{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } شروع في بيان المحرمات التي أشير إليها بقوله سبحانه : { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } [ المائدة : ا ] والمراد تحريم أكل الميتة ، هي ما فارقه الروح حتف أنفه من غير سبب خارج عنه { والدم } أي المسفوح منه وكان أهل الجاهلية يجعلونه في المباعر ويشوونه ويأكلونه ، وأما الدم غير المسفوح كالكبد فمباح ، وأما الطحال فالأكثرون على إباحته ، وأجمعت الإمامية على حرمته ، ورويت الكراهة فيه عن علي كرم الله تعالى وجهه . وابن مسعود رضي الله تعالى عنه { وَلَحْمَ الخنزير } إقحام اللحم لما مر ، وأخذ داود . وأصحابه بظاهره فحرموا اللحم وأباحوا غيره ، وظاهر العطف أنه حرام حرمة غيره ، وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة أنه قال : «من أكل لحم الخنزير عرضت عليه التوبة فإن تاب وإلا قتل » وهو غيرب ، ولعل ذلك لأن أكله صار اليوم من علامات الكفر كلبس الزنار ، وفيه تأمل { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } أي رفع الصوت لغير الله تعالى عند ذبحه ، والمراد بالاهلال هنا ذكر ما يذبح له كاللات . والعزى { والمنخنقة } قال السدى : هي التي يدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق فتموت ، وقال الضحاك . وقتادة : هي التي تختنق بحبل الصائد فتموت .
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كان أهل الجاهلية يخنقون البهيمة ويأكلونها فحرم ذلك على المؤمنين ، والأولى أن تحمل على التي ماتت بالخنق مطلقاً { والموقوذة } أي التي تضرب حتى تموت ، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وقتادة . والسدى ، وهو من وقذته بمعنى ضربته ، وأصله أن تضربه حتى يسترخي ، ومنه وقذه النعاس أي غلب عليه { والمتردية } أي التي تقع من مكان عال أو في بئر فتموت { والنطيحة } أي التي ينطحها غيرها فتموت ، وتاؤها للنقل فلا يرد أن فعيل بمعنى مفعول لا يدخله التاء ، وقال بعض الكوفيين : إن ذلك حيث ذكر الموصوف مثل كف خضيب . وعين كحيل وأما إذا حذف فيجوز دخول التاء فيه ، ولا حاجة إلى القول بأنها للنقل ، وقرىء والمنطوحة { وَمَا أَكَلَ السبع } أي ما أكل منه السبع فمات ؛ وفسر بذلك لأن ما أكله كله لا يتعلق به حكم ولا يصح أن يستثنى منه قوله تعالى : { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } أي إلا ما أدركتموه وفيه بقية حياة يضطرب اضطراب المذبوح وذكيتموه ، وعن السيدين السندين الباقر . والصادق رضي الله تعالى عنهما أن أدنى ما يدرك به الذكاة أن يدركه وهو يحرك الأذن . أو الذنب . أو الجفن ، وبه قال الحسن . وقتادة . وإبراهيم . وطاوس . والضحاك . وابن زيد ، وقال بعضهم : يشترط الحياة المستقرة وهي التي لا تكون على شرف الزوال وعلامتها على ما قيل : أن يضطرب بعد الذبح لا وقته ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه .
وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الاستثناء راجع إلى جميع ما تقدم ذكره من المحرمات سوى ما لا يقبل الذكاة من الميتة . والدم . والخنزير . وما أكل السبع على تقدير إبقائه على ظاهره ، وقيل : هو استثناء من التحريم لا من المحرمات ، والمعنى حرم عليكم سائر ما ذكر لكن ما ذكيتم مما أحله الله تعالى بالتذكية فإنه حلال لكم .
وروي ذلك عن مالك . وجماعة من أهل المدينة ، واختاره الجبائي ، والتذكية في الشرع قطع الحلقوم والمريء بمحدد ، والتفصيل في الفقه ، واستدل بالآية على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما صادته لم يحل .
وقرأ الحسن : { السبع } بسكون الباء ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأكيل السبع .
{ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } جمع نصاب كحمر . وحمار ، وقيل : واحد الأنصاب كطنب وأطناب ، واختلف فيها فقيل هي حجارة كانت حول الكعبة وكانت ثلثمائة وستين حجراً ، وكان أهل الجاهلية يذبحون عليها فعلى على أصلها ، ولعل ذبحهم عليها كان علامة لكونه لغير الله تعالى ؛ وقيل : هي الأصنام لأنها تنصب فتعبد من دون الله تعالى ، و { على } إما بمعنى اللام ، أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأصنام .
واعترض بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله سبحانه : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } والأمر في ذلك هين ، والموصول معطوف على المحرمات ، وقرىء { النصب } بضم النون وتسكين الصاد تخفيفاً ، وقرىء بفتحتين ، وبفتح فسكون { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ } جمع زلم كجمل أو زلم كصرد وهو القدح ، أي وحرم عليكم الاستقسام بالاقداح وذلك أنهم كما روي عن الحسن . وغيره إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح ، مكتوب على أحدها أمرني ربي ، وعلى الثاني نهاني ربي . وأبقوا الثالث غفلاً لم يكتب عليه شيء فإن خرج الآمر مضوا لحاجتهم ، وإن خرج الناهي تجنبوا ، وإن خرج الغفل أجالوها ثانياً ، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم بالأزلام ، واستشكل تحريم ما ذكر بأنه من جملة التفاؤل ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل .
وأجيب بأنه كان استشارة مع الأصنام واستعانة منهم كما يشير إلى ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أنهم إذا أرادوا ذلك أتوا بيت أصنامهم وفعلوا ما فعلوا فلهذا صار حراماً ، وقيل : لأن فيه افتراء على الله تعالى إن أريد بربي الله تعالى ، وجهالة وشركاً إن أريد به الصنم ، وقيل : لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به ، واعترض بأنا لا نسلم أن الدخول في علم الغيب حرام ، ومعنى استئثار الله تعالى بعلم الغيب انه لا يعلم إلا منه ، ولهذا صار استعلام الخير والشر من المنجمين والكهنة ممنوعاً حراماً بخلاف الاستخارة من القرآن فإنه استعلام من الله تعالى ، ولهذا أطبقوا على جوازها .
ومن ينظر في ترتيب المقدمات أو يرتاض فهو لا يطلب إلا علم الغيب منه سبحانه فلو كان طلب علم الغيب حراماً لا نسد طريق الفكر والرياضة ، ولا قائل به .
وقال الإمام رحمه الله تعالى : لو لم يجز طلب علم الغيب لزم أن يكون علم التعبير كفراً لأنه طلب للغيب ، وأن يكون أصحاب الكرامات المدعون للالهامات كفاراً ، ومعلوم أن كل ذلك باطل ، وتعقب القول بجواز الاستخارة بالقرآن بأنه لم ينقل فعلها عن السلف ، وقد قيل : إن الإمام مالكاً كرهها . وأما ما في فتاوي الصوفية نقلاً عن الزندوستي من أنه لا بأس بها وأنه قد فعلها علي كرم الله تعالى وجهه . ومعاذ رضي الله تعالى عنه .
/ وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : من أراد أن يتفاءل بكتاب الله تعالى فليقرأ { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] سبع مرات ، وليقل ثلاث مرات : اللهم بكتابك تفاءلت ، وعليك توكلت ، اللهم أرني في كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك ، ثم يتفاءل بأول الصحيفة ففي النفس منه شيء .
وفي كتاب الأحكام للجصاص أن الآية تدل على بطلان القرعة في عتق العبيد لأنها في معنى ذلك بعينه إذا كان فيها إثبات ما أخرجته القرعة من غير استحقاق كما إذا أعتق أحد عبيده عند موته على ما بين في الفقه ، ولا يرد أن القرعة في جازت في قسمة الغنائم مثلاً ، وفي إخراج النساء لأنا نقول : إنها فيما ذكر لتطييب النفوس والبراءة من التهمة في إيثار البعض ولو اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعة ، وأما الحرية الواقعة على واحد من العبيد فيما نحن فيه فغير جائز نقلها عنه إلى غيره ، وفي استعمال القرعة النقل ، وخالف الشافعي في ذلك ، فجوز القرعة في العتق كما جوزها في غيره ، وظواهر الأدلة معه وتحقيق ذلك في موضعه .
والحق عندي أن الاستقسام الذي كان يفعله أهل الجاهلية حرام بلا شبهة كما هو نص الكتاب ، وأن حرمته ناشئة من سوء الاعتقاد ، وأنه لا يخلو عن تشاؤم ، وليس بتفاؤل محض ، وإن مثل ذلك ليس من الدخول في علم الغيب أصلاً بل هو من باب الدخول في الظن ، وأن الاستخارة بالقرآن مما لم يرد فيها شيء يعول عليه عن الصدر الأول ، وتركها أحب إلي لا سيما وقد أغنى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها بما سن من الاستخارة الثابتة في غير ما خبر صحيح ، وأن تصديق المنجمين فيما ليس من جنس الخسوف والكسوف مما يخبرون به من الحوادث المستقبلة محظور وليس من علم الغيب ولا دخولاً فيه ، وإن زعمه الزجاج لبنائه على الأسباب ، ونقل الشيخ محيي الدين النووي في «شرح مسلم » عن القاضي كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب .
أحدها : أن يكون للإنسان رئي من الجن يخبره به بما يسترقه من السمع من السماء ، وهذا القسم بطل من حين بعث الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم الثاني : أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد ، وهذا لا يبعد وجوده ، ونفت المعتزلة . وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما ، ولا استحالة في ذلك ولا بعد في وجوده لكنهم يصدقون ويكذبون ، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام ، الثالث : المنجمون وهذا الضرب بخلق الله تعالى في بعض الناس قوة مّا لكن الكذب فيه أغلب ، ومن هذا الفن العرافة فصاحبها عرّاف وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها كالزجر . والطرق بالحصى وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة ، وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم انتهى .
ولعل النهي عن ذلك لغلبة الكذب في كلامهم ولأن في تصديقهم فتح باب يوصل إلى لظى إذ قد يجر إلى تعطيل الشريعة والطعن فيها لا سيما من العوام ، واستثناء ما هو من جنس الكسوف والخسوف لندرة خطئهم فيه بل لعدمه إذا أمكنوا الحساب ، ولا كذلك ما يخبرون به من الحوادث إذ قد بنوا ذلك على أوضاع السيارات بعضها مع بعض ، أو مع بعض الثوابت ولا شك أن ذلك لا يكفي في الغرض والوقوف على جميع الأوضاع ، وما تقتضيه مما يتعذر الوقوف عليه لغير علام الغيوب فليفهم ، وقيل : المراد بالاستقسام استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة أي طلب قسم من الجزور أو ما قسمه الله تعالى له منه ، وهذا هو الميسر وقد تقدم بيانه ، وروى ذلك علي بن إبراهيم عن الأئمة الصادقين رضي الله تعالى عنهم ، ورجح بأنه يناسب ذكره مع محرمات الطعام ، وروي عن مجاهد أنه فسر الأزلام بسهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها .
/ وعن وكيع أنها أحجار الشطرنج { ذلكم } أي الاستقسام بالأزلام ، ومعنى البعد فيه الإشارة إلى بعد منزلته في الشر { فِسْقٌ } أي ذنب عظيم وخروج عن طاعة الله تعالى إلى معصيته لما أشرنا إليه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن { ذلكم } إشارة إلى تناول جميع ما تقدم من المحرمات المعلوم من السياق { اليوم } أي الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الآتية ، وقيل : يوم نزول الآية ، وروي ذلك عن ابن جريج . ومجاهد . وابن زيد ، وكان كما رواه الشيخان عن عمر رضي الله تعالى عنه عصر يوم الجمعة عرفة حجة الوداع ، وقيل : يوم دخوله صلى الله عليه وسلم مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع ، وقيل : سنة ثمان ، وهو منصوب على الظرفية بقوله تعالى : { يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } والياس انقطاع الرجاء وهو ضد الطمع .
والمراد انقطع رجاؤهم من إبطال دينكم ورجوعكم عنه بتحليل هذه الخبائث وغيرها ، أو من أن يعلبوكم عليه لما شاهدوا أن الله تعالى وفي بوعده حيث أظهره على الدين كله .
وروي أنه لما نزلت الآية نظر صلى الله عليه وسلم في الموقف فلم ير إلا مسلماً ، ورجح هذا الاحتمال بأنه الأنسب بقوله سبحانه : { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } أن يظهروا عليكم وهو متفرع عن اليأس { واخشون } أن أحل بكم عقابي إن خالفتم أمري وارتكبتم معصيتي { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } بالنصر والإظهار لأنهم بذلك يجرون أحكام الدين من غير مانع وبه تمامه ، وهذا كما تقول : تم لي الملك إذا كفيت ما تخافه ، وإلى ذلك ذهب الزجاج ، وعن ابن عباس . والسدى أن المعنى اليوم أكملت لكم حدودي . وفرائضي . وحلالي . وحرامي بتنزيل ما أنزلت . وبيان ما بينت لكم فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم ، وكان يوم عرفة عام حجة الوداع ، واختاره الجبائي . والبلخي . وغيرهما ، وادعوا أنه لم ينزل بعد ذلك شيء من الفرائض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحليل ولا تحريم ، وأنه عليه الصلاة والسلام لم يلبث بعد سوى أحد وثمانين يوماً ، ومضى روحي فداه إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم .
وفهم عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع الآية نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عنترة «أن عمر رضي الله تعالى عنه لما نزلت الآية بكى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك ؟ قال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص فقال عليه الصلاة والسلام : صدقت » ولا يحتج بها على هذا القول على إبطال القياس كما زعم بعضهم لأن المراد إكمال الدين نفسه بيان ما يلزم بيانه ، ويستنبط منه غيره والتنصيص على قواعد العقائد ، والتوقيف على أصول الشرع وقوانين الاجتهاد ، وروي عن سعيد بن جبير . وقتادة أن المعنى { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ } حجكم وأقررتكم بالبلد الحرام تحجونه دون المشركين واختاره الطبري وقال : يرد على ما روي عن ابن عباس . والسدي رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى أنزل بعد ذلك آية الكلالة وهي آخر آية نزلت ، واعترض بالمنع ، وتقديم الجار للإيذان من أول الأمر بأن الإكمال لمنفعتهم ومصلحتهم ، وفيه أيضاً تشويق إلى ذكر المؤخر كما في قوله تعالى : { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } وليس الجار فيه متعلقاً بنعمتي لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله ، وقيل : متعلق به ولا بأس بتقدم معمول المصدر إذا كان ظرفاً ، وإتمام النعمة على المخاطبين بفتح مكة ، ودخولها آمنين ظاهرين ، وهدم منار الجاهلية ومناسكها ، والنهي عن حج المشركين وطواف العريان ، وقيل : بإتمام الهداية والتوفيق باتمام سببهما ، وقيل : بإكمال الدين ، وقيل : بإعطائهم من العلم والحكمة ما لم يعطه أحداً قبلهم ، وقيل : معنى { أَتْمَمْتَ * عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } أنجزت لكم وعدي بقوله سبحانه : { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } { وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً } أي اخترته لكم من بين الأديان ، وهو الدين عند الله تعالى لا غير وهو المقبول وعليه المدار .
وأخرج ابن جبير عن قتادة قال : «ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة ، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخير حتى يجيء الإسلام فيقول : رب أنت السلام وأنا الإسلام ، فيقول : إياك اليوم أقبل وبك اليوم أجزي » وقد نظر في الرضا معنى الاختيار ولذي عدى باللام ، ومنهم من جعل الجار صفة لدين قدم عليه فانتصب حالا ، و { الإسلام } و { دِينًا } مفعولاً { *رضيت } إن ضمن معنى صير ، أو { الإسلام دِينًا } منصوب على الحالية من الإسلام ، أو تميين من { لَكُمْ } والجملة على ما ذهب إليه الكرخي مستأنفة لا معطوفة على { أَكْمَلْتُ } وإلا كان مفهوم ذلك أنه لم يرضى لهم الإسلام قبل ذلك اليوم ديناً ، وليس كذلك إذ الإسلام لم يزل ديناً مرضياً لله تعالى . وللنبي صلى الله عليه وسلم . وأصحابه رضي الله تعالى عنهم منذ شرع . والجمهور على العطف ، وأجيب عن التقييد بأن المراد برضاه سبحانه حكمه جل وعلا باختياره حكماً أبدياً لا ينسخ وهو كان في ذلك اليوم ، وأخرج الشيعة عن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه في غدير خم : من كنت مولاه فعلى مولاه فلما نزلت قال عليه الصلاة والسلام : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضاء الرب برسالتي وولاية علي كرم الله تعالى وجهه بعدي ، ولا يخفى أن هذا من مفترياتهم ، وركاكة الخبر شاهدة على ذلك في مبتدأ الأمر ، نعم ثبت عندنا أنه صلى الله عليه وسلم قال في حق الأمير كرم الله تعالى وجهه هناك : من كنت مولاه فعلى مولاه وزاد على ذلك كما في بعض الروايات لكن لا دلالة في الجميع على ما يدعونه من الإمامة الكبرى والزعامة العظمى كما سيأتي إن شاء الله تعالى غير بعيد .
وقد بسطنا الكلام عليه في كتابنا النفحات القدسية في رد الإمامية ولم يتم إلى الآن ونسأل الله تعالى إتمامه ، ورواياتهم في هذا الفصل ينادي لفظها على وضعها ، وقد أكثر منها يوسف إلا والى عليه ما عليه { فَمَنِ اضطر } متصل بذكر المحرمات وما بينهما ، وهو سبع جمل على ما قال الطيبي اعتراض بما يوجب التجنب عنها ، وهو أن تناولها فسق عظيم ، وحرمتها في جملة الدين الكامل .
والنعمة التامة . والإسلام المرضى ، والاضطرار الوقوع في الضرورة ، أي فمن وقع في ضرورة تناول شيء من هذه المحرمات { فِى مَخْمَصَةٍ } أي مجاعة تخمص لها البطون أن تضمر يخاف معها الموت أو مباديه { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } أي غير مائل ومنحرف إليه ومختار له بأن يأكل منها زائداً على ما يمسك رمقه ، فإن ذلك حرام كما روي عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة رضي الله تعالى عنهم وبه قال أهل العراق ، وقال أهل المدينة : يجوز أن يشبع عند الضرورة ، وقيل : المراد غير عاص بأن يكون باغياً ، أو عادياً بأن ينتزعها من مضطر آخر أو خارجاً في معصيته ، وروي هذا أيضاً عن قتادة { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لا يؤاخذه بأكله وهو الجواب في الحقيقة ، وقد أقيم سببه مقامه ، وقيل : إنه مقدر في الكلام .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } وهي خمود الشهوة بالكلية فإنه رذيلة التفريط المنافية للعفة { والدم } وهو التمتع بهوى النفس { وَلَحْمَ الخنزير } أي وسائر وجوه التمتعات بالحرص والشره وقلة الغيرة { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } من الأعمال التي فعلت رياءاً وسمعة { والمنخنقة } وهي الأفعال الحسنة صورة مع كمون الهوى فيها ، { والموقوذة } وهي الأفعال التي أجبر عليها الهوى ( والمتردية ) وهي الأفعال المائلة إلى التفريط والنقصان ( والنطيحة ) وهي الأفعال التي تصدر خوف الفضيحة وزجر المحتسب مثلاً { وَمَا أَكَلَ السبع } وهي الأفعال التي هي من ملائمات القوة الغضبية من الأنفة والحمية النفسانية { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } من الأفعال الحسنة التي تصدر بإرادة قلبية لم يمازجها ما يشينها { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } وهو ما يفعله أبناء العادات لا لغرض عقلي أو شرعي { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالازلام } بأن تطلبوا السعادة والكمال بالحظوظ والطوالع وتتركوا العمل وتقولوا : لو كان مقدراً لنا لعملنا فإنه ربما كان القدر معلقاً بالسعي { ذلكم فِسْقٌ } خروج عن الدين الحق لأن فيه الأمر والنهي ، والإتكال على المقدر بجعلهما عبثاً { اليوم } وهو وقت حصول الكمال { يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } بأن يصدّوكم عن طريق الحق { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } فإنهم لا يستولون عليكم بعد { واخشون } لتنالوا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ببيان ما بينت { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } بذلك أو بالهداية إليَّ { وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام } أي الانقياد للانمحاء { دِيناً فَمَنِ اضطر } إلى تناول لذة في { مَخْمَصَةٍ } ، وهي الهيجان الشديد للنفس { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } غير منحرف لرذيلة { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ المائدة : 3 ] فيستر ذلك ويرحم بمدد التوفيق .
قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخصمة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم }
بعد أن أحل الله بهيمة الأنعام استثنى من ذلك جملة محرمات كان أهل الجاهلية يأكلونها ، فنعرض لها في التفصيل الآتي :
أولا : الميتة . وهي البهيمة من الأنعام تموت حتف أنفها . وهذه الميتة يحتبس فيها الدم فتفسد وتتعفن وبذلك يصبح أكلها ضارا . ويستثنى من الميتة السمك فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها . وفي ذلك روى مالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر فقال : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " .
ثانيا : الدم ويراد به المسفوح{[883]} . فقد روي عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال فقال : " كلوه " فقالوا : إنه دم . فقال : " إنما حرم عليكم الدم المسفوح " ومن رواية محمد بن إدريس الشافعي عن ابن عمر مرفوعا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحل لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالسمك والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال " .
ثالثا : لحم الخنزير . فهو كله حرام كله سواء في ذلك أكله أو بيعه وشراؤه أو الانتفاع به . ويستثنى من ذلك شعر الخنزير فإنه يجوز استعماله في الخرازة وهي خياطة الثوب . وما عدا ذلك فحرام كله ، ذلك أن الخنزير نجس العين أصلا . وقيل في اشتقاق الخنزير : إنه من الخزر بالتحريك ، ومعناه ضيق العين وصغرها . والخزيرة : النظر بلحظ العين{[884]} .
رابعا : وما أهل لغير الله به . وذلك من الإهلال وهو رفع الصوت . يقال : أهل فلان بالحج إذا لبى به . أي قال : لبيك اللهم بحج . وكذلك إذا استهل الصبي إذا صرخ . واستهلاله معناه صراخه عند الولادة . فقد كان من عادة الجاهليين أن يقولوا عند الذبح : باسم اللات والعزى . أو غير ذلك من الأصنام ، فحرم الله أكل مثل هذه الذبائح . وعلى هذا فأيما ذبيحة ذكر عليها اسم غير اسم الله سواء كان هذا صنما أو وثنا أو طاغوت من الطواغيت أو غير ذلك من المخلوقات ، فإن هذه الذبيحة حرام أكلها بالإجماع{[885]} .
خامسا : المنخنقة . وهي التي تموت خنقا ، إما قصدا بفعل آدمي ، كعادة الجاهلين كانوا يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها . أو أن تختنق اتفاقا بأن يدخل رأسها بين عمودين في شجرة أو نحوها فتختنق فتموت . ومن جملة ذلك أيضا ما يخنق فيها بحبل الصياد . وغير ذلك من وجوه الاختناق الذي تصير به البهيمة ميتة فيحرم أكلها .
سادسا : الموقوذة . من الوقذ ، وهو شدة الضرب . وشاة وقيذ وموقوذة : قتلت بالخشب{[886]} والمراد بالموقوذة : البهيمة أو الحيوان الذي يضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى يموت . وذلك كما لو ضربه بالعصا أو الخشبة أو الحجر أو نحو ذلك مما ليس له حد فيجرح . فأيما بهيمة تموت ضربا من غير أن يسيل دمها فهي في حكم الميتة .
وقد ورد في الصحيح أن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله ! إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب قال : " إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله " وبذلك قد فرق بين ما أصاب البهيمة بما يخرج كالسهم والسكين والمزراق ونحوه فيحل أكلها ، وما أصاب بعرض الآلة أو الأداة فجعله وقيذا لا يحل . وهو ما لا خلاف فيه .
أما لو أرسل كلبه على صيد فقتله بثقله أو صدمه صدما ولم يجرحه فمات فإنه لا يحل أكله ، لأنه يجري عليه حكم الموقوذة ، إذ لم يرق منه دم . وهو قول الحنفية والحنابلة وبعض الشافعية . وقيل : إنه حلال لعموم قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } وهو أحد القولين للشافعي{[887]} .
سابعا : المتردية . وهي التي تتردى من العلو إلى الأسفل فتموت ، سواء كان التردي من جبل أو سطح دار شاهقة أو في بئر أو حفرة ، ويستوي في ذلك ما لو تردت بنفسها أو رداها غيرها . فالمتردية التي تسقط من موضع مشرف فتموت . وهذا من الميتة ، لأنها ماتت من غير أن يسيل منها الدم .
ويلحق بذلك ما لو أطلق سهمه فأصاب صيدا ، فتردى من أعلى إلى أسفل ، فمات فإنه لا يحل أكله ، لأنه ربما مات بالتردي وليس بالسهم{[888]} .
ثامنا : النطيحة . على وزن فعيلة بمعنى مفعولة . أي منطوحة . وهي الشاة تنطحها أخرى أو غيرها من النواطح فتموت قبل أن تذكى . فالنطيحة التي ماتت من النطح أي بسبب نطح غيرها لها فهي حرام وإن جرحها قرن الناطحة وخرج منها الدم{[889]} .
تاسعا : وما أكل السبع . السبع كل حيوان له ناب ويعدو على الإنسان والدواب ويفترسها كالأسد والنمر والذئب وغيره من ذوات الأنياب المفترسة . وفي الجملة فهو المفترس من الحيوان . والمراد هنا ما أكل منه السبع فمات قبل أن يذكى وفيه حياة ، فهو حرام . فقد كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع بهيمة فقتلها وأكل بعضها أكلوا بقيتها ، فحرمه الله تعالى . وفي الآية لفظ محذوف والتقدير : وما أكل منه السبع . أما ما أدركه أهل البهيمة منها قبل أن تموت فيحل أكله . وهذا مقتضى قوله : { إلا ما ذكيتم } والاسم الموصول في محل نصب على الاستثناء المتصل عند جمهور أهل العلم . وهو راجع على كل ما أدركت ذكاته من المذكورات السابقة باستثناء ما لا يقبل الذكاة من الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به . فيكون العود على المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ، فما أدركوه من كل ذلك وفيه بقية حياة يضطرب المذبوح فذكوه فهو حلال .
على أن أدنى ما يدرك به الذكاة أن يجده وهو يحرك الأذن أو الذنب أو الجفن فإنه يحل أكله بعد تذكيته . وقيل : الاستثناء مختص بقوله : { وما أكل السبع } ولا وجه لهذا الاختصاص . وقيل : الاستثناء منقطع . أي حرمت عليكم هذه الأشياء ، لكن ما ذكيتم فهو غير حرام وهو قول الإمام مالك{[890]} .
وقوله : { ذكيتم } كمن الذكاة . وهي في اللغة بمعنى التمام . فمعنى { ذكيتم } أدركتم ذكاته على التمام . وتذكية الذبيحة مأخوذة من التطيب . فإذا ذبح الحيوان وسال دمه فقد تطيب .
أما ما تقع به الذكاة ، فقد ذهب الجمهور إلى أن كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم فهو مما يصلح أن يذكى به ما عدا السن والعظم فلا يجوز التذكية بهما . على أن كيفية الذكاة موضع خلاف ، فقد قال الإمام مالك : لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين . وقال الإمام الشافعي : تصح الذكاة بقطع الحلقوم والمريء من غير حاجة إلى قطع الودجين . فالواجب عنده لتصح التذكية قطع المريء والحلقوم فقط . أما الإمام أبو حنيفة فالواجب عنده في التذكية هو قطع ثلاثة غير معنية من الأربعة ، فإما الحلقوم والودجان ، وإما المريء والحلقوم وأحد الودجين ، وإما المريء والودجان .
وثمة مسألة وهي الجنين إذا خرج بعد ذكاة أمه ميتا فإنه يحل أكله ، ذلك أن ذكاة الأم ذكاة لجنينها وهو مذهب جمهور العلماء . وقال به مالك والشافعي واستدلوا على ذلك بما أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعلي وعبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ذكاة الجنين ذكاة أمه " . وقالت الحنفية : إذا خرج ميتا بعد ذكاة أمه فهو ميتة لا يحل أكله{[891]} .
عاشرا : وما ذبح على النصب . والنصب حجارة كانت حول الكعبة ، قيل : ثلاثمائة وستون نصبا كانت العرب في الجاهلية يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب ، فنهى الله المؤمنين عن فعل ذلك وحرم عليهم أكل الذبائح التي ذبحت عند النصب حتى لو ذكر عليها اسم الله عند الذبح عند النصب{[892]} . وقيل ، النصب بمعنى الأصنام ، لأنها تنصب فتعبد من دون الله . والراجح أن النصب أحجار كان الجاهليون ينصبونها حول الكعبة ، وكانوا يذبحون عندها للأصنام ، ويلطخونها بالدماء ، ويضعون اللحوم عليها ، وهو نظير القول الأول .
وقوله : { على } فيه وجهان ، أحدهما : أن على بمعنى اللام . أي ما ذبح للنصب ، أو من أجل النصب .
ثانيهما : أنها على أصلها ، والمعنى ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب{[893]} .
قوله : { وأن تستقيموا بالأزلام } الأزلام جمع زلم وهو القدح . أي وحرم عليكم الاستقسام بالأقداح . وذلك أنهم كانوا إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح ، مكتوب على أحدهما : " أمرني ربي " . ومكتوب على الثاني " نهاني ربي " . وأبقوا الثالث غفلا لم يكتب عليه شيء . فإن خرج الآمر مضوا لحاجتهم . وإن خرج الناهي لم يمضوا . وإن خرج الغفل أجالوها مرة ثانية ، والاستقسام بالأزلام معناه : طلب معرفة ما قسم لهم مما لم يقسم لهم وذلك عن طريق الأزلام{[894]} .
وقيل : المراد قداح الميسر وهي عشرة ، سبعة منها فيها حظوظ ، وثلاثة أغفال وكانوا يضربون بها مقامرة لهوا ولعبا . وقيل : الأزلام هي كعاب فارس والروم كانوا يتقامرون بها . وقيل : هي الشطرنج والاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب ، وهو من أكل المال بالباطل وهو حرام . ونظير ذلك كل مقامرة بحمام أو نرد أو شطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما في معنى الأزلام . فهو حرام كله . وهو ضرب من ضروب الكهانة والتشبث بدعوى علم الغيب{[895]} .
وربما قيل : إن هذه الأعمال من باب الفأل . ومثل هذا القول باطل ، فإن الاستقسام بالأزلام على اختلاف صورها وضروبها ليس من الفأل في شيء . وإنما ذلك استشارة مع الأصنام واستعانة بها . ودل على هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم إذا أرادوا ذلك أتوا بيت أصنامهم وفعلوا ما فعلوا ، فلهذا صار حراما .
ومن جهة أخرى فإن الاستقسام بالأزلام فيه افتراء على الله إن أراد المستقسم بقوله " بربي " الله تعالى . أو فيه جهالة وشرك إن أراد المستقيم به الصنم . فكل ذلك حرام وهو ليس من باب الفأل الحسن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه لما تنشرح به النفس وتستبشر ببلوغ المرام .
ومن حميد الخصال حسن الظن بالله سبحانه . وفي الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي " وعكس الفأل الطيرة . والفرق بينهما أن الفأل طريقه حسن الظن بالله ، لكن الطيرة طريقها الاتكال على غير الله .
على أن المؤمنين إذا ترددوا في أمر من أمورهم كان عليهم أن يستخيروا الله ، وذلك أن يعبدوه ويسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه . وفي هذا روى أحمد والبخاري وأهل السنن عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى اله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن ويقول : " إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر – ويسميه باسمه – خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال – عاجل أمري وآجله – فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه . اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه واصرفه عني ، واقدر لي الخير حيث كنت ثم رضني به " .
قوله : { ذلكم فسق } اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ ، وخبره فسق . والإشارة هنا إلى الاستقسام بالأزلام . وقيل : إلى جميع ما تقدم من المحرمات ، فإن ذلك كله { فسق } أي خروج عن طاعة الله إلى معصيته ، أو خروج من الحلال إلى الحرام{[896]} .
قوله : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } أي يئس الذين كفروا أن ترجعوا إلى دينهم كفارا . واليأس معناه انقطاع الرجاء . والتقدير أن هؤلاء الكافرين قد انقطع رجاؤهم من إبطال دينكم ورجوعكم عنه باستحلال هذه المحرمات والخبائث .
أو أنهم استيأسوا من غلبتهم عليكم لما رأوه من إظهار الله لهذا الدين بعد أن وعد عباده المؤمنين بإعلاء شأنهم وإظهار دينهم على كل الأديان .
قوله : { فلا تخشوهم واخشون } أي لا تخافوا من الكافرين بعد أن أذلهم الله وأظهركم عليهم . وبعد أن عز شأن الإسلام وأعلا راية المسلمين . بعد ذلك ما كان لكم أن تخافوهم وإنما عليكم أن تخافوا من الله وحده دون غيره من المخاليق .
قوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } نزلت هذه الآية يوم عرفة وكان يوم جمعة ، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأول ملوك الإسلام معاوية ، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس وسمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهم{[897]} . وقد تحقق إكمال الدين بكمال الإسلام في نظامه كله . هذا النظام الكبير الشاسع الذي تناول كل قضايا الحياة الدنيا يضمن للبشرية تمام السعادة في الدارين .
وكمال الإسلام حقيقة لا مراء فيها يقف عليها الدارسون وأولو الألباب والنظر ليروا عظمة هذا الدين بسعة مداه وامتداد شرعه وتفصيلاته التي غمرت الواقع كله حتى ما يكون من صغيرة ولا كبيرة من قضايا الدين والدنيا إلا وهي موضع حساب . ولم يمض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى أكمل الله دينه بكمال حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه . فصار بذلك وافيا شاملا مراعيا لفطرة الإنسان تمام المراعاة . ولا جرم أن يكون ذلك جوهر الصلوح الأبدي لهذا الدين الحنيف السمح .
قوله : { وأتممت عليكم نعمتي } وذلك بفتح مكة ودخولها آمنين منتصرين وهزيمة الشرك والمشركين وهدم أركان الجاهلية بكل مقتضياتها من الظلم والفساد والضلال .
قوله : { ورضيت لكم الإسلام دينا } دينا منصوب على التمييز . وقيل : مفعول به ثان . وذلك إيذان من الله للمسلمين أنه اختار لهم دين الإسلام ليكون لهم الدين المرضي دون غيره من الأديان . ويؤكد ذلك قوله عز وعلا : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه }
وقوله : { إن الدين عند الله الإسلام } . قوله : { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } اضطر ، أي دعته ضرورة إلى فعل هاتيك المحظورات مثل أكل الميتة وغيرها من المحرمات والمخمصة تعني المجاعة . أو هي خلو البطن من الطعام وجمعه خماص ، ومنه الخبر " تغدو خماصا وتروح بطانا " أي تذهب في الصباح ضامرة البطون لخلوها من الطعام ، وتعود في المساء مليئة البطون شبعا .
والمتجانف ، من الجنف وهو الميل . والإثم المعصية وفعل الحرام : وقيل : معنى الإثم هنا أن يأكل فوق الشبع تلذذا . وقيل : أن يكون عاصيا بسفره .
وجملة القول أن من ألجأته ضرورة لتناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله في الآية . فإنه غير مؤاخذ بذلك ما دام غير متعمد ولا منحرف لفعل الحرام ولا مختار له ، ولذلك قال : { فإن الله غفور رحيم } {[898]} .