فصلوا له بكليتكم حتى تفنوا فيه أو فإذا أمنتم بالرجوع إلى البقاء بعد الفناء فاذكروا الله تعالى لحصول الفرق بعد الجمع حينئذ ، وأمّا قبل ذلك فلا ذكر إذ لا امتياز ولا تفصيل وقد قيل للمجنون : أتحب ليلى ؟ فقال : ومن ليلى ؟ أنا ليلى ، وقال بعضهم :

أنا من أهوى ومن أهوى أنا *** نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته*** وإذا أبصرته أبصرتنا

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ} (239)

وقوله : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) ذلك بيان لحال الصلاة والمصلين في ساعات الخوف والفزع إذا همهم العدوّ أو كانوا معه في تلاحم وقتال .

والرجال جمع مفرده راجل أو رجل وهو الإنسان إذا عدم المركوب ومشى على قدميه . وعكس الرجال الركبان ، وهو جمع مفرده الراكب ، سواء كان المركوب من الخيل أو الإبل أو غير ذلك من المطايا أو ما كان من مستحدثات العصر كالسيارة أو الطيارة أو السفينة ونحو ذلك ، والمراد أن الصلاة حين الخوف من العدو أو غيره لا مناص من أدائها ولا مجال للاعتذار عنها مهما تكن الظروف ومهما اشتدت الخطوب أو ادلهمّت . فإذا كان المسلم في ساعات الخوف ، والتحم مع العدو التحاما جاز له أن يصلي ماشيا على قدميه أو راكبا ، مستقبل القبلة أو مستدبرها . فقد كان عبد الله بن عمر إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم أو ركبانا ، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها ، وهو ما رواه البخاري وفي رواية أخرى لمسلم عنه : فإن كان خوف أشد من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء .

وجاء عن عبد الله بن عباس قال في هذه الآية : يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه .

وجاء عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- قال : إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه إيماء حيث كان وجهه فذلك قوله : ( فرجالا أو ركبانا ) .

وقال الأوزاعي في ذلك كلاما جيدا وهو : إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء ، كل امرئ لنفسه ، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا فيصلوا ركعتين ، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا لا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا .

على أن سبب الخوف الذي رخّص فيه للمسلم أن يصلّي راجلا أو راكبا مستقبل القبلة أو مستدبرها ، فموضع خلاف للعلماء ، فقد ذهب الشافعي إلى أنه الخوف الذي سببه العدو . فإذا أطل العدو على المسلمين حتى تراؤوا فيما بينهم ، أو جاءهم من يخبرهم بأن العدو قريب منهم وكان المخبر مصدوقا وموثوقا به جاز لهم أن يصلوا صلاة الخوف التي تضمنتها هذه الآية .

وذهب أكثر أهل العلم إلى أن سبب الخوف يستوي فيه أن يكون عدوا أو حيوانا مخوفا يريد أن يفترسه ، أو سارقا أو متلصصا يريد سلبه وقتله . فإن ذلك كله يبيح للخائف أن يصلي صلاة الخوف المذكورة ، وهو الذي نرجحه ونميل إليه استنادا إلى الظاهر من مطلق الآية التي لم تتقيد بسبب من أسباب الخوف .

وقوله : ( فإذا آمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) أي إذا زال الخوف واطمأننتم وجب عليكم أن تذكروا الله بأداء الصلاة على وجهها الأكمل بما فيها من قيام وركوع وسجود وقعود وخشوع ، وعليكم كذلك أن تبادروا بالشكر لله الذي هداكم لدينه ، وعلمكم من الأحكام ما لم تكونوا تعلمونه من قبل ، وشرع لكم من التيسير والتسهيل ما يدرأ عنكم كل حرج{[327]} .


[327]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 294-296 وتفسير القرطبي جـ 3 ص 214- 225.