{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } شروع في بيان الشرائع المتعلقة لما يجري بينهم وبين غيرهم إثر ( بيان ) ما يتعلق بأنفسهم { كُونُواْ قوامين لِلَّهِ } أي كثيري القيام له بحقوقه اللازمة ، وقيل : أي ليكن من عادتكم القيام بالحق في أنفسكم بالعمل الصالح ، وفي غيركم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ابتغاء مرضاة الله تعالى { شُهَدَاء بالقسط } أي بالعدل ، وقيل : دعاة لله تعالى مبينين عن دينه بالحجج الحقة { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } أي لا يحملنكم { عَلَيْهِ قَوْمٌ } أي شدة بغضكم لهم { عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } فلا تشهدوا في حقوقهم بالعدل ، أو فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل { اعدلوا } أيها المؤمنون في أوليائكم وأعدائكم ، واقتصر بعضهم على الأعداء بناءاً على ما روي أنه لما فتحت مكة كلف الله تعالى المسلمين بهذه الآية أن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم ، وأن يعدلوا في القول والفعل { هُوَ } راجع إلى العدل الذي تضمنه الفعل ، وهو إما مطلق العدل فيندرج فيه العدل( {[265]} ) الذي أشار إليه سبب النزول ، وإما العدل مع الكفار { أَقْرَبُ للتقوى } أي أدخل في مناسبتها لأن التقوى نهاية الطاعة وهو أنسب الطاعات بها ، فالقرب بينهما على هذا مناسبة الطاعة للطاعة ، ويحتمل أن يكون أقربيته على التقوى باعتبار أنه لطف فيها فهي مناسبة إفضاء السبب إلى المسبب وهو بمنزلة الجزء الأخير من العلة ، واللام مثلها في قولك : هو قريب لزيد للاختصاص لا مكملة فإنه بمن أو إلى . وتكلف الراغب في توجيه الآية فقال : فإن قيل : كيف ذكر سبحانه { أَقْرَبُ للتقوى } ، وأفعل إنما يقال في شيئين اشتركا في أمر واحد لأحدهما مزية وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا وهو من العدالة ؟ قيل : إن أفعل وإن كان كما ذكرت فقد يستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء في نفسه قطعاً لكلامه وإظهاراً لتبكيته فيقال لمن اعتقد مثلاً في زيد فضلاً وإن لم يكن فيه فضل ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمراً أفضل منه : اخدم عمراً فهو أفضل من زيد ، وعلى ذلك جاء قوله تعالى : { ءالله خَيْرٌ * أَمَّا يُشْرِكُونَ } [ النمل : 59 ] وقد علم أن لا خير فيما يشركون .
والجملة في موضع التعليل للأمر بالعدل ، وصرح لهم به تأكيداً وتشديداً ، وأمر سبحانه بالتقوى بقوله جل وعلا : { واتقوا الله } إثر ما بين أن العدل أقرب لها اعتناءاً بشأنها وتنبيهاً على أنها ملاك الأمر كله { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الأعمال فيجازيكم بذلك ، وقد تقدم نظير هذه الآية في النساء ( 135 ) ، ولم يكتف بذلك لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ ، وقيل : لاختلاف السبب ، فإن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود ، وذكر بعض المحققين وجهاً لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا ، وهو أن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة ، والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ فيها بالقيام لله تعالى لأنه أردع للمؤمنين ، ثم ثنى بالشهادة بالعدل فجىء في كل معرض بما يناسبه .
قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هم أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } .
سبب نزول هذه الآية أنه لما فتح المسلمون مكة أمرهم الله أن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم من مكروه وعدوان ، بل أن يعاملوهم بالعدل والإحسان في القول والفعل{[915]} .
وقوله : { كونوا قوامين } أي كثيري القيام بحقوق الله عليكم تعظيما لشأنه وإقرارا بربوبيته وإظهارا لعبوديته . ومما يقتضيه ذلك تأدية الشهادة على وجهها الحق من غير زيغ ولا ميل ولا محاباة في كل الأحوال والظروف . وهو قوله : { بالقسط } أي العدل . وذلكم هو خلق المسلم إذ يقضي بين الناس فلا يضل أو يميل ولا يحابي أو يداهن لأيما اعتبار من الاعتبارات الشخصية وإنما يقضي أو يشهد بالحق .
قوله : { ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا } أي لا يحملنكم بغضكم لقوم كان بينكم وبينهم عداوة – أن تحيفوا عليهم أو تميلوا عن العدل فتظلموهم وتجوروا في معاملتهم في القول أو الفعل . ما كان ذلك ليفعله المسلمون الأتقياء الأوفياء الذين ديدنهم أن لا يزيغوا عن صراط الله المستقيم وعن الحكم أو الشهادة بالعدل .
ما كان المسلمون الأتقياء الأوفياء ليزيغوا عن طريق العدل فيحيفوا على غيرهم لكونهم مشركين أو لما أنزلوه في ساحة المسلمين من جرائم ومظالم . إن المسلمين الأتقياء يخشون الله تمام الخشية فلا يعصونه فيما أمرهم به ليبادروا بأداء الشهادة على وجهها القويم الحق . فلا يصدنهم عن ذلك عداوة لقوم أو أحد ، ولا يزيغن بهم عن مقالة الصدق والعدل حافز من حوافز الهوى الظالم الذي تصطنعه المصالح الشخصية أو علائق الدم والقربى أو غير ذلك من الأهواء والاعتبارات المرفوضة .
وقوله : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ذلك تكرير مؤثر يؤكد على مداومة العدل في كل الأحوال . ولا جرم أن ذلك خلق المسلمين الأتقياء الأوفياء الذين يخافون الله فلا يعصونه فيما أمر أو نهى وزجر .
قوله : { واتقوا الله إن الله خبير بما تعلمون } ذلك تأكيد آخر على التزام التقوى ، وهي جماع الخير كله . فالتقوى تنشر في أطواء النفس حب الله والخوف منه فما يكون أحد ولا كائن ولا محبوب أشد حبا للمؤمن من الله ولا أعظم مخوفا له منه سبحانه . وهو سبحانه يعلم ما يكتسبه الناس من خير أو شر ، ويعلم ما يختلج في نفوسهم من أسرار ونوايا فقال سبحانه : { إن الله خبير بما تعلمون } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.