روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

{ قُلْ تَعَالَوْاْ } أمر له صلى الله عليه وسلم بعد ما ظهر بطلان ما ادعوا أن يبين لهم من المحرمات ما يقتضي الحال بيانه على الأسلوب الحكيم إيذاناً بأن حقهم الاجتناب عن هذه المحرمات ، وأما الأطعمة المحرمة فقد بينت فيما تقدم ، و ( تعال ) أمر من التعالي والأصل فيه أن يقوله من هو في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم اتسع فيه بالتعميم واستعمل استعمال المقيد في المطلق مجازاً ، ويحتمل هنا كما قيل أن يكون على الأصل تعريضاً لهم بأنهم في حضيض الجهل ولو سمعوا ما يقال لهم ترقوا إلى ذروة العلم وقنة العز .

وقوله سبحانه : { اتل } جواب الأمر أي أن تأتوني أتل ، و ( ما ) في قوله تعالى : { مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } إما موصولة والعائد محذوف أي أقرأ الذي حرمه ربكم أي الآيات المشتملة عليه أو مصدرية أي تحريمه ، والمراد الآية الدالة عليه ، وهي في الاحتمالين في موضع نصب على المفعولية لأتل ، وجوز أن تكون استفهامية فهي في موضع نصب على المفعولية لحرم ، والجملة مفعول { اتل } لأن التلاوة ومن باب القول فيصح أن تعمل في الجملة بناءً على المذهب الكوفي من أنه تحكي الجملة بكل ما تضمن معنى القول وغيرهم يقدر في ذلك قائلاً ونحوه . والمعنى هنا على الاستفهام تعالوا أقل لكم وأبين جواب أي شيء حرم ربكم ، وقوله تعالى : { عَلَيْكُمْ } متعلق على كل حال بحرم ، وجوز أن يتعلق بأتل ورجح الأول بأنه أنسب بمقام الاعتناء بإيجاب الانتهاء عن المحرمات المذكورة ، وهو السر في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ، ولا يضر في ذلك كون المتلو محرماً على الكل كما لا يخفى .

{ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } أي من الإشراك أو شيئاً من الأشياء فشيئاً يحتمل المصدرية والمفعولية ؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في إعراب ( أن لا ) . وبدأ سبحانه بأمر الشرك لأنه أعظم المحرمات وأكبر الكبائر { وبالوالدين } أي أحسنوا بهما { إحسانا } كاملاً لا إساءة معه . وعن ابن عباس يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب فلا يغلظ لهما في الجواب ولا يحد النظر إليهما ولا يرفع صوته عليهما بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي سيده تذللاً لهما ، وثنى الله تعالى بهذا التكليف لأن نعمة الوالدين أعظم النعم على العبد بعد نعمة الله تعالى لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو الله عز وجل والمؤثر في الظاهر هو الأبوان .

وعقب سبحانه التكليف المتعلق بالوالدين بالتكليف المتعلق بالأولاد لكمال المناسبة فقال سبحانه : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ } بالوأد { خشية إملاق } [ الإسراء : 31 ] من أجل فقر أو من خشيته كما في قوله سبحانه : { خَشْيَةَ إملاق } وقيل : الخطاب في كل آية لصنف وليس خطاباً واحداً فالمخاطب بقوله سبحانه : { مّنْ إملاق } من ابتلي بالفقر وبقوله تعالى : { خَشْيَةَ إملاق } من لا فقر له ولكن يخشى وقوعه في المستقبل ، ولهذا قدم رزقهم ههنا في قوله عز وجل { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } وقدم رزق أولادهم في مقام الخشية فقيل :

{ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } [ الإسراء : 31 ] وهو كلام حسن . وأياً ما كان فجملة { نَحْنُ } الخ استئناف مسوق لتعليل النهي وإبطال سببية ما اتخذوه سبباً لمباشرة المنهي عنه وضمان منه تعالى لإرزاقهم أي نحن نرزق الفريقين لا أنتم فلا تقدموا على ما نهيتم عنه لذلك .

{ وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش } أي الزنا ، والجمع إما للمبالغة أو باعتبار تعدد من يصدر عنه أو للقصد إلى النهي عن الأنواع ولذا أبدل منها قوله سبحانه : { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أراذلهم وما يفعل سراً باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم ، وروي ذلك عن ابن عباس والضحاك والسدي ، وقيل : المراد بها المعاصي كلها . وفي المراد بما ظهر منها وما بطن على هذا أقوال تقدمت الإشارة إليها واختار ذلك الإمام وجماعة ، ورجح بعض المحققين الأول بأنه الأوفق بنظم المتعاطفات ، ووجه توسيط هذا النهي عن النهي بين قتل الأولاد والنهي عن القتل مطلقاً عليه باعتبار أن الفواحش بهذا المعنى مع كونها في نفسها جناية عظيمة في حكم قتل الأولاد فإن أولاد الزنا في حكم الأموات . وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في حق العزل : «ذاك وأد خفي » وعلى القول الآخر لا يظهر وجه توسيط هذا العام بين أفراده ويكون توسيطه بين النهيين من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه ، وتعليق النهي بقربانها إما للمبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها وإما لأن قربانها داع إلى مباشرتها .

{ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله } أي حرم قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد فيخرج الحربي ويدخل الذمّي ، فما روي عن ابن جبير من كون المراد بالنفس المذكورة النفس المؤمنة ليس في محله { إِلاَّ بالحق } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق الذي هو أمر الشرع بقتلها ، وذلك كما ورد في الخبر " بالكفر بعد الإيمان والزنا بعد الإحصان وقتل النفس المعصومة " أو من أعم الأسباب أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق وهو ما في الخبر أو من أعم المصادر أي لا تقتلوها قتلاً إلا قتلاً كائناً بالحق وهو القتل بأحد المذكورات .

{ ذلكم } أي ما ذكر من التكاليف الخمسة الجليلة الشأن من بين التكاليف الشرعية { وصاكم بِهِ } أي طلبه منكم طلباً مؤكداً . والجملة الاسمية استئناف جىء به تجديداً للعهد وتأكيداً لإيجاب المحافظة على ما كلفوه . وقال الإمام : «جيء بها لتقريب القبول إلى القلب لما فيها من اللطف والرحمة » { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المحرمة .

( ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } فإن إثبات موجود غير الله تعالى ظلم عظيم { وبالوالدين } أي الروح والقلب أحسنوا { إحسانا } برعاية حقوقهما { وَلاَ تَقْتُلُواْ } أي تهلكوا { أولادكم } قواكم باستعمالها في غير ما هي له { مّنْ إملاق } أي من أجل فقركم من الفيض الأقدس { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } بأن نفيض عليكم وعليهم ما تتغذون به من المعارف بمقدار إذا توجهتم إلينا { وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش } الأعمال الشنيعة { مَا ظَهَرَ مِنْهَا } كأفعال الجوارح { وَمَا بَطَنَ } كأفعال القلب { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله } تعالى قتلها { إِلاَّ بالحق } [ الأنعام : 151 ] أي إلا بسببه بأن تريدوا توجهها إليه أو إلا قتلاً متلبساً به ، وهو قتلها إذا مالت إلى السوى

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

قوله تعالى : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسنا ولا تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون ( 151 ) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصكم به لعلكم تذكرون ( 152 ) وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصكم به لعلكم تتقون } .

ما اسم موصول في محل نصب مفعول لقوله : { أتل } ولا ، في قوله : { ألا } زائدة . وتقديره : حرم عليكم أن تشركوا . ويجوز أن تكون ما استفهامية . فهي بذلك في محل نصب بالفعل { حرم } وتقدير ذلك : أي شيء حرم ربكم ؟ .

يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس للإقبال عليه لكي يبين لهم شرع الله فيما حرمه عليهم . يأمره أن يقول لهم : تعالوا إلي أيها القوم أقرأ عليكم ما حرم ربكم عليكم . وما أقوله لكم لهو الحق اليقين الذي أبينه لكم وليس تخريصا كتخريصكم . وكذلك يكون واجب العلماء وهو أن يدعوا الناس إلى دين الله ومنهجه الحق فيبينوا لهم الحق الذي تتضمنه شريعة الإسلام ، ويحذروهم من الباطل بكل صوره وأشكاله ويحذروهم كذلك من الوقوع في المحرمات والفسق كما بينته الآية هنا .

قوله : { ألا تشركوا به شيئا } ألا تشركوا ، في محل نصب بدل من { ما } أي أتل عليكم تحريم الإشراك . وشيئا ، يحتمل المفعولية . أي لا تشركوا به شيئا من الأشياء . ويحتمل المصدرية . أي لا تشركوا به شيئا من الإشراك . وقد بدأ الله بالنهي عن الشرك ، فهو أكبر الكبائر وأفظع المعاصي . لا جرم أن الشرك فادحة شنيعة تدنو دونها كل الموبقات والفوادح فإنه لا يشرك بالله ظالم أثيم قد تردى في هاوية الخاسرين اليائسين . ويستوي في الشرك كل صوره وألوانه من الأوثان الخسران والآلهة المزيفة ، ما بين حجر أصم ، أو كوكب دائر في فلكه يسبح بحمد الله على الدوام ، أو شبحا من الأشباح الموهومة ، أو طاغوتا من طواغيت البشر يدين له المغفلون السفهاء بالطاعة المطلقة والولاء الكامل من غير روية ولا نظر ، إلا العماية والخور ، أو السفاهة والضلالة وانعدام البصر .

قوله : { وبالولدين إحسنا } إحسانا منصوب على المصدر ، لفعل مضمر من لفظه . أي أحسنوا بالوالدين إحسانا . والإحسان إلى الوالدين يعني البر بهما وامتثال أوامرهما وبذل الخير والنصح لهما ، وكامل التواضع واللين في مخاطبتهما ودفع الأضرار والشرور عنهما .

قوله : { ولا تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم } بعد أن بين الله حق الوالدين على الأولاد ، ذكر عقيب ذلك حق الأولاد على الوالدين فنهى عن قتلهم خوفا من الفقر مثلما كان الجاهليون يفعلون بالذكور والإناث على السواء . إذ كانوا يقتلون خوفا من الفقر ويئدون البنات خشية العار . لا جرم أن ذلك مربع الشناعة وبالغ الفداحة والنكر . فإنه لا يجترئ على قتل النفس البريئة إلا مقبوح ظلوم ، أو عات وعتل وغشوم . ما ينبغي لعاقل ذي قلب وكينونة بشرية سوية أن يجترئ على قتل ولده خشية الفقر . فإن الله جلت قدرته لهو القمين برزق الوالدين ومن يعولونهم من الأولاد . فليس من مدعاة بعد ذلك للخوف من الفقر على الأسرة والأولاد ما دام الله عز وجل متكفلا بالرزق .

قوله : { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } الفواحش جمع فاحشة ، وهي الزنا وكل ما يشتد قبحه من الذنوب وكل ما نهى الله عنه والفحش ككل شيء جاوز حده ، والفاحش ما جاوز الحد{[1313]} .

على أن تأويل الفواحش ما ظهر منها وما بطن موضع خلاف . فقد قيل : المراد بما ظهر منها زواني الحوانيت ، وأما ما بطن فما خفي . وقد كان أهل الجاهلية يستسرون بالزنا ويرون ذلك حلالا ما كان سرا فحرم الله السر منه والعلانية . فما ظهر منها يعني العلانية ، وما بطن يعني السر . وقد ذكر مثل ذلك عن ابن عباس ، إذ قال : كانوا في الجاهلية لا يرون بأسا بالزنا في السر ويستقبحونه في العلانية فحرم الله الزنا في السر والعلانية .

وقيل : الأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين بل يجري على عمومه في جميع الفواحش والمعاصي ظاهرها وباطنها ، لأن اللفظ عام يتناول بعمومه سائر المعاصي والمناهي .

قوله : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ذلك نهي من الله عن قتل النفس التي حرم الله قتلها لعصمتها بالإسلام أو بالعهد كالذمي والمستأمن ، { إلا بالحق } وهو ما يوجب قتلها . أي لا تقتلوا النفس المعصومة بالإسلام أو الذمة أو العهد في حال من الأحوال إلا في حال الحق . أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق . وهو ما يوضحه الحديث . فقد جاء في الصحيحين وكتب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " وهذا الحق عدة أمور نعرض لها في الأخبار التالية . فقد روى الشيخان عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .

وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال : زان محصن يرجم ، ورجل قتل متعمدا فيقتل ، ورجل يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض " .

وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو محصور : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه ، أو زنا بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس " فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله ، ولا قتلت نفسا ، فبم تقتلوني .

إلى غير ذلك من الأسباب الموجبة لقتل المسلم . أما غير المسلم وهو الذمي أو المعاهد . ويراد بالمعاهد ، المستأمن من أهل الحرب الذي يدخل دار الإسلام بعقد الأمان من قبل دولة الإسلام . وقد جاء في قتل الذمي والمعاهد ظلما أشد الزجر والتهديد من الله بما يتوعد القاتلين ظلما الحرمان والخسران في الآخرة . فقد روى ابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عيه وسلم قال : " من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر{[1314]} بذمة الله فلا يُرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا " .

وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي بكرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من قتل معاهدا في غير كنهه{[1315]} حرم الله عليه الجنة " .

قوله : { ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون } الإشارة عائدة إلى المنهيات المذكورة . فقد وصاكم الله بوجوب المحافظة على ما كلفتم به وهو اجتناب المنهيات لعلكم بعقولكم تكونون من الراشدين . ومن المعلوم أن كمال العقل هو الرشد .


[1313]:- القاموس المحيط ج2 ص 293 ومختار الصحاح ص 492 والمصباح المنير ج 2 ص 117.
[1314]:- أخفر: نقض عهده وغدر. انظر القاموس المحيط ج 2 ص 23 ومختار الصحاح ص 182.
[1315]:- كنه الشيء: حقيقته ونهايته. والكنه: الوقت، والغاية. انظر المصباح المنير ج 2 ص 204 والمراد بقتله في كنهه: قتله في غير وقته الذي جاز فيه قتله. أو قتله بغير حق.