روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

{ لّيَشْهَدُواْ } متعلق ب { يأتوك } [ الحج : 27 ] ، وجوز أبو البقاء تعلقه ب { أذن } [ الحج : 27 ] أي ليحضروا { منافع } عظيمة الخطر كثيرة العدد فتنكيرها وإن لم يكن فيها تنوين للتعظيم والتكثير . ويجوز أن يكون للتنويع أي نوعاً من المنافع الدينية والدنيوية ، وتعميم المنافع بحيث تشمل النوعين مما ذهب إليه جمع وروى ذلك عن ابن عباس ، فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال في الآية : منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة فأما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى وأما منافع الدنيا فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم والذبائح والتجارات ، وخص مجاهد منافع الدنيا بالتجارة فهي جائزة للحاج من غير كراهة إذا لم تكن هي المقصودة من السفر . واعترض بأن نداءهم ودعوتهم لذلك مستبعد ، وفيه نظر ، على أنه إنما يتأتى على ما جوزه أبو البقاء ، وعن الباقر رضي الله تعالى عنه تخصيص المنافع بالأخروية ، وفي رواية عن ابن عباس تخصيصها بالدنيوية والتعميم أولى .

{ لَهُمْ } في موضع الصفة لمنافع أي منافع كائنة لهم { وَيَذْكُرُواْ اسم الله } عند النحر { فِي أَيَّامٍ معلومات } أي مخصوصات وهي أيام النحر كما ذهب إليه جماعة منهم أبو يوسف . ومحمد عليهما الرحمة . وعدتها ثلاثة أيام يوم العيد ويومان بعده عندنا ، وعند الثوري . وسعيد بن جبير . وسعيد بن المسيب لما روى عن عمر . وعلي . وابن عمر وابن عباس . وأنس . وأبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنهم قالوا : أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها ، وقد قالوه سماعاً لأن الرأي لا يهتدي إلى المقادير ، وفي الأخبار التي يعول عليها تعارض فأخذنا بالمتيقن وهو الأقل ، وقال الشافعي . والحسن . وعطاء : أربعة أيام يوم العيد وثلاثة بعده لقوله صلى الله عليه وسلم : «أيام التشريق كلها أيام ذبح » وعند النخعي وقت النحر يومان ، وعند ابن سيرين يوم واحد ، وعند أبي سلمة . وسلميان بن يسار الأضحى إلى هلال المحرم ولم نجد في ذلك مستنداً يعول عليه . واستدل بذكر الأيام على أن الذبح لا يجوز ليلاً ، قال أبو حيان : وهو مذهب مالك وأصحاب الرأي انتهى . والمذكور في كتب الأصحاب أنه يجوز الذبح ليلاً إلا أنه يكره لاحتمال الغلط في ظلمة الليل .

وأما الاستدلال على عدم الجواز بذكر الأيام فكما ترى ، وقيل الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وإليه ذهب أبو حنيفة عليه الرحمة وروى عن ابن عباس . والحسن . وإبراهيم . وقتادة ؛ ولعل المراد بذكر اسمه تعالى على هذا ما قيل حمده وشكره عز وجل ؛ وعلى الأول قول الذابح : بسم الله والله أكبر على ما روى عن قتادة ، وذكر أنه يقال مع ذلك : اللهم منك ولك عن فلان ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قول آخر .

ورجح كونه بمعنى الشكر بأنه أوفق بقوله تعالى : { على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام } .

واختار الزمخشري أن الذكر على بهيمة الأنعام أو مطلقاً على ما يقتضيه ظاهر كلام بعضهم كناية عن النحر ، وذكر أنه دل بذلك على المقصود الأصلي من النحر وما يميزه عن العادات . وأومأ فيه إلى أن الأعمال الحجية كلها شرعت للذكر . وأنه قيل : { على مَا رَزَقَهُمْ } إلى آخره تشويقاً في التقرب ببهيمة الأنعام المراد بها الإبل والبقر والضأن والمعز إلى الرازق وتهويناً عليهم في الانفاق مع ما في ذلك من الإجمال والتفسير ، وظرفية الأيام المعلومات على القول بأنها عشر ذي الحجة للنحر باعتبار أن يوم النحر منها ، وقد يقال مثل ذلك على تقدير إبقاء الذكر على ما يتبادر منه { فَكُلُواْ مِنْهَا } التفات إلى الخطاب والفاء فصيحة أي فاذكروا اسم الله تعالى على ضحاياكم فكلوا من لحومها ، والأمر للإباحة بناء على أن الأكل كان منهياً عنه شرعاً . وقد قالوا : إن الأمر بعد المنع يقتضي الإباحة ، ويدل على سبق النهي قوله صلى الله عليه وسلم : «كنت نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي فكلوا منها وادخروا » وقيل لأن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون فيه أو للندب على مواساة الفقراء ومساواتهم في الأكل منها ، وهذا على ما قال الخفاجي مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه .

{ وَأَطْعِمُواْ البائس } أي الذي أصابه بؤس أي شدة ، وعن مجاهد . وعكرمة تفسيره بالذي يمد كفيه إلى النار يسأل { الفقير } أي المحتاج ، والأمر للندب عند الإمام على ما ذكره الخفاجي أيضاً ، ويستحب كما في الهداية أن لا ينقص ما يطعم عن الثلث لأن الجهات الأكل والإطعام الثابتان بالآية والادخار الثابت بالحديث فتقسم الأضحية عليها أثلاثاً ؛ وقال بعضهم : لا تحديد فيما يؤكل أو يطعم لإطلاق الآية ، وأوجب الشافعية الإطعام وذهب قوم إلى أن الأكل من الأضحية واجب أيضاً . وتخصيص البائس الفقير بالإطعام لا ينفي جواز إطعام الغني ، وقد يستدل على الجواز بالأمر الأول لإفادته جواز أكل الذابح ومتى جاز أكله وهو غني جاز أن يؤكله غنياً .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

قوله تعالى : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ( 28 ) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ( 29 ) } أي ناد في الناس بالحج يأتوك مشاة وركبانا ليحضروا ( منافع لهم ) ووجوه المنافع التي يحضرونها كثيرة : منها أداء المناسك كعرفات والمشعر الحرام حيث الذكر والتسبيح والتهليل والدعاء في تضرع وتذلل إلى الله عسى أن يستجيب ويكفّر الخطايا والذنوب ، وغير ذلك من وجوه المنفعة كالتجارات والزيارات وقضاء المصالح والحوائج المختلفة مما فيه إرضاء لله ، وتحصيل منافع الدنيا والآخرة .

قوله : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) ويراد بالذكر هنا ، التسمية عند الذبح أو النحر لكل من الهدي أو الأضحية . وهو أن يقول الذابح أو الناحر : باسم الله والله أكبر . أو قوله : ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) الآية . وفي ذلك تنبيه على أن الغرض فيما يتقرب به إلى الله هو ذكر اسمه تعالى وما يقتضيه ذلك من مخالفة المشركين في مثل هذه المسألة ؛ إذ كانوا يذبحون أو ينحرون الأنعام للنصب والأوثان .

أما الأيام المعلومات : فالمراد بها العشر من ذي الحجة . وهو قول أكثر أهل العلم . وقال به ابن عباس واختاره الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة . وفي فضل هذه الأيام العشر روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد "

وقيل : المراد بالأيام المعلومات : ثلاثة أيام . وهي يوم النحر ، ويومان بعده . وهو مذهب مالك . وقيل : يوم عرفة ، ويوم النحر ، ويوم آخر بعده ، وهي رواية عن ابن عباس .

قوله : ( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) أي يذكرون اسم الله وحده على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم .

قوله : ( فكلوا منها ) أي كلوا مما ذكرتم اسم الله عليه من بهيمة الأنعام . والأمر هنا يفيد الندب وليس الوجوب . وهو قول الجمهور . وبذلك يستحب للمرء أن يأكل من هديه أو ضحيته ، وأن يتصدق بمعظمها ويجوز التصدق بالكل . وقيل : يجب الأكل منها استنادا إلى ظاهر الآية ( فكلوا ) والصواب القول بالندب .

وذهب كثير من أهل العلم وفيهم الحنفية إلى أن المضحي يستحب له التصدق بالثلث ، وأن يطعم الثلث ، ويأكل هو وأهله الثلث . أما عند الشافعية فيأكل النصف . ويتصدق بالنصف الآخر ، لقوله : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) فذكر شخصين . وفي قول لهم ثان : يأكل هو وأهله ثلثا . ويتصدق بثلث ، ويطعم ثلثا .

على أن المسافر مخاطب بالأضحية كالمقيم لعموم الخطاب وخالف الإمام أبو حنيفة في ذلك . واستثنى الإمام مالك من المسافرين الحاج بمنى ؛ إذ لم ير عليه أضحية . وروي هذا عن أبي بكر وعمر وجماعة من السلف رضي الله عنهم ؛ لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي . فإذا أراد أن يضحي جعله هديا .

أما حكم الادخار ، ففيه عدة أقوال . أولها : عدم الادخار بعد ثلاثة أيام . وهو مروي عن علي وابن عمر ؛ وذلك لأخبار النهي عن الادخار .

ثانيها : أن النهي عن الادخار منسوخ . وبذلك يذخر إلى أي وقت أحب . وقال به أبو سعيد الخذري .

ثالثها : جواز الأكل من الأضاحي مطلقا .

رابعها : إن كانت بالناس حاجة إلى لحوم الأضاحي فلا يدخر ؛ لأن النهي إنما كانت لعلة وهي قوله ( ص ) : " إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت " والدافة ، قوم قدموا المدينة عند الأضحى فنهاهن عن ادخار لحوم الأضاحي ليتصدقوا بها فينتفع بها هؤلاء .

قوله : ( وأطعموا البائس الفقير ) ( البائس ) من البؤس وهو الشدة ، والحاجة{[3102]} ، والبائس من أصابه بؤس أي شدة . أو هو الذي أصابه ضرّ الحاجة والجوع . و ( الفقير ) ، هو الذي لا شيء له . وقيل : المتعفف .


[3102]:- مختار الصحاح ص 39.