روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (240)

{ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا } عود إلى بيان بقية الأحكام المفصلة فيما سبق ، وفي { يُتَوَفَّوْنَ } مجاز المشارفة { وَصِيَّةٍ } قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة عن عاصم بنصب { بَعْدِ وَصِيَّةٍ } على المصدرية ، أو على أنها مفعول به ، والتقدير ليوصوا أو يوصون وصية أو كتب الله تعالى عليهم ، أو/ ألزموا وصية ويؤيد ذلك قراءة عبد الله ( كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول ) مكان { والذين } الخ ، وقرأ الباقون بالرفع على أنه خبر بتقدير ليصح الحمل أي ووصية ( الذين يتوفون ) أو حكمهم وصية أو { والذين يُتَوَفَّوْنَ } أهل وصية ، وجوّز أن يكون نائب فاعل فعل محذوف ، أو مبتدأ لخبر محذوف مقدّم عليه أي : كتب عليهم أو عليهم وصية وقرأ أبيّ ( متاع لأزواجهم ) ، وروي عنه { فمتاع } بالفاء .

{ متاعا إِلَى الحول } نصب بيوصون إن أضمرته ويكون من باب الحذف والإيصال ، وإلا فبالوصية لأنها بمعنى التوصية ، وبمتاع على قراءة أبيّ لأنه بمعنى التمتع { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } بدل منه بدل اشتمال إن اعتبر اللزوم بين التمتع { إِلَى الحول } وبين غير الإخراج وبدل الكل بحسب الذات فإنهما متحدان بالذات ، ومتغايران بالوصف ، وذكر بعضهم أنه على تقدير البدل لا بدّ من تقدير مضاف إلى غير تقديره : متاعاً إلى الحول متاع غير إخراج وإلا لم يصح لأن متاعاً مفسر بالإنفاق ، { غَيْر إِخْرَاجٍ } عبارة عن الإسكان وليس مدلوله مدلول الأوّل ، ولا جزأه ، ولا ملابساً له ، فيكون بدل غلط وهو لا يصح في الكلام المجيد فيتعين التقدير ، وحينئذ يكون إبدال الخاص من العام وهو من قبيل إبدال الكل من الجزء نحو رأيت القمر فلكه ، وهو بدل الاشتمال كما صرح به صاحب «المفتاح » وأجيب بأنا لا نسلم أنّ متاعاً مفسر بالإنفاق فقط بل المتاع عام شامل للإنفاق والإسكان جميعاً ، فيكون { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } عبارة عن الإسكان الذي هو بعض من { متاعا } فيكون بدل البعض من الكل ، وجوّز أن يكون مصدراً مؤكداً لأن الوصية بأن يمتعن حولا يدل على أنهنّ لا يخرجن ، فكأنه قيل : لا يخرجن غير إخراج ويكون تأكيداً لنفي الإخراج الدال عليه { لا يَخْرُجْنَ } [ الطلاق : 1 ] فيؤول إلى قولك : لا يخرجن لا يخرجن ، وأن يكون حالا من ( أزواجهم ) والأكثرون على أنها حال مؤكدة إذ لا معنى لتقييد الإيصاء بمفهوم هذه الحالة وأنها مقدّرة ؛ لأنّ معنى نفي الإخراج إلى الحول ليس مقارناً للإيصار وفيه تأمّل ، وأن يكون صفة ( متاع ) أو منصوباً بنزع الخافض ، والمعنى : يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولا بالنفقة والسكنى ، وكان ذلك على الصحيح في أوّل الإسلام ثم نسخت المدّة بقوله تعالى :

{ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } [ البقرة : 234 ] وهو وإن كان متقدماً في التلاوة فهو متأخر في النزول وكذا النفقة بتوريثهنّ الربع أو الثمن ، واختلف في سقوط السكنى وعدمه ، والذي عليه ساداتنا الحنفية الأوّل ، وحجتهم أنّ مال الزوج صار ميراثاً للوارث ، وانقطع ملكه بالموت ، وذهب الشافعية إلى الثاني لقوله صلى الله عليه وسلم : «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله » واعترض بأنه ليس فيه دلالة على أنّ لها السكنى في مال الزوج ، والكلام فيه { فَإِنْ خَرَجْنَ } بعد الحول ، ومضى العدّة ، وقيل : في الأثناء باختيارهن { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } يا أولياء الميت ، أو أيها الأئمة . { فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ } لا ينكره الشرع كالتطيب والتزين وترك الحداد والتعرض للخطاب أو في ترك منعهنّ من الخروج ، أو قطع النفقة عنهنّ ، فلا نص في الآية على أنه لم يكن يجب عليهنّ ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وإنما كنّ مخيرات بين الملازمة وأخذ النفقة ، وبين الخروج وتركها { والله عَزِيزٌ } غالب على أمره ينتقم ممن خالف أمره في الإيصاء وإنفاذ الوصية وغير ذلك { حَكِيمٌ } يراعي/ في أحكامه مصالح عباده فينبغي أن يمتثل أمره ونهيه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (240)

قوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) هذه الآية باتت منسوخة . فقد نسختها الآية قبلها وهي : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) أما الآية المنسوخة فتأويلها أن المتوفى عنها زوجها كانت تقيم في بيت المتوفى عنها مدة حول كامل ، وينفق عليها من ماله وذلك على سبيل الوصية الملزمة من الله ما لم تخرج من البيت ، فإن هي خرجت بات الورثة في حِلّ من الإنفاق عليها ، لكن مدة الحول هذه قد نسخت بالأربعة أشهر والعشرة أيام . وقال القاضي عياض في هذا الصدد : إن الإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر .

ويعزز هذا التأويل ما ورد عن الرسول ( ص ) قوله : " إنما هي أربعة أشهر وعشر ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأي الحول " .

وقوله : ( وصية ) منصوب على تقدير فعل محذوف ، أي فليوصوا وصية ، أو وألزم الذين يتوفون وصية . وقرئت بالرفع على أنها مبتدأ لخبر محذوف . أي عليهم وصية . وقيل : الخبر لأزواجهم وقوله : ( متاعا ) منصوب بوصية ، أو بفعل محذوف . أي متعوهن متاعا . وقيل : منصوب على الحال .

وقوله : ( غير إخراج ) أي ليس لأولياء الميت أن يخرجوها من البيت خلا الحول . و ( غير ) منصوب على الحال ، أي متعوهن غير مخرجات . وقيل منصوب ؛ لكونه صفة للمتاع .

لكن النساء المتوفى عنهن أزواجهن ، إذا خرجن من البيوت خلال الحول- سواء أوّله أو وسطه- فإنه لا إثم على الأولياء من هذا الخروج ، وكذلك فإنه لا إثم عليهم إذا قطعوا عنهن النفقة للخروج ؛ ذلك أن الأولياء كانوا مكلفين بإسكانهن والإنفاق عليهن ما لم يخرجن . وفي ذلك جاءت الآية ( فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) أي لا حرج ولا جناح على الأولياء في خروج النساء من البيوت أثناء الحول أو رغبن في النكاح بعد انقضاء عدتهن بالحول ، وهو الذي يوافق الشرع . وذلك هو المقصود بقوله : ( في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) .

قوله : ( والله عزيز حكيم ) ذلك تهديد من الله وإخبار ، فهو سبحانه يتوعد الذين يخالفون عن أمره بإخراج النساء المتوفى عنهن الأزواج من البيوت وقطع النفقة عنهن ، وهو سبحانه حكيم فيما بيّن للعباد من شرائع وحدود وأحكام .