{ لّيَشْهَدُواْ } متعلق ب { يأتوك } [ الحج : 27 ] ، وجوز أبو البقاء تعلقه ب { أذن } [ الحج : 27 ] أي ليحضروا { منافع } عظيمة الخطر كثيرة العدد فتنكيرها وإن لم يكن فيها تنوين للتعظيم والتكثير . ويجوز أن يكون للتنويع أي نوعاً من المنافع الدينية والدنيوية ، وتعميم المنافع بحيث تشمل النوعين مما ذهب إليه جمع وروى ذلك عن ابن عباس ، فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال في الآية : منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة فأما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى وأما منافع الدنيا فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم والذبائح والتجارات ، وخص مجاهد منافع الدنيا بالتجارة فهي جائزة للحاج من غير كراهة إذا لم تكن هي المقصودة من السفر . واعترض بأن نداءهم ودعوتهم لذلك مستبعد ، وفيه نظر ، على أنه إنما يتأتى على ما جوزه أبو البقاء ، وعن الباقر رضي الله تعالى عنه تخصيص المنافع بالأخروية ، وفي رواية عن ابن عباس تخصيصها بالدنيوية والتعميم أولى .
{ لَهُمْ } في موضع الصفة لمنافع أي منافع كائنة لهم { وَيَذْكُرُواْ اسم الله } عند النحر { فِي أَيَّامٍ معلومات } أي مخصوصات وهي أيام النحر كما ذهب إليه جماعة منهم أبو يوسف . ومحمد عليهما الرحمة . وعدتها ثلاثة أيام يوم العيد ويومان بعده عندنا ، وعند الثوري . وسعيد بن جبير . وسعيد بن المسيب لما روى عن عمر . وعلي . وابن عمر وابن عباس . وأنس . وأبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنهم قالوا : أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها ، وقد قالوه سماعاً لأن الرأي لا يهتدي إلى المقادير ، وفي الأخبار التي يعول عليها تعارض فأخذنا بالمتيقن وهو الأقل ، وقال الشافعي . والحسن . وعطاء : أربعة أيام يوم العيد وثلاثة بعده لقوله صلى الله عليه وسلم : «أيام التشريق كلها أيام ذبح » وعند النخعي وقت النحر يومان ، وعند ابن سيرين يوم واحد ، وعند أبي سلمة . وسلميان بن يسار الأضحى إلى هلال المحرم ولم نجد في ذلك مستنداً يعول عليه . واستدل بذكر الأيام على أن الذبح لا يجوز ليلاً ، قال أبو حيان : وهو مذهب مالك وأصحاب الرأي انتهى . والمذكور في كتب الأصحاب أنه يجوز الذبح ليلاً إلا أنه يكره لاحتمال الغلط في ظلمة الليل .
وأما الاستدلال على عدم الجواز بذكر الأيام فكما ترى ، وقيل الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وإليه ذهب أبو حنيفة عليه الرحمة وروى عن ابن عباس . والحسن . وإبراهيم . وقتادة ؛ ولعل المراد بذكر اسمه تعالى على هذا ما قيل حمده وشكره عز وجل ؛ وعلى الأول قول الذابح : بسم الله والله أكبر على ما روى عن قتادة ، وذكر أنه يقال مع ذلك : اللهم منك ولك عن فلان ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قول آخر .
ورجح كونه بمعنى الشكر بأنه أوفق بقوله تعالى : { على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام } .
واختار الزمخشري أن الذكر على بهيمة الأنعام أو مطلقاً على ما يقتضيه ظاهر كلام بعضهم كناية عن النحر ، وذكر أنه دل بذلك على المقصود الأصلي من النحر وما يميزه عن العادات . وأومأ فيه إلى أن الأعمال الحجية كلها شرعت للذكر . وأنه قيل : { على مَا رَزَقَهُمْ } إلى آخره تشويقاً في التقرب ببهيمة الأنعام المراد بها الإبل والبقر والضأن والمعز إلى الرازق وتهويناً عليهم في الانفاق مع ما في ذلك من الإجمال والتفسير ، وظرفية الأيام المعلومات على القول بأنها عشر ذي الحجة للنحر باعتبار أن يوم النحر منها ، وقد يقال مثل ذلك على تقدير إبقاء الذكر على ما يتبادر منه { فَكُلُواْ مِنْهَا } التفات إلى الخطاب والفاء فصيحة أي فاذكروا اسم الله تعالى على ضحاياكم فكلوا من لحومها ، والأمر للإباحة بناء على أن الأكل كان منهياً عنه شرعاً . وقد قالوا : إن الأمر بعد المنع يقتضي الإباحة ، ويدل على سبق النهي قوله صلى الله عليه وسلم : «كنت نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي فكلوا منها وادخروا » وقيل لأن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون فيه أو للندب على مواساة الفقراء ومساواتهم في الأكل منها ، وهذا على ما قال الخفاجي مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه .
{ وَأَطْعِمُواْ البائس } أي الذي أصابه بؤس أي شدة ، وعن مجاهد . وعكرمة تفسيره بالذي يمد كفيه إلى النار يسأل { الفقير } أي المحتاج ، والأمر للندب عند الإمام على ما ذكره الخفاجي أيضاً ، ويستحب كما في الهداية أن لا ينقص ما يطعم عن الثلث لأن الجهات الأكل والإطعام الثابتان بالآية والادخار الثابت بالحديث فتقسم الأضحية عليها أثلاثاً ؛ وقال بعضهم : لا تحديد فيما يؤكل أو يطعم لإطلاق الآية ، وأوجب الشافعية الإطعام وذهب قوم إلى أن الأكل من الأضحية واجب أيضاً . وتخصيص البائس الفقير بالإطعام لا ينفي جواز إطعام الغني ، وقد يستدل على الجواز بالأمر الأول لإفادته جواز أكل الذابح ومتى جاز أكله وهو غني جاز أن يؤكله غنياً .
قوله تعالى : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ( 28 ) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ( 29 ) } أي ناد في الناس بالحج يأتوك مشاة وركبانا ليحضروا ( منافع لهم ) ووجوه المنافع التي يحضرونها كثيرة : منها أداء المناسك كعرفات والمشعر الحرام حيث الذكر والتسبيح والتهليل والدعاء في تضرع وتذلل إلى الله عسى أن يستجيب ويكفّر الخطايا والذنوب ، وغير ذلك من وجوه المنفعة كالتجارات والزيارات وقضاء المصالح والحوائج المختلفة مما فيه إرضاء لله ، وتحصيل منافع الدنيا والآخرة .
قوله : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) ويراد بالذكر هنا ، التسمية عند الذبح أو النحر لكل من الهدي أو الأضحية . وهو أن يقول الذابح أو الناحر : باسم الله والله أكبر . أو قوله : ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) الآية . وفي ذلك تنبيه على أن الغرض فيما يتقرب به إلى الله هو ذكر اسمه تعالى وما يقتضيه ذلك من مخالفة المشركين في مثل هذه المسألة ؛ إذ كانوا يذبحون أو ينحرون الأنعام للنصب والأوثان .
أما الأيام المعلومات : فالمراد بها العشر من ذي الحجة . وهو قول أكثر أهل العلم . وقال به ابن عباس واختاره الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة . وفي فضل هذه الأيام العشر روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد "
وقيل : المراد بالأيام المعلومات : ثلاثة أيام . وهي يوم النحر ، ويومان بعده . وهو مذهب مالك . وقيل : يوم عرفة ، ويوم النحر ، ويوم آخر بعده ، وهي رواية عن ابن عباس .
قوله : ( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) أي يذكرون اسم الله وحده على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم .
قوله : ( فكلوا منها ) أي كلوا مما ذكرتم اسم الله عليه من بهيمة الأنعام . والأمر هنا يفيد الندب وليس الوجوب . وهو قول الجمهور . وبذلك يستحب للمرء أن يأكل من هديه أو ضحيته ، وأن يتصدق بمعظمها ويجوز التصدق بالكل . وقيل : يجب الأكل منها استنادا إلى ظاهر الآية ( فكلوا ) والصواب القول بالندب .
وذهب كثير من أهل العلم وفيهم الحنفية إلى أن المضحي يستحب له التصدق بالثلث ، وأن يطعم الثلث ، ويأكل هو وأهله الثلث . أما عند الشافعية فيأكل النصف . ويتصدق بالنصف الآخر ، لقوله : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) فذكر شخصين . وفي قول لهم ثان : يأكل هو وأهله ثلثا . ويتصدق بثلث ، ويطعم ثلثا .
على أن المسافر مخاطب بالأضحية كالمقيم لعموم الخطاب وخالف الإمام أبو حنيفة في ذلك . واستثنى الإمام مالك من المسافرين الحاج بمنى ؛ إذ لم ير عليه أضحية . وروي هذا عن أبي بكر وعمر وجماعة من السلف رضي الله عنهم ؛ لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي . فإذا أراد أن يضحي جعله هديا .
أما حكم الادخار ، ففيه عدة أقوال . أولها : عدم الادخار بعد ثلاثة أيام . وهو مروي عن علي وابن عمر ؛ وذلك لأخبار النهي عن الادخار .
ثانيها : أن النهي عن الادخار منسوخ . وبذلك يذخر إلى أي وقت أحب . وقال به أبو سعيد الخذري .
ثالثها : جواز الأكل من الأضاحي مطلقا .
رابعها : إن كانت بالناس حاجة إلى لحوم الأضاحي فلا يدخر ؛ لأن النهي إنما كانت لعلة وهي قوله ( ص ) : " إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت " والدافة ، قوم قدموا المدينة عند الأضحى فنهاهن عن ادخار لحوم الأضاحي ليتصدقوا بها فينتفع بها هؤلاء .
قوله : ( وأطعموا البائس الفقير ) ( البائس ) من البؤس وهو الشدة ، والحاجة{[3102]} ، والبائس من أصابه بؤس أي شدة . أو هو الذي أصابه ضرّ الحاجة والجوع . و ( الفقير ) ، هو الذي لا شيء له . وقيل : المتعفف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.