{ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ } حكاية لفن آخر من أباطيلهم والإخبار قبل وقوعه ثم وقوعه حسبما أخبر كما يحكيه قوله تعالى عند وقوعه : { وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } [ النحل : 35 ] صريح في أنه من عند الله تعالى ، وقد نص غير واحد على أن وقوع ما أخبر الله تعالى به من المغيبات من وجوه الإعجاز لكلامه وإن لم يكن الإعجاز به فقط كما في قول مضعف { لَوْ شَاء الله } عدم إشراكنا وعدم تحريمنا شيئاً { مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ * ءابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن * شَىْء } لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح إذ لم يعتقدوا قبح أفعالهم وهي أفعى لهم بل هم كما نطقت به الآيات { يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [ الكهف : 104 ] وأنهم إنما يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى وأن التحريم إنما كان من الله عز وجل فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما ارتكبوه حق ومشروع ومرضي عند الله تعالى بناء على أن المشيئة والإرادة تساوق الأمر وتستلزم الرضا كما زعمت المعتزلة فيكون حاصل كلامهم أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله تعالى وإرادته ، وكل ما تعلق به مشيئته سبحانه وإرادته فهو مشروع ومرضي عنده عز وجل فينتج أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم مشروع ومرضي عند الله تعالى .
وبعد أن حكى سبحانه ذلك عنهم رد عليهم بقوله عز من قائل { كذلك } أي مثل ما ذكب هؤلاء { كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } وهم أسلافهم المشركون . وحاصله أن كلامهم يتضمن تكذيب الرسل عليهم السلام وقد دلت المعجزة على صدقهم . ولا يخفى أن المقدمة الأولى لا تكذيب فيها نفسها بل هي متضمنة لتصديق ما تطابق فيه العقل والشرع من كون كل كائن بمشيئة الله تعالى وامتناع أن يجري في ملكه خلاف ما يشاء . فمنشأ التكذيب هو المقدمة الثانية لأن الرسل عليهم السلام يدعونهم إلى التوحيد ويقولون لهم : إن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر ديناً ولا يأمر بالفحشاء فيكون قولهم : إن ما نرتكبه مشروع ومرضي عنده تعالى تكذيب لهذا القول ، وحيث كان فساد هذه الحجة باعتبار المقدمة الثانية تعين أنها ليست بصادقة وحينئذ يصدق نقيضها وهي أنه ليس كل ما تعلقت به المشيئة والإرادة بمشروع ومرضي عنده سبحانه بناء على أن الإرادة لا تساوق الأمر والرضا على ما هو مذهب أهل السنة إذ المشيئة ترجح بعض الممكنات على بعض مأموراً كان أو منهياً حسناً كان أو قبيحاً . وعلى هذا فلا حجة في الآية للمعتزلة بل قد انقلب الأمر فصارت الآية حجة لنا عليهم لأنهم لم يفرقوا بين المأمور والمراد واعتقدوا كالمشركين بأن كل مراد مأمور ومرضي ، ويجوز أيضاً أن يقال : مقصود المشركين من قولهم ذلك رد دعوة الأنبياء عليهم السلام ورفع البعثة والتكليف وهو المذكور في كثير من الكتب الكلامية .
وحاصله حينئذ أن ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع وكل ما هذا شأنه فلا يكلف به لكونه مشروطاً بالاستطاعة فينتج أن ما نرتكبه من الشرك وغيره لم نكلف بتركه ولم يبعث له نبي فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة صدق أريد بها باطل لأنهم أرادوا بها أن الرسل عليهم السلام في دعواهم البعثة والتكليف كاذبون وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية ولكون ذلك صدقاً أريد به باطل ذمهم الله تعالى بالتكذيب ، ووجوب وقوع متعلق المشيئة لا ينافي صدق دعوى البعثة والتكليف لأنهما لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة . وسيأتي توجيه آخر إن شاء الله تعالى قريباً للآية .
وعطف { ءابَاؤُنَا } على الضمير المرفوع في { أَشْرَكْنَا } وساغ ذلك عند البصريين وإن لم يؤكد الضمير لأنه يكفي عندهم أي فاصل كان ، وقد فصل بلا ههنا ، والكوفيون لا يشترطون في ذلك شيئاً ويستدلون بما هنا ولا يعتبرون هذا الفصل لأنه ينبغي أن يتقدم حرف العطف ليدفع الهجنة ولا يكفي عندهم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ، وتوقف أبو علي في كفاية الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه وإن لم يفصل حرف العطف . وادعى الإمام «أن في الكلام تقديراً لأن النفي لا يصرف إلى ذوات الآباء بل يجب صرفه إلى فعل صدر منهم وذلك هو الإشراك فيكون التقدير ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا وحينئذ فلا إشكال2 .
{ حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا } أي نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم ، وفيه على ما قيل إيماء إلى أن لهم عذاباً مدخراً عند الله تعالى لأن الذوق أول إدراك الشيء . { قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ } أي من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على زعمكم { فَتُخْرِجُوهُ } أي فتظهروه { لَنَا } على أتم وجه وأوضح بيان ، وقيل : المراد هل لكم من اعتقاد ثابت مطابق فيما اتدعيتم أن الإشراك وسائر ما أنتم عليه مرضي لله تعالى فتظهروه لنا بالبرهان ، وجعل إمام الحرمين في «الإرشاد » هذا وما بعده دليلاً على أن المشركين إنما استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك لأنهم كانوا يهزؤن بالدين ويبغون رد دعوة الأنبياء عليهم السلام حيث قرع مسامعهم من شرائع الرسل عليهم السلام تفويض الأمور إليه سبحانه فحين طالبوهم بالإسلام والتزام الأحكام احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم مستهزئين بهم عليهم الصلاة والسلام ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم كيف لا والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان به عز شأنه وهو عنهم مناط العيوق .
{ إِن تَتَّبِعُونَ } أي ما تتبعون في ذلك { إِلاَّ الظن } الباطل الذي لا يغني من الحق شيئاً أو المراد إن عادتكم وجل أمركم أنكم لا تتبعون إلا الظن { وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ } تكذبون على الله تعالى ، وقد تقدم الكلام في حكم اتباع الظن على التفصيل فتذكر .
( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ } بالله تعالى وأثبتوا وجوداً غير وجوده { لَوْ شَاء الله } تعالى { مَا أَشْرَكْنَا } به سبحانه شيئاً { وَلاَ } أشرك { ءابَاؤُنَا } من قبلنا { وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْء } قالوا ذلك تكذيباً للرسل عليهم السلام { كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } وقالوا مثل قولهم { حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا } الذي حل بهم لتكذيبهم وهو الحجاب { قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } بالبيان { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } [ الأنعام : 148 ] لأنكم محجوبون في مقام النفس
قوله تعالى : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ( 148 ) قل فلله الحجة البلغة فلو شاء لهدكم أجمعين ( 149 ) قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بئايتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون } .
ذلك إخبار من الله بالغيب عما سيقوله العرب المشركون قبل أن يقولوه وقد قالوه حسبما تحكيه الآيات هنا عن أباطيل المشركين الجاهلين وسفاهاتهم وتهافت أفكارهم وتصوراتهم وما اصطنعوه من حجج سقيمة واهية ، إذ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أراد الله منا الإيمان غير إيماننا وإفراده بالعبادة دون الأوثان والأصنام وتحليل ما حرم علينا من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي وبطلان ما جعلناه لله نصيبا من الحروث والأنعام وغير ذلك من الأحكام لما فعلنا شيئا من ذلك ولكان الله قد حال بيننا وبين هذه الأفعال ، لأن الله قادر على الحيلولة بيننا وبين ما عبده آباؤنا من الأصنام والأوثان ، ولما قلدناهم فيه من مختلف الأحكام . الله قادر أن يصدنا وآباءنا من قبل عن عبادة الأصنام وعن كل ما فعلنا من تكريم لآلهتنا وإجلال لها ! لا جرم أن ذلك ترخيص وهذيان تتقوله ألسنة الضالين من الناس وهم تتيه أحلامهم في غاية السفاهة والسقم ، لذلك رد الله مقالتهم بقوله : { كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } أي كما كذب هؤلاء المشركون ما جئتهم به يا محمد من الحق والبيان فقد كذب من قبلهم من فسقة الأمم الذين طغوا – أنبياءهم وما جاءوهم به من الآيات والدلائل حتى أسخطوا الله عليهم فاستحقوا بذلك منه غضبه فأحل بهم البأس وهو قوله : { حتى ذاقوا بأسنا } أي أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم ، فذلوا في هذه الدنيا وباءوا بالخسران والعمه والضياع ، فضلا عما أعده الله لهم من العذاب البئيس يوم القيامة .
قوله : { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا } أي قل لهؤلاء المشركين الطاغين السفهاء : هل عندكم برهان على صدق دعواكم وزعمكم أن الله راض عنكم وعن إشراككم أصنامكم في عبادته وعما تزعمونه من الأحكام المفتراة كتبحير البحيرة وغيرها وما جعلتموه من أموالكم نصيبا لله – هل عندكم من علم أو دليل على ما تقولونه فتظهروه لنا ؟ ! ولا يخفى ما في ذلك من توبيخ لهؤلاء السفهاء . فهم يستحقون من التقريع ما يؤز مشاعرهم ويوقظ فيهم العقول الراكدة المستنيمة .
قوله : { إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } أي ما تتبعون في عبادتكم وتصوركم وأفعالكم إلا الباطل وهو لا يغني من الحق شيئا . وما أنتم إلا { تخرصون } أي تكذبون وتتقولون الباطل .